كان كفاح الامة العربية منذ مطلع القرن الماضي كفاحاً من أجل الديمقراطية والدستور. وكانت شعوب الامة تتطلع الى الوحدة والحرية والعدالة ورفع البعث شعار «امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة». وقدموا الوحدة على التحرر والاشتراكية. ورفعت ثورة يوليو شعار الحرية والوحدة والاشتراكية. وبحكم موقع مصر ودورها التاريخي ووزنها وتأثيرها وزعامة جمال عبدالناصر فقد اثرت التجربة المصرية في المحيط العربي كله. حتى على الخصوم السياسية: البعث، والشيوعيين، والاخوان المسلمين. وكان تأثير مصر على اليمن حاسماً. فالبعثات الطلابية منذ الثلاثينيات كانت وجهتها مصر، والتجربة الليبرالية في مصر لها امتداد في جنوب الوطن في ظل الاحتلال البريطاني. فالتيار الليبرالي متأثر بتجربة الوفد والاحزاب المصرية. والشيوعيون قد بدأت تكوناتهم في مصر عبر رابطة الطلاب اليمنيين. وبدأت الاتجاهات الاسلامية تواجدها الدولي في مصر عبر الارتباط بالاخوان المسلمين. لم يكن غريباً ان تتكون الخلايا الاولى لتنظيم الضباط الاحرار في المدارس العسكرية والكليات التي يدرس فيها ويشرف عليها اساتذة مصريون. ورغم فاعلية التيار البعثي داخل التنظيم العسكري الا ان تأثير وتجربة ثورة 23 يوليو. ودور الزعيم العربي كان عميق الاثر في مجرى الاحداث في اليمن. وليس مصادفة ان تكون مباديء التنظيم العسكري الثوري في المتوكلية اليمنية هي المباديء نفسها الستة التي نادت بها ثورة 23 يوليو 52 في مصر. البداية في العام 1955 قام انقلاب عسكري ضد الامام احمد حميد الدين. قاد الانقلاب اخوة سيف الاسلام عبدالله القريب من اميركا ومن السياسات الاميركية في المنطقة العربية. وقد ادانت مصر الانقلاب، وايدت الامام المنتصر احمد. ورد الامام على الانقلاب بتوجه الى الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي عبر البوابة المصرية. وبدأ السلاح الروسي والتشيكي يتدفق على الحديدة منذ العام 57. وبدأ المدرسون المصريون والخبراء الروس يدربون ويدرسون الطلاب اليمنيين من خريجي مدرسة الأيتام، والمدارس الاخرى، وكان طلاب هذه المدارس هم النواة الصلبة للتنظيم الثوري الذي طوح بالامامة في زمن قياسي. لم يكن اليمنيون مجرد متلقين سلبيين. فما ان جرى الانفصال بين مصر وسوريا 59 حتى فجر الطلاب المظاهرات احتجاجاً على الانفصال وتعرضوا للاعتقال والتشريد والتنكيل ليبدأ التفكير الجدي لقيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 62 وفي صنعاء نهايات العام 1961. وتحديداً في ديسمبر اجتمعت اللجنة التأسيسية للتنظيم العسكري الثوري. وكان تأثير التجربة المصرية حاسما. اما في الجنوب فقد نشأت الجمعية الاسلامية الكبرى في العام 1949. وكان حزب الاحرار قد تكون في العام 1944. وورثت رابطة ابناء الجنوب العربي الجمعية الاسلامية التي كان معظم قادتها من خريجي الازهر الشريف. ثم نشأت الاحزاب القومية. البعث 56 حركة القوميين العرب 59. وتأسس اتحاد الشعب الديمقراطي «الشيوعيون» عام 61. وامتدت هذه المنظمات الى مدن الشمال. وبالاخص مدينة تعز في المراحل الاولى، وكان تأسيس الحركة النقابية العمالية ابكر من كل التنظيمات السياسية اذ يرجع وجودها الى مطلع الاربعينيات. في مطلع الستينيات والسبعينيات دار حوار بين مختلف القوى السياسية وداخل البقية الصالحة من الضباط الاحرار الذين اسهموا في تفجير الحدث القومي. وساهم بعض من قادة 48 في الانقلاب ضد الامام يحيى. وخصوم الثورة في علاقة 26 سبتمبر بالـ 23 من يوليو وكان الحوار في طابعه العام سطحيا وشكلانيا عن طبيعة الاتصال بمصر واحيانا بالسفارة المصرية في صنعاء. ومن هم الذين قاموا بالاتصال؟ وبالتالي مدى تبعية الثورة اليمنية للقاهرة. ولم يدر الجدل عميقا حول طبيعة الاوضاع في صنعاء وعدن والقاهرة. وعن الوجود التاريخي والواقعي لوجود امة تتوافر لها كل خصائص الامة تناضل لبناء كيان عربي موحد. فالبعد القومي والارادة العامة لامة تكافح لنيل السيادة والاستقلال. وبناء غد افضل هو ما يفسر حركة الضباط الاحرار في صنعاء عشية 26 سبتمبر كرفض للاستبداد الامامي. وتوثب لطرد الاستعمار من جنوب الوطن واستعادة الوحدة العربية. وكان الجانب الارادي جلياً في تفكير الثوار في مصر وصنعاء فالبيانات الاولى للثورة والاهداف الستة توميء للتماهي بين الثورتين ولا تراعي التفاوت الاجتماعي والاختلافات العميقة بين تجربة بلد قطع شأوا بعيداً في التمدن والتحضر ويمتلك مؤسسات ومنجزات حضارية كبيرة. ودولة قوية وحديثة. وارتباطاً بالعصر. وبين بلد ينتفض ضد دولة قروسطية وحرمت اليمن من انوار العصر. فلا دولة ولا مؤسسات ولا مجتمع مدني. ولا تعليم حقيقي. ولا احزاب سياسية. ولا مؤسسات دولة. كانت مساندة مصر لليمن او بالاحرى النجدة القومية لجيش مصر بزعامة ناصر شاهد التوجه القومي. والارتباط العميق بين الثورة العربية. وكان الوجود ضروريا لحماية الثورة الوليدة في المتوكلية اليمنية المحاصرة بالوجود الاستعماري البريطاني في الجنوب. وبقوى شديدة التخلف في الشمال. وبالمصالح الاميركية في منطقة تختزن 60.6% من احتياط العالم من النفط. كان المشترك بين ابناء أمة واحدة هو التصدي للاستعباد والاستعمار. وقهر التخلف والعزلة عن العصر. وكان التباين بين البلدين مصر واليمن والثورتين يوليو وسبتمبر كبيرا جدا ومختلفاً الى حد بعيد. وكان التماهي او رغبة التماثل رغبة عاطفية. وامنية غير واقعية. قادت الى مآزق شديدة. ليس بين اليمن ومصر فحسب بل في علاقة الحركة القومية كلها. وهي المسئولية عن كارثة الانفصال بين مصر وسوريا. وربما كانت وراء كارثة الصراعات اللاحقة لهزيمة 67 في جوانب مهمة. فعدم مراعاة التفاوت الاجتماعي وتباين مستويات التطور. والاختلافات العميقة والموروثة في الوطن العربي. وتغليب الرغبة والارادية يقود الى مهالك من اخطرها حرب الخليج الثانية التي انتهت بكارثة لاتزال الامة تعيش فصولها. بعد هزيمة 67 راهن خصوم الثورة ومساندوهم على اسقاط صنعاء بقوة السلاح. وكانت مفخرة اليمنيين القدرة في ظروف الهزيمة القومية على طرد الاستعمار البريطاني من جنوب الوطن بقيادة شباب الجبهة القومية وفدائييها الذين تدربوا على يد القوة المصرية. وصمود صنعاء في وجه جحافل الملكيين والمرتزقة البلجيك، والفرنسيين، والبريطانيين، والاميركان والاسرائيليين الذين كانوا واثقين من قهر الثورة اليمنية بقوة السلاح. وكان الانتصار اليمني في ظل الهزيمة القومية الكبرى شاهد عزيمة الارادة الشعبية اليمنية. وان الثورة اليمنية سبتمبر واكتوبر ليستا مجرد صدى للثورة المصرية. ولا مؤامرة مصرية او شيوعية كما روج اعداؤها وكان الانتصار اليمني اعظم رد قومي على الهزيمة. وافضل تحية تقدمها اليمن للامة العربية كلها. نقيب الصحافيين اليمنيين السابق