«علينا ان نغزو المسلمين في ديارهم، أن نقتل قادتهم، وان نحوّلهم الى مسيحيين».. هذا ما كتبته المعلقة الاميركية آن كولتر. ويأتي الرد من بريطانيا على الساحل الآخر من الأطلسي: «بل علينا تحويل بريطانيا إلى امارة إسلامية» وصاحب الرد هو «حركة المهاجرون». هل يبدو هذا الحوار أقرب الى الجنون، أم انه الجنون كله في تجلياته الغربية والشرقية؟ لولا أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة لتعامل العالم مع هذا النوع من الحوار باعتباره فلكلوراً لم يتوقف منذ الحروب الصليبية، وسوف يستمر حتى يوم القيامة، فالمتطرفون في كلا الجانبين لم يتوقفوا يوماً عن التناسل، وعن زيادة جرعات التعصب، وزرع بذور الكراهية ضد الآخر، ولكن أحداث سبتمبر انتقلت بالجبهات من مملكة السماء الى مملكة الأرض، ومنحت هؤلاء المسكونين بالأحقاد التاريخية رتباً عسكرية ومناصب قيادية وجماهير شعبية تنتشر ما بين كهوف افغانستان وسراديب البيت الأبيض، ولم يعد الحوار يدور حول هذه الأرض التي تحولت الى قرية كونية صغيرة ومشاكلها من الايدز الى دمار البيئة مروراً بالحروب الأهلية ووصولاً الى المجاعات القاتلة، بل حول مملكة الخير ومملكة الشر، هكذا بالمطلق، كما يحددها اثنان: اسامة بن لادن وجورج دبليو بوش! ايزنهاور في ثياب شارون هل نظلم الرئيس بوش في هذه المقارنة؟ الجواب هو «لا» كبيرة، لأنه يحاول اختصار الآباء المؤسسين للديمقراطية الاميركية الرحبة: من جورج واشنطن الى ابراهام لينكولن وصولاً الى دوايت ايزنهاور، وهذا الأخير هو من فرض على بريطانيا وفرنسا واسرائيل الانسحاب من الأراضي المصرية بعد العدوان الثلاثي في عام 1956، يحاول اختصار جميع هؤلاء بالجنرال ارييل شارون زعيم معسكر الخير في الشرق الأوسط، ولأسباب انتخابية لا علاقة لها بالديمقراطية الاميركية. نحاسب الرئيس جورج دبليو بوش ونحن نتابع ما يجري اليوم في الولايات المتحدة، وهنا محطات: «إن الإسلام ببساطة هو دين الحرب».. يقولها كل من بول ريتش ووليام ليند في كتيّب صدر مؤخرا تحت عنوان «لماذا الاسلام هو تهديد لأميركا والغرب؟». ويكتب ليند عن الاميركيين المسلمين: يجب تشجيعهم على الرحيل، انهم «الطابور الخامس» في بلادنا. وعبارة الطابور الخامس سبق استخدامها في وسائل الإعلام الاميركية بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربور، وكانت تمهيداً لاقناع الرأي العام الاميركي بضرورة حشر آلاف الاميركيين من أصل ياباني في معسكرات اعتقال بعد دفعهم للتخلي عن منازلهم وممتلكاتهم بأرخص الاسعار، وهو ما اعتذرت عنه الولايات المتحدة فيما بعد. في تلك المرحلة، وأثناء الحرب العالمية الثانية، كانت الأسباب عرقية، أما اليوم فإن الاسباب دينية، وهي أكثر بدائية، فقد ودّعت أوروبا الحروب الدينية منذ قرون، وجاءت النازية لتجعل العنصرية هي البديل، وهاهي الولايات المتحدة اليوم مع الرئيس الجمهوري بوش، وقد سبقه الرئيس الجمهوري رونالد ريغان، تعود بالصراع الى مملكتي الخير والشر، أي الى الدين، وفي هذا يختفي الفرق بين ابن لادن وبين سيّد البيت الأبيض. المجتمع المدني الاميركي يتصدى ونتوقف عند محطة أخرى.. القس فرانكلين غراهام ابن القس الأشهر بيلي غراهام من الكنيسة الايفانجيلكانية يقول عن الاسلام: «أعتقد انه ديانة شريرة وخبيثة»، أما رئيس مؤتمر كنيسة المعمدانيين الجنوبيين فإنه يتحدث عن الاسلام بعبارات لا يمكن نشرها.إ ذن هل هي الصليبية الجديدة تتحقق على ايقاع طبول الحرب فيها أحلام اسامة بن لادن؟ لحسن الحظ «لا» كبيرة ايضاً، والفضل هنا ليس للرئيس الاميركي، بل للديمقراطية الاميركية، إذ ان هذه المحطات كلها في الهجوم على الاسلام والتهجم على المسلمين، أوردها المعلق الأميركي نيكولاس كريستوفر في صحيفة «نيويورك تايمز» في سياق دفاعه عن الاسلام والمسلمين في الولايات المتحدة كما في العالم الاسلامي. كتب كريستوفر: «إذا كان الإسلام فعلاً هو تجسيد لهذه المبالغات التي يختصرونه بها أحياناً، فكيف أصبح إذن أسرع الأديان في العالم انتشاراً؟». ويضيف المعلق الأميركي: «ان الاسلام يضم اليوم (1.3) مليار مسلم، وهو ينتشر بسرعة وخاصة في افريقيا لأنه، بشكل خاص، يمتلك قيماً يعرفها كل من عاش في العالم الاسلامي، فهو لا يميز بين الطبقات، بينما على سبيل المثال، فإن هناك كثيرين في غرب افريقيا ينظرون الى المسيحية باعتبارها ديانة فاسدة وطبقية فيتركونها ليعتنقوا الاسلام الذي يرونه ديمقراطياً وشاملاً». المعلق الاميركي في «نيويورك تايمز» ليس وحيدا، فهناك منظمات أميركية تدافع عن حقوق وحريات المسلمين باعتبارهم جزءاً من المجتمع المدني الأميركي، والمهم في هذا ان نيكولاس وتلك المنظمات لا يخاطبوننا نحن كعرب أو مسلمين، بل يتحدثون الى «ابناء جلدتهم» وفيما بينهم، ويؤكدون على ان التمييز الديني أو العرقي هو النقيض لديمقراطية صنعت المجد الاميركي ولم تتحقق إلا بعد ان حصدت أرواح عشرات الألوف من المواطنين في حرب أهلية تساوى الجميع في دفع ثمنها، وجعلت الولايات المتحدة القوة العظمى ولو الى حين، إن كريستوفر ومنظمات المجتمع المدني لا يدافعون عن العرب والمسلمين، بل عن أنفسهم وعن مجتمعهم وعن حق كل فرد فيه بممارسة حرية التعبير والعبادة. معتدلون وأصوليون بالمقابل، فإن وزير العدل ووزير الأوقاف والشئون الاسلامية في الكويت أحمد باقر بذل الكثير من الوقت والجهد في محاولة اقناع بعض أئمة المساجد بعدم جواز «الدعاء على النصارى» في خطب يوم الجمعة، وامتدت المواجهة الى وسائل الإعلام. وذلك في الوقت الذي اجتمع فيه الأصوليون المسلمون في لندن الأسبوع الماضي في أول مؤتمر لهم بعد أحداث سبتمبر ومن بينهم أبو حمزة المصري مسئول منظمة «أنصار الشريعة» وياسر السري مدير «المرصد الإسلامي» وآخرون من حركة «المهاجرون»، بينما بشّر الأصولي الفلسطيني أبو قتادة المجتمعين في رسالة بالبريد الالكتروني بأن «المعركة لم تنته بعد، الكلمة الأخيرة في قصة الصراع لم تكتب، فمازال في حكاية الصراع بيننا وبين الباطل سطور، بل وسطور كثيرة ستكتب بالدخان والعرق». ومع أصوليين من هذا النوع هل يملك المؤمن إلا ان يدعو مجدداً: «اللهم احمني من أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم»؟!