بيان الاربعاء: هذه لمحات من الماضي.. تمثل في الوقت نفسه طريقا الى المستقبل اذا كانت لاتزال لدينا رغبة في استعادة الامجاد. افريقيا تلك السمراء اللعوب التي تغوي دائما باحتلالها ونهب ثرواتها حولها عبدالناصر الى محاربة قوية عنيدة ضد الاستعمار وضد السيطرة على المقدرات. اثنتان وعشرون حركة تحد كانت تدار من مكتب واحد في وقت يتولى توفير الدعم السياسي والسلاح والتدريب، فيما تعجز الدول العربية مجتمعة عن رعاية حركات التحرر في بلد عربي واحد اسمه فلسطين، فكل الدول العربية تتبرأ من نصف حركات التحرر الفلسطينية، وعدد من الدول العربية اوشكت على ان تتبرأ منها كلها. لان افريقيا منهوبة.. فهي فقيرة. ولان مصر قد شهدت فترات طويلة من الاستعمار والفساد قبل الثورة فقد كان اغلب اهلها فقراء.. هؤلاء الفقراء كانوا هاجس عبدالناصر الدائم ظل يوصي برعايتهم حتى يوم وفاته. الخيوط متصلة بشكل او بآخر بين رعاية حركات التحرر الافريقية لانقاذ الشعوب من براثن الاحتلال.. وبين رعاية الفقراء المصريين لانقاذهم من ذل الحاجة. جمعتهما خانة واحدة في قلب عبدالناصر الانسان هذه شهادات ثلاثة ممن عملوا في كنفه على أيامه التي لن تعود. ** منذ سنواتها الأولى حددت ثورة يوليو على لسان زعيمها جمال عبدالناصر دوائر الأمن القومي الاستراتيجي لمصر في ثلاث دوائر هي: الدائرة العربية، الدائرة الاسلامية والدائرة الافريقية احتلت الدائرة الافريقية أهمية خاصة لعوامل أمنية، فهي ظهر مصر وبالتالي تداخلت هذه الدائرة بقوة مع الدائرة الاسلامية في تحديد الأمن القومي لمصر وللأمة العربية. ومن هنا كانت علاقة ثورة يوليو بأفريقيا على مستوى السياسات ودعم حركات التحرر. وفي شهادة قدمها محمد فائق وزير الاعلام في عهد عبدالناصر ومهندس سياسته تجاه أفريقيا تتبلور صورة العلاقة بين ثورة يوليو وافريقيا كاملة، لعب فائق أدوارا في غاية الأهمية في الشئون الافريقية وكلفه عبد الناصر بمهام في غاية الخطورة خلال الخمسينيات والستينيات، اسهمت في دعم حركات التحرر الافريقية وتعظيم دور مصر في القارة السوداء وفي شهادته التي قدمها أمام جمع غفير في مركز رامتان قال:كل الثورات العظمى دائما مايمتد تأثيرها الى خارج حدودها، وثورة يوليو من الثورات التي كان لها تأثير كبير خاصة في أفريقيا، كما ان الثورات الكبرى عادة ماترتبط بهدف نبيل ويرتبط بها، واعتقد ان ثورة يوليو كان من أهم أهدافها استقلال مصر وانهاء الاحتلال البريطاني لها، وبالتالي كانت ثورة تحرير بمعنى الكلمة، وبالنسبة لافريقيا كشفت ثورة يوليو عن وجه مصر الحقيقي تجاهها. كانت هناك علاقة قديمة بين مصر وافريقيا، فنحن نجد أن المصريين القدماء يعرفون الكثير من الأماكن في أفريقيا - مثل الصومال - ومن المعروف انهم وصلوا الى ملتقى النيل الأبيض مع النيل الأزرق وهو الخرطوم حاليا، لكن ليس معروفا بالتحديد مدى هذه العلاقة التي كانت موجودة.. ويقال ايضا انهم وصلوا الى غرب افريقيا،، حيث نجد بعض الحفريات التي تدل على ذلك كما نجد ان بعض اللغات لها تأثر بلغتهم، وهناك اشياء كثيرة توحي بأن الفراعنة كانوا يعرفون شيئا عن افريقيا.. كما نجد أيضا أن محمد على واسماعيل باشا وصلا بفتوحاتهما الى منابع النيل باعتبار ان تأمينها يدخل ضمن الامن القومي كما وصلوا الى سواحل افريقيا الشرقية وكل هذا كان يتعلق بتأمين مصر اقليميا.. لكن كل هذا التاريخ القديم والحديث انتهت علاقة مصر به تماما و تمكن الاستعمار من ان يفصل بين شمال افريقيا وجنوبها، وجعل الصحراء فاصلا وعازلا وجعلونا عندما نتحدث عن افريقيا نتحدث عن جنوب الصحراء فقط. وحتى في تقسيمات الأمم المتحدة خلقوا تسمية الشرق الأوسط وأسماء وتقسيمات اخرى مختلفة، بحيث يكون هناك عزل كامل، بل ان الحركة الافريقية التي وجدت في أميركا وانتقلت الى عواصم أوروبا كانت كلها تدور حول افريقيا السوداء، وجزء منها كان رد فعل للاضطهاد والعنصرية ضد الرجل الأسود.. صحيح أن الذين قاموا بها هم الأفارقة المقيمون في أميركا، لكن كل العناصر السوداء الموجودة في الخارج تعرف أنها من أفريقيا وان كانت لا تعرف مكانها على وجه التحديد. استعمار وعنصرية يضيف فايق: أظهر جمال عبدالناصر الوجه الأفريقي لمصر بأن وضع الاستراتيجية الأساسية قبل أن يتحدث جمال حمدان عن شخصية مصر، ودوائرها الثلاث: ففي فلسفة الثورة استراتيجية مصر بالنسبة لافريقيا وكان معنى ذلك ان تصبح القارة في دائرة الاهتمام الكبرى باعتبار انها ليست فقط الدائرة الافريقية ولكن لانها تتقاطع فيها الدائرتان الأخريان، لأننا نعلم أن ثلث الشعب العربي موجود في أفريقيا، و72% من مساحة الوطن العربي موجودة في أفريقيا، وحاليا توجد 10 دول عربية اعضاء في منظمة الوحدة الافريقية أيضا الدائرة الاسلامية موجودة باعتبار أن نحو نصف سكانها مسلمون ثم جاء عبدالناصر في فلسفة الثورة وقال اننا لا نستطيع بأي حال أن نقف بمعزل عن الصراع الدامي المخيف الذي يدور اليوم في افريقيا بين 5ملايين من البيض و200 مليون من السود. يضيف فايق: في الحقيقة فإن هذه العبارة حددت موقفنا وابرزت فهما حقيقيا لمشكلة افريقيا على وجه التحديد قضية الاستعمار والعنصرية، كما حددت موقف مصر الذي أصبح منذ ذلك الوقت طرفا الى جانب القوى الافريقية الوطنية في كل صراع جرى على أرض افريقيا فقد اعتمدت مصر سياسة النضال الشامل من أجل تحرير أفريقيا كلها، واصبحت مصر في مواجهة شاملة مع الاستعمار القديم وبالذات الانجليزي والفرنسي. وأضاف فايق: كان من الطبيعي أن تبدأ حركة التحرير الوطني في مصر أولا لنخرج الانجليز منها، ومن هنا بدأت حركة المقاومة بالقوة المسلحة ضد وجود الانجليز وحتى الانجليز الذين قدموا ليدافعوا عن قناة السويس وسيطرة بلادهم عليها أصبح كل همهم أن يدافعوا عن أنفسهم، واصر عبدالناصر قبل الدخول في مفاوضات مع الانجليز من أجل الجلاء عن مصر ان تتفاوض حول حق تقرير مصير السودان، وقيل وقتها ان يخرج الانجليز من مصر ويظلون موجودين في السودان، كما فاجأ عبدالناصر الانجليز عندما وافق على حق انفصال السودان، فقد كانوا يتصورون أن هذا نظام عسكري وسيكون أكثر تشددا من النظام الملكي، الذي اصر على ان يبقى اسميا تحت سيطرته وقال اذا كان الهدف وحدة مع السودان فلابد أن تكون برضاء الشعب. حق تقرير المصير كان مبدأ اقتنعت به ثورة يوليو فعلا وطبقته على نفسها تجاه السودان فتم الاتفاق على ان تكون هناك فترة انتقالية، لثلاث سنوات يحدث بعدها استفتاء يختار بين الاستقلال أو الارتباط بمصر.. وبمجرد ان علمت مصر ان الاتجاه العام في السودان هو الاستقلال بعد ان تغير «الازهري» الذي كان يقود التيار المنادي بالوحدة، كان من الضروري ان ترحل القوات قبل الاستفتاء، فسحبت مصر جيشها فورا وتركت الاسلحة الثقيلة هدية للشعب السوداني، ولم تصر على قضية الاستفتاء لانها كانت تعلم ان الوضع تغير تماما في غير صالح الوحدة، بل كانت مصر أول دولة تعترف بالسودان. ويقول فايق: هذا الموقف كان مهما جدا في تعريف هوية هذا النظام وتوضيح انه نظام جاد في موضوع الاستقلال ثم بعد ذلك بدأت مصر معالجة الشئون الداخلية، وبعدها الدائرة العربية بطبيعة الحال، حيث أيدت جميع الحركات التحررية وعلى رأسها حرب الجزائر، لكن أهم شئ كانت تعطيه الثورة لحركات التحرر العربية هو نفوذها السياسي واشعاعها الحضاري وشبكة العلاقات الدولية التي كونتها وارادتها السياسية واصرارها على تحقيق الاستقلال وانهاء الاستعمار التقليدي لكل الدول العربية. صحيح أن مصر ليست دولة غنية لكنها من البلاد التي يتعاظم دورها السياسي، فهي بلد بحكم موقعها وسط العالم - يهيئ مصر فعلا لتبوء دور الريادة، ليس من الناحية الجغرافية فقط، ولكن أيضا من الناحية البشرية وتراث الحضارات القديمة، وبالتالي كان عبدالناصر يعي تماما هذا الدور، الذي تفرضه وقائع الجغرافيا والتاريخ ومن أجل ذلك رحب بمؤتمر باندونج لان باندونج في النهاية كان مؤتمرا اسيويا قبل أي شئ، لكن نيته كانت أولا ان يعرف نفسه ويعرف الثورة لهؤلاء الناس، الذين وجدوا أن هناك دولة عربية تتحدث لغة جديدة لم يسمعوها، كما استطاع أيضا أن يعرف قيمة اسيا وماتستطيع أن تقدمه اسيا، وكان مارآه بالفعل صحيحا، حيث تكونت بعد ذلك المجموعة الافريقية الاسيوية في الأمم المتحدة وكان لها تأثير كبير جدا. أسد افريقيا نجحت مصر آنذاك في كسر الحصار عن احتكار السلاح وفي تأميم قناة السويس وحرب 56 وكل هذه الأشياء لفتت انظار الأفارقة وشدت انتباههم الى مصر فأطلقوا صفات افريقية كثيرة على جمال عبدالناصر، مثل أسد أفريقيا ، وكل هذه الصفات كانت متداولة في القارة الافريقية باعتبار انه كان بشهادة الزعماء الافارقة كلهم بطل التحرير في أفريقيا، وكان أهم شئ أن مصر تقدم النموذج في موضوع الحرب واستخدام القوة المسلحة ضد الاحتلال أو ضد الوجود العسكري في هذه الأرض، وكانت هذه أول مرة تشهد فيها افريقيا ذلك، لأن معظم الزعماء الافارقة كانوا متأثرين بغاندي الذي بدأ حياته في جنوب افريقيا وفيها بدأ فكرة المقاومة السلبية فكان معظمهم يتصور ان السبيل الى التحرر هو استخدام العرائض والمقاومة السلبية، لكننا جذبنا انتباه الافارقة، فتأميم قناة السويس في حد ذاته كان عملا ثوريا وسياسيا استطاع أن يؤكد امتلاك الشعوب لثوراتها وكانت هذه أول مرة يحدث فيها تأميم بهذا الشكل، صحيح انه قبل ذلك حدث تأميم البترول في ايران لكنه لم ينجح، وفي اعتقادي ان السبب في نجاح عبدالناصر في تأميم قناة السويس وفشل مصدق في ايران ان جمال عبدالناصر استطاع ان يكون شبكة علاقات وخاصة علاقاته الاسيوية ولولا هذه العلاقات والتأييد الشعبي الكبير في افريقيا وفي اسيا وفي البلاد العربية لما نجحت عملية التأميم. باختصار فتحت القاهرة أبوابها تماما لحركات التحرير في جميع انحاء القارة، وكانت اول عاصمة تستقبل هذا العدد الضخم من المكاتب السياسية لحركات التحرير في افريقيا فكانوا يستطيعون الاتصال بالعالم كله والتعريف بقضاياهم، كما كنت أسافر الى الأمم المتحدة كل سنة لاحضر اللجنة الرابعة المعنية بتصفية الاستعمار واخذ معي زعماء حركات التحرر ليعرضوا قضاياهم بشكل مباشر. أيضا من القاهرة بدأت تنشأ اذاعة صوت افريقيا وكنا نذيع بلغات ولهجات كثيرة ، فمثلا من لغات الشرق كنا نذيع باللغات السواحيلي الصومالية والتجرينية الخاصة بدولة اريتريا، أما بالنسبة للغرب فقد كنا نذيع بالهاوسا واليوربا والابو والولف والبامبرا، وهناك ايضا لغات أخرى من الميانجا والشونا والسندبلي واللينجالا في وسط افريقيا، كل هذا بالاضافة الى الانجليزية والفرنسية واليونانية والاسبانية واللهجات السودانية ولحسن الحظ الترانزستور كان في بداية اختراعه.. وقد أفادنا في تلك هذا الوقت فائدة كبيرة في تحرير افريقيا لدرجة اني اتذكر انه في أول مرة أذهب الى كينيا بعد ماخرج جومو كينياتا من السجن واصبح رئيس وزراء مباشرة فزرته وروى لي كيف ان اذاعة صوت افريقيا باللغة السواحيلي كانت ترفع معنوياته وقال لولا هذه الاذاعة ما كنا استطعنا ان نصمد. تدريب حركات التحرر ويضيف فايق: كانت مصر أيضا أول دولة في العالم تفتح أبوابها لتدريب حركات التحرير عسكريا وتعطيهم سلاحا، فنحن بعد ان نقلنا الى السلاح الروسي اصبح لدينا اسلحة كثيرة من الاسلحة الغربية في المخازن فكان جزء كبير منها تحت تصرفي، فكنا نعطي هذه الحركات اسلحة وندربهم عليها وايضا للدول التي تستقبلهم. وعندما قامت منظمة الوحدة الافريقية وبناء على اقتراح من مصر، انشئت لجنة اسمها لجنة تحرير افريقيا وكانت من 9دول منها مصر والجزائر لانه عندما قامت الثورة كانت توجد دولتان فقط غير محتلتين هما ليبيريا واثيوبيا وباقي الدول تحت الاستعمار، وهذا من الاشياء التي ادخلتنا في عمق افريقيا التي كان موجودا فيها الاستعمار الفرنسي والانجليزي والبلجيكي، فإذا كانت قضية تحرير افريقيا وتحرير الاستعمار عملية أمن قومي بالغة الأهمية، فإن موضوع الاستعمار كان موضوعا اساسيا وفعلا دخلنا فيه بقوة شديدة جدا واثمر جهد مصر ففي بداية سنة 1960 اعلنت دول كثيرة استقلالها. أيضا حرب 1956 كانت عقابا لنا لمساعدتنا الجزائر وبالتالي كان فشل هذا العدوان معناه سقوط الاستعمار التقليدي، فالجزائر لعبت دورا مهما في تصفية الاستعمار الفرنسي. العنصرية نأتي الى العنصرية فهي كانت موجودة في افريقيا أكثر، فعندما جاء الاستعمار وبدأت عملية الرق عبر الاطلسي نقلوا نحو 40 مليون شخص من غرب افريقيا وصل منهم 20 مليونا ومات بقيتهم. وقد رأيت القلاع الموجودة على الساحل التي كانوا يجمعون فيها العبيد الذين سيرحلونهم ثم تأتي المراكب وتأخذهم في ظروف بالغة السوء، وحتى يبرروا هذه الأوضاع كانوا يتحدثون عن هؤلاء باعتبارهم مختلفين بيولوجيا ، ومن هنا بدأت العنصرية بذرائع بيولوجية ثم ثبت بعد ذلك ان هذا كلام فارغ، فبدأوا يلعبون على وتيرة الدين زاعمين ان الذي لا يدين بالمسيحية هو جنس آخر، ثم بدأت الارساليات التبشيرية وزاد عدد الناس الذين دخلوا في هذه الأديان، ثم أصبح من غير الممكن ان يستمروا في هذا الموضوع، فانتقلوا للعب على فكرة الأبيض والأسود، ثم بعد أن سقطت فكرة الابيض والأسود بدأوا يظهرون شيئا اخر مثل قانون الاستيعاب، فالفرنسيون والبرتغاليون بدأوا يقولون هل هذا الانسان متمدين أم غير متمدين؟ فالإنسان المتمدين هو الذي يلبس مثل الأوروبي ويعرف لغة أوروبية ويفقه قانون الاحوال الشخصية الاوروبية، اي انهم ينزعون الانسان تماما من جذوره ويجعلونه مثل «البلياتشو» وهذا هو في نظرهم الانسان المتمدين. ولذلك حينما اعلنت روسيا الاستقلال من جانب واحد سكتت بريطانيا، فالمستعمرون البيض هم من اعلنوا الاستقلال كذلك فعلت بريطانيا في فلسطين، فقد اصدرت وعد بلفور ثم سلمت البلاد التي كانت تحتلها لليهود. كما وقفنا مع حزب المؤتمر وزعيمه مانديلا، الذي يعتبر من الشخصيات الممتازة جدا وكنا على صلة به ومنذ ان جاء الى مصر سنة 61، وبالمناسبة بعد خروجه من السجن بسنة جاء للقاهرة.. وعندما وضعوا برنامج زيارته وبعثوا له البرنامج حتى يوافق عليه، وجدت الدكتور مصطفى الفقي يكلمني ويقول لي: اننا بعثنا برنامج الرئيس مانديلا فأضاف على البرنامج انه يريد مقابلة محمد فائق، فوافقت فورا.. وعندما جاء مانديلا وجدت رئاسة الجمهورية تتصل بي الساعة السابعة صباحا وتقول لي «كلم الزعيم مانديلا» وتحدثت اليه فقال لي أنا اسف جدا كان بيننا ميعاد ولكنه تأخر 28 سنة وعندما ذهبت اليه ذكرني بانه في سنة 61 لم يستطع ان يقابل الرئيس عبدالناصر لانه اضطر ان يذهب الى غرب افريقيا، وكيف انني اتصلت به بعد يومين وقلت له: الرئيس سيراك أول ماتأتي لانه يحب ان يراك فقال لي سأذهب الى جنوب افريقيا وارجع بسرعة، الا انه ذهب الى جنوب افريقيا فقبض عليه وسجن 27 سنة.. ولهذا فهو يعتذر انه لم يأت في أول ميعاد. وبالمناسبة مانديلا قبل ان يفرج عنه بسنتين ونصف استدعاه رئيس الوزراء وقال له: نحن مستعدون للتفاوض، فقال له: شئ عظيم، فقال له على شرط ان تعلن وقف العنف - وأظن اننا هذه الأيام نسمع ذلك كثيرا - فقال له مانديلا: ليس لدى مانع لوقف العنف لكن بشرط ان تعلن انهاء سياسة الفصل العنصري، فأعاده الى السجن مرة أخرى، وظل فيه سنتين ونصف استمر خلالهما القتال واستمر العنف الى ان اضطروا أن يخرجوه ويتفاوضوا معه، واخيرا نفذ ما أراد . أيضا خلال هذه المقابلة سألته: ماالذي يشغلك الآن؟ فقال شئ واحد كان هناك حصار اقتصادي على جنوب افريقيا، والذي يشغلني هو أن أوروبا كلها والغرب بصفة عامة يتصورون ان خروجي معناه انهاء الحصار الاقتصادي، لكني سأذهب لأوروبا كلها حتى أؤكد على استمرار الحصار، وقال: أنا أعلم اننا سنتأثر لكننا مستعدون لتحمل ذلك لأنه لابد أن يستمر الحصار الاقتصادي الى أن نحصل على جميع حقوقنا. المياه وانتقل محمد فائق الى الحديث عن المياه وتأثيرها على أمن مصر فقال: كل حكام مصر منذ زمن كانوا دائما يقومون على تأمين منابع النيل، فمنذ أيام محمد علي واسماعيل باشا كان التأمين عن طريق الغزو أو اقامة امبراطورية تضم المنابع.. لكن الأمر يختلف الآن. هذا يجرنا الى موضوع مقاومة النشاط الاسرائيلي في افريقيا، فهم يركزون على منابع النيل بأن يبعثوا خبراء في الزراعة والري الى كل المناطق المحيطة بحوض النيل، ويحاولوا أن يقيموا مشاريع للتحكم في المياه ونحن كنا نرد باستمرار عندما كنا نجد قائمة الوظائف الموجودة في الأمم المتحدة، فأي مهندس ري يتم طلبه أو أي خبير زراعي نبعثه نحن فورا، وكان خبراؤنا يقاومون الآراء التي تسربها اسرائيل ويفضحونها، لان تكلفة الزراعة على المطر أرخص بكثير جدا من الرى، في الدول التي تكون فيها نسبة المطر كبيرة جدا، وطبعا مقاومة اسرائيل كانت هدفا رئيسيا لدخولنا في افريقيا. ونحن لا ننسى طبعا ان معظم الدول في أفريقيا قطعت العلاقات مع اسرائيل بعد 1967. كما نلحظ أن أول دولة تقطع العلاقات نتيجة الأحداث الاخيرة في فلسطين هي النيجر. أحاديث الهيمنة انتقل فائق الى قضية التجارة مع أفريقيا قائلا: هناك من تحدث عن الهيمنة، ونحن لم يكن ذلك في تفكيرنا يوما من الأيام ولكن تصورنا كان قائما على فكرة الاعتماد المتبادل معا، فمثلا وجدت اننا نشتري بـ 6 ملايين جنيه استرليني نحاس، من بورصة لندن وهو نفس النحاس الذي تنتجه زامبيا، وبالتالي اذا اشتريته مباشرة من زامبيا فإن الـ 6 ملايين ستكون مليونا فقط.. هو استفاد وانا استفدت من هنا تنشأ فكرة الاعتماد المتبادل، وهو ماكان منصوصا عليه في منظمة الوحدة الافريقية، لكن هذا يحتاج الى فتح أسواق.. وسأعطيكم مثلا لما كنا نفعل فشئون افريقيا كانت تدار مركزيا من مكتبي، وجدنا ان نيجيريا تستهلك اقمشة كثيرة ونحن عندنا صناعات نسيج، كان النقش الافريقي يتم نسجه أو طبعه على الواسع، بينما نحن لدينا جميع الالات تعمل على الضيق وعلى تكرار الوحدات، اقمشتنا كانت تصل اليهم غالية جدا لأننا نزرع قطنا طويل التيلة وليس قصير التيلة كالذي يتم تصنيعه في الهند وفي هونغ كونغ، فقلنا نشتري قطنا قصير التيلة ونصنعه هنا فوجدنا أن هناك قانونا يمنع هذا حتى نستهلك قطننا فغيرنا الموضوع وأعتقد أن السوق الأفريقي سوق مناسب جدا وعندما نفكر في التصدير لدولة يجب أن نفكر ماذا سنستورد منها.. هم لديهم خامات ونحن عندنا صناعة فيجب استنهاض الصناعة المصرية. وفي سؤال لمحمد فائق عن قضية اعتقال تشومبي في القاهرة بعد تورطه في اغتيال الزعيم الكونغولي لومومبا أجاب: أنا الذي اعتقلت تشومبي لأنه وقتها كان يريد أن يحضر مؤتمر القمة الافريقية بالقاهرة ولكن الرؤساء الافارقة رفضوا هذا لأنه كان خائنا وعميلا للاستعمار، وذهب ليأخذ تأشيرة من السفارة فرفضت وكان سفيرنا وقتها الاخ محمد ابراهيم كامل، ولكنه جاء من غير تأشيرة فطبعا لم نسمح لطائرته بالهبوط فذهب الى اثينا واجر طائرة ففوجئنا بوجوده في المطار ومعه وفد كبير، فاخرجنا له سيارات الرئاسة واخذته على قصر العروبة وبعد دخوله القصر ذهبت له وقلت له: حفاظا على حياتك انت ممنوع من الخروج من هذا القصر لانك مكروه جدا من الشعب الا اذا أردت ان ترجع الى المطار، ثم بعد ساعة جاءت رسالة من الكونغو أنهم حاصروا السفارة المصرية وبها جميع اعضاء السفارة، فناداني الرئيس وقال لي اذهب له وقل له انه لن يخرج من هنا ابدا الا اذا خرج اخر واحد من سفارتنا ، فذهبت وقلت له ذلك، فقال لي ماذا أفعل بيدي ان افعل فقلت: لا دخل لي وما عليّ الا ان احضر لك خطا تليفونيا تحدث به بلدك، وأحضرنا له شخصا ليسجل له مايقول في التليفون وطلبنا ان يخرجوا تحت اشراف عدد من الدبلوماسيين، فتحدث في التليفون صارخا فيهم وطالبا منهم ذلك وبالفعل خرج اعضاء السفارة وذهبوا الى الكونغو برازافيل .. فهذه قصة «تشيومبي» الذي كان عميلا خطيرا للاستعمار وهو الذي قتل «لومومبا» وكان احد الكوارث الكبرى، وفي النهاية سقطت طائرته في الجزائر فقبض عليه ومات في السجن. ثورة زنجبار يتحدث محمد فائق عن أهم مشورة قدمها لعبدالناصر قائلا: عندما قامت الثورة في زنجبار كان هناك تصور بأن هذا بمثابة مقتل دولة عربية وكانت هناك بالفعل مجزرة وذبحا طلبني الرئيس وسألني: هل سنتفرج على مقتل دولة عربية؟ فقلت له: مايحدث ليس مقتل دولة عربية وانما هو وضع متعلق بالاوضاع الاجتماعية فيها، وكان رأي انه يجب الاعتراف فورا بالثورة أو بالوحدة مع تنجانيقا- التي أصبحت تنزانيا الآن - وقلت له أن المثل يقول «اذا دقت الطبول في زنجبار ترقص شرق افريقيا»، وهذا مثل حقيقي، وانه اذا حدثت وحدة فان هؤلاء العرب الموجودين في زنجبار هم الذين قد يحكمون البلد، وفعلا تقرر أن أذهب الى هناك ونكون أول دولة تعترف بهم وستلاحظون ان معظم من كانوا في مناصب كبيرة معظمهم من زنزبار، واصبح لهذه الثورة بعد اجتماعي ووقفنا معها، وكان هذا تغييرا كبيرا جدا، كما كانت هذه الثورة مفيدة جدا حتى للمسلمين الموجودين في المنطقة. أيضا ذات مرة جاء لنا وفد من منطقة في كينيا وقالوا اننا نريد ان نقيم دولة انفصالية وكان هذا قبل اعلان استقلالهم بفترة - فقلنا لهم: وهل سيوافق الانجليز؟ فقالوا نعم وافقوا وقالوا لنا اذا ايدتكم مصر سنترككم، فقلنا لهم من المستحيل ان نقبل لانكم ستصبحون دويلة معزولة في هذه المنطقة والانجليز يحرضونكم على هذا تحقيقا لمصالحهم.. وبالفعل عندما كان جرومو كينياتا يخوض الحملة الانتخابية اخذني معه في طائرته حتى نلف على الدوائر وحتى يشاهد شعبه ان عبدالناصر يؤيده.. وبهذه الطريقة أوقفنا مذبحة أولا، وانقذنا حياة كل الزعماء الكبار لاننا كنا في موقف قوي.