بالقدر الذي امتد تأثير ثورة 23 يوليو 1952 ليشمل بلداناً عربية وافريقية عدة إلا ان تأثيراً من نوع خاص ربط هذه الثورة وقائدها الزعيم جمال عبدالناصر باليمن وثورته في التحرر من حكم الأئمة المتخلف، في شماله والاستعمار البريطاني في جنوبه وبالقدر ذاته فإن الحديث عن هذه الثورة والدور المصري في اليمن لابد وان يكون ذا خصوصية أيضاً. ولهذا اختارت «البيان» واحداً من أبرز قادة ثورة اليمن وأحد دبلوماسييها المخضرمين محمد سالم باسندوه لالقاء الضوء على الدور البارز الذي لعبته ثورة يوليو وانعكاسات هذا الدور على اليمن وعلى مصر والأمة العربية فمستشار الرئيس علي عبدالله صالح هو أحد قادة جبهة تحرير جنوب اليمن وكان مسئولاً عن العمل الفدائي ضد قوات الاحتلال البريطاني. قال عنه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل انه «سار بقضية جنوب اليمن راحلاً على الاقدام عبر الجبال قادماً إلى قلب العالم العربي في القاهرة عائداً إلى وطنه الأكبر مسئولاً ووزيراً، عين وزيراً للخارجية ومن ثم للاعلام ودبلوماسياً في أكثر من دولة قبل ان يعين مستشاراً لرئيس الجمهورية ومن النهاية كان السؤال. ـ كيف ترون ثورة 23 يوليو بعد مضي 50 عاماً على قيامها؟ ـ لا جدال في ان ثورة يوليو كانت أهم نقطة تحول في تاريخ امتنا العربية ولا تزال ربما كانت في بدايتها مجرد انقلاب على حاكم فاسد كالملك فاروق لكنها ما لبثت ان تحولت إلى ثورة حقيقية امتد تأثيرها إلى أصقاع كثيرة سيما منذ ان تولى زمام قيادتها «علنا» الرئيس جمال عبدالناصر. صحيح ان عبدالناصر كان القائد الفعلي لتنظيم الضباط الاحرار منذ تأسيسه لكنه آثر ان يتوارى لبعض الوقت عن الأنظار تاركاً فرصة الظهور لضابط أو قائد عسكري كبير هو اللواء محمد نجيب. ولهذا فإن الثورة ستبقى في ذاكرة الزمن لدورها الكبير في تمكين العديد من أقطار الوطن العربي وافريقيا وآسيا من التحرر من الاستعمار ولما أحدثته من اصلاحات اجتماعية جذرية داخل المجتمع، ويكفي ان يشار إلى عبدالناصر بأنه بطل قومي لأمتنا وان الناس تحس اليوم بغيابه والفراغ الذي تركه، فلو كان موجوداً الآن بيننا برغم اختلاف الظروف عما كانت عليه حين ذاك فإني أجزم انه كان سيستطيع توحيد الأمة تحت لواء قيادته وان يقودها لمواجهة اعدائها، أما من يقولون ان عبد الناصر كان يقود الأمة عند هزيمة يونيو فإنهم ينسون ان تلك الهزيمة كانت مؤامرة دبرت لها قوى استعمارية جندت لها كل امكاناتها ومع ذلك فالهزيمة كانت جولة خسرناها كعرب وبمجرد حصولها بدأ عبد الناصر بتحويلها إلى معركة مستمرة ابتدأت بحرب الاستنزاف وانتهت في اكتوبر 1973م. ـ هناك من يقول ان لا شيء تبقى من ثورة يوليو.. كيف ترون هذا الطرح؟ ـ بقي من يوليو أهم انجازاتها التي ما زلنا نعيشها، والاستقلال الذي نعمت به الاقطار العربية ساهم قائد الثورة في انجازه. ـ ولكن الاستعمار عاد الآن بصورة أخرى؟ ـ الاستعمار لم يعد في عهد عبدالناصر الذي أخرجه من الوطن العربي، لقد عاد في عهود حكام آخرين وللأسف الشديد، وقد عرفت جمال عبدالناصر شخصياً وقابلته ثلاث مرات كنت في كل مرة اشعر بهيبة، حتى أني في أو لقاء معه تساقطت الدموع من عيني، فقد كان قلبه بحجم الوطن العربي وامنياته بالحرية لكل مواطن عربي، رغم الهجوم الذي تتعرض له الثورة وقائدها منذ عقود. ـ البعض يقول ان ثورة يوليو مرحلة تاريخية انتهت بوفاة قائدها؟ ـ وماذا تنتظر من اعداء الأمة، واعداد الثورة وقائدها ان يقولوا، شيء طبيعي ان يقولوا ذلك وان يفتروا لكن عبدالناصر سيبقى والثورة ستظل علامة بارزة في تاريخنا العربي المعاصر، فإذا ذكر صلاح الدين الأيوبي مثلاً، لابد وان يذكر جمال عبدالناصر، فمثله نوع نادر من الزعماء الذي لا يظهر في أي أمة وأي شعب بعد قرون، من الصعب ان يظهر زعيم بحجم عبدالناصر في هذا القرن أو القرن المقبل، في تقديري فالرجل يكفيه الالتفاف العارم حوله لم يجعله إلا نظيفاً شريفاً لم يترك ثروة بل ان مسكنه اعيد للدولة بعد ان توفيت زوجته. ـ في ظل الاوضاع المأساوية التي يعيشها الوطن العربي هل لا تزال مبادئ ثورة يوليو قادرة على الصمود والاستمرار؟ ـ لم تزدهر الحركة القومية كما ازدهرت في عهد ثورة يوليو وكان التيار القومي هو التيار الكاسح، الآن التيار الديني هو الأبرز، ولهذا لابد ان يتوحد التياران تحت لواء وقيادة يستطيعان من خلال مبادئ الثورة المواجهة. في ظني انه لا يوجد ما يجعل التياران يختلفان ويفترض ان يكونا معاً في ظل الظروف العصيبة التي تمر بها أمتنا. واعتقد ان جمال عبدالناصر لو عاش حتى اليوم لكان أول من سيبادر إلى توحيد التيارين رغم الخلافات السياسية التي طبعت علاقته مع الاخوان المسلمين، وانحسار التيار القومي ليس سببه مجرد غياب عبدالناصر إنما في تقييمي ان هذا التيار وبعد رحيل زعيمه لم يستطع ان يحتفظ بمكانته في الأوساط الشعبية ربما لأنه كان متواكلاً كثيراً على عبدالناصر، التيار الاسلامي مؤخراً اثبت وجوده في ساحة المقاومة المسلحة ضد الكيان الصهيوني، ولكن على قادته ان يدركوا ان الاعداء لا يريدون له التوحد مع التيار القومي. ـ الدور المصري في اليمن لا يزال محل نقاش بين مؤيد ومعارض كيف تقيمونه انتم؟ ـ ما من عمل في التاريخ إلا وله ايجابيات وسلبيات لكن ايجابيات الدور المصري في اليمن كبيرة تتضاءل أمامها كل السلبيات، وهل هناك أعظم من ان يجود الانسان بنفسه لقد جاء الأخوة من مصر وقدموا ارواحهم دفاعاً عن ثورة 26 سبتمبر وانتصاراً لثورة 14 اكتوبر، يجب ان نحترم تضحيات شهداء مصر، وجراح جنودها في أرض اليمن، أما السلبيات فهي من صنع أفراد دفعتهم مصالح أو تصورات خاطئة لكن في كل الأحوال ننظر بإجلال واكبار لمصر عبدالناصر وما قدمته من تضحيات في سبيل الثورة اليمنية. ـ لقد وصف هذا الدور بأنه الفخ الذي نصب لعبدالناصر وسبب هزيمة يونيو؟ ـ لم يكن فخاً معداً من قبل، فعندما جاءت القوات المصرية الى اليمن وجد الاستعمار والقوى المعادية لثورة يوليو ذلك فرصة مواتية لتوريط مصر في اليمن وسعوا لتحويلها إلى مستنقع للقوات المصرية، لهذا وجهت الضربة وجزء كبير من القوات المصرية في اليمن، كما ان دور ثورة يوليو لم يرق لاعداء حركة التحرر ولهذا عملوا على استنزاف القوات المصرية المرابطة باليمن بالتزامن ومخطط تآمري لضرب مصر في العمق. حين قامت ثورة سبتمبر لم يكن هناك أوضاع طارئة تستدعي بقاء قوات الجيش كلها في مصر بل ان تفجير ثورة 26 سبتمبر اعاد الاعتبار للحركة القومية لأنها جاءت بعد مرور عام واحد إلا يوم على انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة، ولهذا كان طبيعياً ان تبادر القوات المصرية للانتصار للثورة اليمنية، وكان لابد ان يرى كل عربي انتصار الثورة في رد الاعتبار للحركة القومية. من المؤكد ان عبدالناصر كان يعلم ان المعركة مع الدولة الصهيونية قادمة ولكنه كان يريد اختيار الزمان ولكن اعداء الأمة لم يتركوا له الفرصة واستغلوا وجود جزء كبير من القوات المصرية في اليمن، واختاروا الوقت لتنفيذ مخططهم، لكن الحروب جولات قد تنكسر في جولة لكن ذلك ليس نهاية المطاف، ولهذا فانتصار اكتوبر كان تتويجاً لجهود عبدالناصر في اعادة بناء القوات المسلحة، يجب ان لا يتحسس حتى من عادوا جمال عبدالناصر في حياته عندما يخلد بل على هؤلاء أن يشعروا بالندم لأنهم بفقده فقدوا القائد الذي كان باستطاعته ان يقودهم إلى النصر. ـ هل تتنبئ بعودة قوية للتيار القومي في المستقبل المنظور؟ ـ انا استبعد هذا لأن المواجهة الآن والتي يقودها الغرب مركزة على الإسلام وعلى الأمة العربية والإسلامية ولهذا فالمواجهة ستكون واسعة وسيساعد ذلك على بروز التيار الاسلامي اكثر فأكثر. وكما ترى الصراع الآن ليس بين الغرب والعرب فقط بل بين حضارتين غربية وشرقية اسلامية. ـ يأخذ المعارضون لثورة يوليو على نظام عبدالناصر تفشي الفساد في الأجهزة وهو ما أدى إلى سقوط مشروعه؟ ـ من الأشياء التي تحسب لذلك العهد انه لم يكن يسمح بفساد مالي أو أخلاقي إلا فيما ندر، فقد كان عبدالناصر مثالاً في النزاهة والعفة والشرف، ولم يظهر الفساد في مصر إلا بعد رحيله، ومع ظهوره ازدادت مساحة الفقر الذي أدى بدوره إلى ظهور التطرف والعنف والارهاب، وإذا استطاع العرب التخلص من الفساد وتطهير أجهزتهم منه لأمكنهم مكافحة الفقر وبالتالي لن يكون هناك مبرر للعنف والارهاب الذي شهدته كثير من الدول العربية مع نهاية السبعينيات. كتب محمد الغباري: