خلال الفترة الممتدة التي قاد فيها ياسر عرفات النظام الفلسطيني منذ شتاء 1969، كانت خلافته بين جملة المسائل اللصيقة بالتناظر الفلسطيني السياسي أساسا، والعربي نسبيا، ليس فقط بسبب المخاوف من اختفاء الرجل ووقوعه لأكثر من مرة في دائرة الخطر المحدق بحياته، وإنما أيضا نزولا عند الرغبة في الوفاء بمقتضيات التغيير والاستجابة لنزعة الإصلاح والتطوير، وأحيانا لأن عرفات بدا للبعض أكثر انحيازا للتسلط والاستحواذ على القرار الفلسطيني داخل المنظمة أو في رحاب «السلطة الوطنية» منذ 1994، وفي محطات فاصلة على مسار السياسة الفلسطينية ومناسبات بعينها، كان البحث في خلافة عرفات أمرا طبيعيا، كأحداث سبتمر بالأردن 1970، وحصار بيروت 1982، وحصار طرابلس 1983، وسقوط طائرته في الصحراء الليبية 1992، ثم حصار رام الله في إبريل 2002، لكن ما جعل هذا البحث مسألة غير طبيعية ومثيرة للتضارب الفقهي والسياسي، هو أن يصبح استبدال عرفات، وتغيير شكل النظام الذي يحكم به هذا الرجل ومحتواه، أحد شروط القوى المعادية للحقوق الفلسطينية للتعامل مع السياسة الفلسطينية. وأكثر من هذا مدعاة للإثارة أن يأتي هذا الشرط من القوى ذاتها التي أنِست في عرفات ونخبته في النظام الرغبة والقدرة على إنجاز تسوية مُرضية لأهوائهم الفلسطينية منذ عقد من السنين. والنتيجة أن تغيير عرفات في الوقت الراهن لن يُنظر إليه كإجراء طبيعي منبعث عن تحولات إصلاحية مطلوبة طالما تطلع إليها الفلسطينيون، إنما كاستجابة لإملاءات إسرائيلية وأميركية، سوف ينشأ عنها تقويض حقوق فلسطينية كثيرة، وستكون سابقة يخشى من تكرارها عربيا! والواقع أن صعود القيادة الفلسطينية وأفولها، أضحيا بفعل الضغوط الخارجية بعامة عرضة لتحولات فارقة. فتقليديا كان ذلك الصعود أو الغياب أو الإحلال يحدث بتعامد عنصرين لا غنى عنهما: عملية اختيار وفرز فلسطينية داخلية من جهة، ووفاق أو توافق عربي حول هذا الاختيار من جهة أخرى. نلمس ذلك في مسار القيادات السابقة التي تبوأت رأس النظم الفلسطينية السابقة على نشوء سلطة الحكم الذاتي. نلمسه مع موسى كاظم الحسيني على رأس اللجنة التنفيذية العربية «1919 ـ 1934» والحاج أمين الحسيني على رأس اللجنة العربية العليا «1936 ـ 1946» ثم الهيئة العربية العليا «1946 ـ 1948» ، وأحمد حلمي باشا عبد الباقي على رأس حكومة عموم فلسطين «1948 ـ 1963»، وأحمد الشقيري على رأس منظمة التحرير «1964 ـ 1967» وكذا ياسر عرفات بعد رئاسته للمنظمة. في هذا التواتر القيادي، كان المحدد الدولي إما ضعيفا أو حتى معدوما، غير أن قيام سلطة الحكم الذاتي بناء على اتفاق أوسلو وتوابعه مكفول بالرعاية الأميركية ومداخلات الدول المانحة، أدى إلى اقتحام هذا المحدد الدولي للمجال السياسي الفلسطيني عموما. وتحدث كل هذه التطورات في الوقت الذي يحتل فيه جيش الاحتلال المدن الفلسطينية ويواصل عمليات القمع ضد الشعب الفلسطيني، وأن إسرائيل معنية بتأجيج هذه الأزمة؛ فجنود الاحتلال الذين يحتلون رام الله والخليل يسمحون لرجال الرجوب بتنظيم الاحتجاجات ضد عرفات وقراره، وذلك للتغطية على جرائمهم. مراكز القوى عبر سياسة الاحتواء، خلق الرئيس عرفات مجموعة من الأشخاص حوله تتنازع فيما بينها بشكل دائم، لكنها في الوقت نفسه تتفق على وحدانية قيادة عرفات؛ لأن هذه المجموعة قد ارتبطت مصالحها بهذه القيادة، خاصة بعد أوسلو، أي أن عرفات عمل على إيجاد مراكز قوى ذات مصالح متضاربة لكنها في نفس الوقت تشعر أنها مدينة له، ويكون قادرًا على الإمساك بزمام الأمور، وعندما ضعفت مكانة عرفات فإن مراكز القوى لم تعد تشعر أنها ملزمة بالالتزام بقراراته. السلطة الوطنية الفلسطينية تكونت السلطة الوطنية الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو الذي وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، لتكون أداة مؤقتة للحكم الذاتي للفلسطينيين القاطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة وبعد تسعة أعوام من الحكم الذاتي دمرت بنيتها التحتية بفعل الاجتياحات المتكررة وفرض الحصار الشامل بما في ذلك محاصرة مقر رئيسها ياسر عرفات، وأصبح وجودها بأكمله مهددا. أجهزة السلطة تتألف السلطة الفلسطينية من المجلس التشريعي والسلطة التنفيذية (الحكومة) برئاسة الرئيس عرفات، بينما يرأس المجلس التشريعي أحمد قريع (أبو علاء). أولا : المجلس التشريعي: يعتبر بمثابة الهيئة التشريعية أو البرلمان. وقد انتخب فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية أعضاء المجلس التشريعي ورئيس السلطة التنفيذية انتخابا مباشرا. ويتألف المجلس من 88 عضوا إضافة إلى رئيس السلطة التنفيذية، ستة من هذه المقاعد مخصصة للمسيحيين ومقعد واحد للطائفة السامرية. ـ للمجلس مهام تشريعية ورقابية، كما يلعب بعض الأدوار السياسية بحسب تطورات الوضع. وقد أخذ المجلس على عاتقه سن قوانين تنظم الإدارة العامة والأمور المالية والاقتصادية، فأقر 29 قانونا صادق رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات على 24 منها. ـ منح المجلس الثقة للحكومة مرتين عامي 1996 و1998 وطالب بتعديل وزاري عام 99 وأقر الموازنة العامة في الأعوام 1997 و1999 و 2000 ويشارك المجلس في وضع السياسة العامة للسلطة ومراجعة الخطط والاتفاقيات وإقرارها. ـ جرت انتخابات لاختيار أعضاء المجلس التشريعي ورئيس السلطة التنفيذية في 20/1/1996حيث بلغ عدد الناخبين 1013200 ناخب بنسبة تصويت بلغت 79%. ـ بلغ عدد المرشحين 627 مرشحا تنافسوا على 88 مقعدا هي عدد مقاعد المجلس وفازت حركة فتح بـ 54 مقعدا وفاز المستقلون بـ 12 مقعدا بينما فازت المعارضة بأربعة مقاعد. ـ كان يجب أن تنتهي ولاية المجلس التشريعي في 4/5/1999، ومع ذلك تم تمديد هذه الفترة نتيجة لتمديد المرحلة الانتقالية حيث أن المجلس هو أحد استحقاقات هذه المرحلة. وحسب اتفاقات منظمة التحرير الفلسطينية فإن المرحلة الانتقالية تم تمديدها إلى سبتمبر 2000، لذلك مددت ولاية المجلس التشريعي تلقائيا حتى الفترة نفسها. ـ تحمل السلطة الفلسطينية مسئولية هذا التمديد للجانب الإسرائيلي بسبب عدم وفائه باستحقاقات عملية السلام والتزاماته المنصوص عليها في الاتفاقات الموقعة. ثانيا: مجلس وزراء السلطة: يعتبر بمثابة الحكومة، وهو الأداة التنفيذية لما يتخذ من قرارات وما يتم التوصل إليه من اتفاقات، وتختص بتسيير أمور الحكم الذاتي في مناطق السلطة. ـ يتكون مجلس وزراء السلطة الفلسطينية من ياسر عرفات رئيسا بعد أن فاز في انتخابات الرئاسة بنسبة نجاح بلغت 88.1% وأقسم الرئيس عرفات اليمين الدستورية في12/6/1999. ـ يعاون عرفات عدد من الوزراء، وللسلطة أن تقيم وزارات ومؤسسات متفرعة حسب الحاجة وما تمليه عليها مسئولياتها. ـ يعاون السلطة العديد من الأجهزة الأمنية، ومن أهمها قوات أمن الرئاسة وقوات الفرقة 17 وقوات الأمن الوقائي وغيرها. مناطق السلطة بموجب اتفاق 1995 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل قسمت الضفة إلى ثلاث مناطق: ـ مناطق(ا) وتخضع أمنيا وإداريا بالكامل للسلطة الفلسطينية. ـ مناطق (ب) وتخضع إداريا للسلطة الفلسطينية وأمنيا لإسرائيل. ـ مناطق (ج) وتخضع للسيطرة الإسرائيلية فقط. وقد احتفظت إسرائيل بسيطرتها على الحدود والأمن الخارجي والقدس والمستوطنات. تدمير مقار السلطة تعرضت بنية السلطة الفلسطينية للتدمير وقصفت المقار الأمنية التابعة لها، في محاولة من الحكومة الإسرائيلية لوقف الخسائر التي تتعرض لها منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، ولم يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في الموقف العربي أو الدولي رادعا يثنيه عن الاستمرار في مخططه لإنهاء السلطة الفلسطينية. وكان أخطر عمليات القصف ما تعرض له مقر رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في 29/3/2002 بعد عملية استشهادية ناجحة لأحد عناصر كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس أسفرت عن مقتل 21 إسرائيليا وجرح أكثر من 120 آخرين. أحدث المبادرات الأميركية نشرت وزارة الخارجية الاميركية في موقعها على شبكة الانترنت ما وصفته بالمبادرات الاميركية بشأن الشرق الاوسط خلال الفترة من يناير 2000 إلى يونيو 2002، على النحو التالي: 2000 ـ 3 يناير: يلتقي وفدا إسرائيل وسوريا، مرة أخرى برئاسة رئيس الوزراء باراك ووزير الخارجية الشرع، في شيبردزستاون بوست بولاية فيرجينيا، لأسبوع آخر من المحادثات. الخلافات بين الطرفين تظل قائمة، والوزيرة أولبرايت تعلن عن تأجيل جولة ثالثة من المحادثات. ـ 29 يناير: يلتقي رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات الرئيس كلينتون ووزيرة الخارجية أولبرايت في دافوس. ـ الأول من فبراير: تجتمع اللجنة التوجيهية المتعددة الأطراف على مستوى الوزراء في موسكو. تلقي وزيرة الخارجية الأميركية أولبرايت كلمة تقول فيها إن العملية المتعددة الأطراف ستعود بالنفع على شعوب المنطقة كافة. ـ 21 مارس: تبدأ محادثات فلسطينية إسرائيلية في قاعدة بولينغ الجوية، قرب العاصمة الأميركية واشنطن، وتدوم أسبوعاً واحداً وتعمل الولايات المتحدة على تسهيل بحث مسائل الوضع الدائم في جهد لمساعدة الأطراف على التوصل الى اتفاق شامل بحلول 13 سبتمبر 2000. ـ 7 إبريل: تُستأنف المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية في قاعدة بولينغ الجوية. ـ 11 الى 25 يوليو: يستضيف الرئيس كلينتون لقاءً بين القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية لبحث مسائل الوضع النهائي الأكثر صعوبة، بما فيها مسألتا القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين. ـ 4 نوفمبر: يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي باراك والزعيم الفلسطيني عرفات مع وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت والرئيس الفرنسي جاك شيراك في باريس. ـ 17 أكتوبر: يحضر عرفات وباراك اجتماعاً في شرم الشيخ، بمصر، نظمه الرئيسان الأميركي كلينتون والمصري حسني مبارك لبحث مسألة وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الاسرائيلية. ـ 7 نوفمبر: يطلب الرئيس كلينتون من السناتور الأميركي السابق جورج ميتشيل ترؤس لجنة تقصي الحقائق لاستكشاف أسباب اندلاع العنف الأخير بين الاسرائيليين والفلسطينيين. ـ 23 ديسمبر: يلتقي المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون في واشنطن. 2001 ـ 25 فبراير: الوزير باول يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون في القدس ورئيس السلطة الفلسطينية عرفات في رام الله. ـ 21 مايو: يؤيد باول تقرير ميتشيل حول العنف في الشرق الأوسط. ـ 26 يونيو: يلتقي الرئيس بوش ورئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون في واشنطن لبحث تنفيذ توصيات لجنة ميتشيل. ـ 26 يونيو: يسافر وزير الخارجية كولن باول الى الشرق الأوسط في الفترة من 26 الى 30 يونيو. وتتمثل مهمته في تعزيز وقف اطلاق النار والضغط من أجل تحقيق تقدم بخصوص توصيات أخرى من أجل السلام اقترحتها لجنة ميتشيل. ـ 19 يوليو: يصدر وزراء خارجية مجموعة الثمانية، لدى اجتماعهم في جنوا، بياناً يدعو الى تنفيذ توصيات تقرير ميتشيل. ـ 26 سبتمبر: يوافق وزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات على وقف إطلاق نار، ويعدان باستئناف مبادرات الأمن المشتركة. ـ 10 نوفمبر: يعلن الرئيس بوش، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن سعي الولايات المتحدة للعمل من أجل يوم تعيش فيه دولتان، إسرائيل وفلسطين، بسلام جنباً الى جنب ضمن حدود آمنة ومعترف بها بموجب قرارات مجلس الأمن. ـ 19 نوفمبر: في خطاب له في لويفيل، كنتاكي، يحدد الوزير باول معالم السياسة الأميركية للمساعدة في تحقيق السلام بين العرب والاسرائيليين. ويعلن قراره إيفاد كل من مساعد وزير الخارجية وليم بيرنز، وكبير مستشاريه الجنرال انتوني زيني الى اسرائيل للتوسط بشأن خطة وقف اطلاق نار طويلة الأجل. ـ 15 ديسمبر: يعود الجنرال زيني الى واشنطن لإجراء مشاورات بعد أن عمل على مدى 3 أسابيع من 24 نوفمبر الى 15 ديسمبر مع قادة اسرائيليين وفلسطينيين للتوسط في العنف الدائر في المنطقة. 2002 ـ 3 الى 7 يناير: يتوجه المبعوث الرئاسي الجنرال زيني الى إسرائيل لإجراء مزيد من المفاوضات. ـ 26 فبراير: يعبر الرئيس بوش عن تأييده للاقتراح السعودي بتطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل مقابل انسحاب إسرائيل الى حدودها في العام 1967. وكان الاقتراح نشر لأول مرة في صحيفة نيويورك تايمز يوم 17 فبراير 2002. ـ 10 الى 18 مارس: يزور نائب الرئيس، ديك تشيني، الشرق الأوسط ويلتقي زعماء عرباً واسرائيليين، في مصر وإسرائيل والأردن والمملكة العربية السعودية واليمن وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت. ـ 12 مارس: يتبنى مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1397، مؤيداً رؤية ظهور منطقة تعيش فيها دولتان، إسرائيل وفلسطين، جنباً الى جنب، داخل حدود آمنة ومعترف بها. والقرار، الذي اقترحته الولايات المتحدة، هو الأول من نوعه الذي يشير فيه مجلس الأمن الدولي الى دولة فلسطين. ـ 27 مارس: تتبنى جامعة الدول العربية اقتراح ولي العهد السعودي، الأمير عبدالله، الذي يؤيد تسوية للصراع العربي الاسرائيلي تقوم على وجود دولتين. ـ 7 إبريل: يحدد الرئيس بوش في بيان صادر عن البيت الأبيض معالم رؤياه لتسوية الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. ـ 7 الى 17 إبريل: يزور الوزير باول المغرب ومصر وإسبانيا والأردن وإسرائيل ولبنان وسوريا بحثاً عن مخرج للعنف المتزايد بين إسرائيل والفلسطينيين. ـ 2 مايو: تعلن الولايات المتحدة والأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي وروسيا عن خطط لعقد اجتماع وزاري حول سلام الشرق الأوسط في مطلع الصيف لتشجيع المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين، ووضع ترتيبات لتوزيع المعونات الإنسانية، واتخاذ تدابيرأمنية أشد فعالية في المنطقة. ـ 24 يونيو: الرئيس بوش يضع الخطوط العريضة لرؤية دولتين تعيشان جنبا الى جنب في سلم وأمن ويدعو بيانه الفلسطينيين الى انتخاب قيادة جديدة وتأسيس دولة فلسطينية مؤقتة، وتطبيع العلاقات بين اسرائيل والعالم العربي. التدخل الأميركي منذ الحرب الأميركية البريطانية في القرن التاسع عشر وحتى الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم يحدث أي هجوم على أراض أميركية. وكان المبدأ الحاكم للسياسة الخارجية الأميركية هو ما يعرف باسم «مبدأ مونرو» نسبة للرئيس الأميركي جيمي مونرو؛ وفحواه أن الولايات المتحدة لن تتدخل في شئون العالم القديم، ولن تسمح بتدخل العالم القديم في الأميركتين. ـ استمر هذا المبدأ ساريًا حتى نهايات القرن التاسع عشر، حيث حدث تغير كبير مع وصول ماكنلي للحكم، وحدوث خلافات بين أميركا وأسبانيا بخصوص كوبا وغيرها من جزر البحر الكاريبي ودول أميركا الوسطي التي كانت تحت سيطرة أسبانيا في ذلك الوقت. ـ مع تصاعد صوت دعاة الحرب في أميركا، اندلعت الحرب الأميركية الأسبانية؛ وشهد عام 1899 التدخل الأميركي في الفليبين والاستيلاء عليها، وكان هذا أول تدخل أميركي في العالم القديم وراح ضحيته مئات الألوف من الفلبينيين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لنداء الحرية والعدالة على حد تعبير الصحافة الأميركية في ذلك الوقت. ـ نقطة التحول الحاسمة واتجاه الولايات المتحدة للتدخل في العالم كله حدثت مع الحرب العالمية الأولى في عهد الرئيس وودرو ويلسون. حيث دخلت الولايات المتحدة الحرب في عام 1917 إلى جانب دول الحلفاء ضد الألمان والنمساويين والأتراك، تحت شعار نقاط ويلسون الرامية إلى منح حق تقرير المصير للشعوب والقوميات التي كانت تحت سيطرة هذه الإمبراطوريات القديمة. ـ توالى التدخل الأميركي في دول العالم كله تحت شعار الدفاع عن الديمقراطية ، وازداد بشكل واضح بعد الحرب العالمية الثانية، وتحت شعار درء الخطر الشيوعي أو نظرية الدومينو التي تهدف إلى منع تساقط الدول المختلفة في براثن الشيوعية تزايد التدخل الأميركي في كل أنحاء العالم؛ بدءًا من كوريا عام 1951 ثم إيران 1954 ثم فيتنام 1964 وكل الهند الصينية 1970. ـ تدخلت أميركا في كوريا بدعوى صد العدوان الشيوعي الشمالي ضد كوريا الجنوبية وحدث ذلك تحت مظلة الأمم المتحدة، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تستخدم فيها الأمم المتحدة لتبرير التدخل الأميركي. ـ في إيران عام 1954، مع وصول حكومة الدكتور مصدق وتقليص سلطان الشاه وضرب الجناح الأميركي البريطاني في النخبة الإيرانية، ثم تأميم البترول الإيراني وتشكيل حكومة وطنية معادية للإمبريالية وداعية للاستقلال الاقتصادي، دبّرت المخابرات الأميركية انقلابًا عسكريًا أدى للإطاحة بمصدق وإعادة الشاه واغتيال الألوف من الجماهير الإيرانية وأعلام الوزراء اليساريين في الحكومة. وكان المبرر هو حماية البلاد من الشيوعية. ـ بالنسبة لنموذج الانقلاب العسكري، حصل في تركيا ضد حكومة الرئيس عدنان مندريس الذي وصل إلى الحكم بعد انتخابات حرة في تركيا، بعد كمال أتاتورك وخليفته عصمت إينونو، وكان الشعار الوعد الذي رفعه مندريس، ومِن ثَم نجح به، هو إعادة الأذان بالعربية. ـ سوهارتو في إندونيسيا عام 1965 الذي وصل للحكم بعد انقلاب دموي شهد مصرع ما يقارب المليونين من الفلاحين الفقراء في إندونيسيا. ـ انقلاب الجنرال أوجستو بينوشيه ضد الرئيس الشيلي المنتخب سلفادور إليندي عام 1973، والذي أدى إلى مصرع الرئيس ومقتل الآلاف من المواطنين الشيليين والأوروبيين وحتى الأميركيين في إستاد الموت. ـ نموذج التدخل العسكري المباشر، ومن أشهر أمثلته جمهورية الدومينكان الصغيرة في أميركا الوسطى التي حاولت في نهاية الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي اتباع نموذج مستقل في التنمية، متأثرة بالنموذج الكوبي الذي بدأ مع ثورة كاسترو في 1959، فتدخلت قوات مشاة البحرية الأميركية في الدومينكان، واحتلت سان دومينجو العاصمة، وأطاحت بالحكومة الوطنية. ـ يظل النموذج الأكثر وضوحًا لسياسة التدخل المباشر هو فيتنام، ومن بعدها الهند الصينية كلها، والذي كانت له آثاره على أميركا داخليًا وعلى العالم ككل، وهو نموذج مركّب جمع بين مختلف أشكال التدخلات، بدءًا من الانقلاب العسكري الذي أطاح بالجنرال نجوديين ديم الذي كان يحكم فيتنام الجنوبية، مرورًا بالتدخل المباشر الدبلوماسي والمالي عن طريق المساعدات الهائلة لحكومة فيتنام الجنوبية العميلة من أجل الحيلولة دون سقوطها، ثم أخيرًا التدخل السافر العسكري مع حادثة خليج تونكين المفتعلة، الذي اتخذ شكل الغارات المذهلة والمدمرة على شمال فيتنام، ثم التدخل العسكري بما يقارب المليون جندي في الجنوب ولمدة استمرت 11 عامًا كاملة، وشهدت انقلابات عسكرية في كمبوديا وتدخلات عسكرية في لاوس وامتدت إلى الهند الصينية كلها. ـ في عهد ريجان عملت الادارة الأميركية الممثلة لاقصى اليمين على إنهاء عقدة فيتنام وإفساح المجال مجددا للتدخل الذي يصل إلى حد التدخل العسكري المباشر. وكانت إشاعة الخوف هي السبيل الأول لإقناع الناس بأنه من الضروري التسلح ضد عدو ما. وهكذا ظهر مصطلحا إمبراطورية الشر و الإرهاب الدولي. ـ تم التدخل العسكري المباشر في نيكاراجوا عن طريق مساعدة القوات العميلة، التي عرفت وقتها باسم الكونترا، والتي دفعت لمهاجمة المشروعات التنموية في تلك البلاد الفقيرة، وهو ما أشاع جوًا من الإرهاب أدى في النهاية إلى إسقاط حكومة الساندنيستا. ـ تم التدخل العسكري مباشرة لإطاحة نوريجا في بنما الذي كان عميلاً لهم، ثم عندما حاول انتهاج سياسة متوازنة، أصبح «مهرب مخدرات» وتم إلقاء القبض عليه وسجنه ثم أخيرًا الانقلاب الفاشل ضد رئيس فنزويلا هوجو شافيز، الذي كانت الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي أيدته.