طلب الرئيس الأميركي جورج بوش الابن تغيير القيادة الفلسطينية الحالية على الرغم من أنها ظلت أسيرة الإملاءات الأميركية منذ خريف 1991، بل وهدد في رؤيته القاصرة للأزمة الفلسطينية وللمستقبل القريب للصراع العربي ـ الإسرائيلي بالتدخل العسكري الأميركي المباشر في فلسطين إذا أعاد شعبها انتخاب ياسر عرفات في يناير 2003، وأنذر بوش بسحب تأييد واشنطن لقيام الدولة الفلسطينية إذا لم تتم إصلاحات جذرية في مؤسسات السلطة الحالية تكفل تحولا ديمقراطياً في المدى القريب على أن يصاحبه استكمال بدايات التحول إلى الاقتصاد الحر المرتبط بالغرب، والمتعاون مع إسرائيل. ومع أن عرفات يكرر التزامه بإجراء إصلاحات عاجلة في أجهزة السلطة الفلسطينية، ويبذل غاية جهده لوقف أعمال المقاومة الوطنية ضد الأهداف المدنية الإسرائيلية شاملة المستوطنات الاستعمارية في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، فإن الإدارة الأميركية ماضية في طلب إقصائه خلال عام واحد على الأكثر سواء تم إبرام اتفاق سلام انتقالي وقامت الدولة الفلسطينية المؤقتة أم تعثر الأمر كله ثانية، و ترفض حتى الآن منحه منصباً شرفياً بعد الانتخابات الرئاسية. ويتضافر آرييل شارون مع واشنطن لإضعاف عرفات برفض الاستجابة للجهود المصرية الحالية لتهدئة الأوضاع في فلسطين المحتلة واتخاذ الإجراءات الضرورية على الأرض قبل استئناف المفاوضات السياسية، وفي مقدمتها انسحاب القوات الإسرائيلية إلى أوضاع ما قبل الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 سبتمبر عام 2000، ويستمر شارون في الحصار الكامل لعرفات في رام الله ووقف اتصالاته أو إعاقتها مع معظم مرؤوسيه، ومع الأطراف الدولية المعنية بغير جدال. وتنتظر حكومة إسرائيل إتمام الإصلاحات الفلسطينية ـ كما يريدها تكتل ليكود ـ قبل أي إجراء عملى في فلسطين المحتلة حتى لو اقتصر على استقبال عدد من المراقبين الدوليين، ويرفض شارون وباول ورايس معاً الرد على رسائل عرفات إليهم ويقبلون فقط الاتصال ببعض معاونيه!! وتتجاهل واشنطن أن إسرائيل، كالسلطة الفلسطينية تماماً، تعمل بقانون أساسي فقط، ووفق أحكامه، وتتعاون إدارة بوش على إعداد دستور فلسطينى جديد في واشنطن في الوقت الحالى، دون انتظار الانتخابات التشريعية الفلسطينية في يناير 2003 وتكليف النواب الجدد بوضع دستور فلسطينى دائم. وقد اقترن تهديد بوش لعرفات بالإشارة إلى مضاعفات قضية الديمقراطية المتعثرة في الدول العربية وتأثيراتها السلبية على إنجازاتها في مجالات الأمن والتنمية، ومع أننا ندرك أن مزاعم الإدارة الأميركية عن الديمقراطية الصحيحة لا تنطلق من بعد أخلاقى أو قانونى، أو اقتناع بالقيم الإنسانية، بل لتخدم مصالحها الحيوية والأمنية في ربوع شرقنا الأوسط بوجه عام والمنطقة العربية بصفة خاصة، فإن بطء الإصلاح السياسي في أغلب دولنا العربية يمثل حقاً أخطر معوقات بناء القدرات الشاملة والمؤثرة على المستويين الوطنى والقومى، وأحد أهم أسباب الرضوخ لعلاقات التبعية السياسية والأمنية والاقتصادية التي تربطنا بالغرب بوجه عام وبالولايات المتحدة بصفة خاصة!! وجهة النظر المتصهينة تتفق بعض مراكز البحوث في الولايات المتحدة وإسرائيل في رؤيتها للديمقراطية في الدول العربية عامة، وفي فلسطين على وجه الخصوص، ويبث الإعلام الموجه هذه الرؤى على نطاق واسع في أغلب الدول الغربية. ونشير هنا إلى أن معهد واشنطن الأميركي للدراسات الاستراتيجية والدولية ومركز موشى دايان الإسرائيلي لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا زعما في دراسة مشتركة حديثة أن العالم العربي كان الاستثناء الواضح لموجة الديمقراطية التي انتشرت في العالم كله بعد انحلال الاتحاد السوفييتى السابق وسقوط النظم الشمولية في أوروبا الشرقية في أواخر ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن العشرين. وأشار المعهد والمركز إلى أن حكومات مصر والأردن والإمارات والبحرين وقطر واليمن قد أجرت إصلاحات جزئية في طريق التحول الديمقراطى في السنوات العشر الأخيرة، لكن احتكار السلطة استمر بلا تغيير، وتعمدت الأحزاب الحاكمة في دول عدة مثل مصر وسوريا والجزائر أن تعمل بكل طاقاتها لتهميش أحزاب المعارضة، واستنكار مسألة تداول السلطة على الرغم من التعددية الحزبية في تلك الدول. وفسر معهد واشنطن عدم استجابة الحكومات العربية لمطالب المثقفين والكتاب بالإصلاح التشريعى والسياسي بعدة أسباب منها استمرار ضعف وانكماش الطبقة الوسطى، وهى عصب الديمقراطية في أي مجتمع، نتيجة بطء وتواضع أهداف سياسات التصنيع، وخلل نظم الضرائب والجمارك، وفساد الإدارة الحكومية وتحالفاتها مع السماسرة والوسطاء ورجال الأعمال المعنيين بالتجارة قبل الإنتاج الزراعى أو الصناعى. والعامل الثانى هو ضعف أحزاب المعارضة بسبب مشاكل التمويل وترهل قياداتها وتحولها إلى «دكاكين» حزبية، وتكرار انقساماتها وانشقاقاتها. والعامل الثالث في رأي «أصدقائنا» الأميركان هو ضعف مؤسسات المجتمع المدنى، أو الأهلى كما أفضل تسميته، والقيود الأمنية التي تفرض على أنشطتها. ويأتى رابعاً صدام الحكومات وأجهزة الأمن مع الجماعات الدينية وبخاصة التي تعتبر أن الإسلام دين ودولة، وتدعو إلى الشورى والصحوة الإسلامية والتعلم من إيجابيات وسلبيات الثورة الإيرانية. والعامل الخامس هو إصرار الحكومات على البدء بالإصلاح الاقتصادى والاجتماعى قبل السياسي، وعلى إعطاء الأولوية ـ إعلامياً على الأقل ـ للقضايا القومية ومواجهة الخطر الصهيونى في المشرق العربي وإرجاء بناء الديمقراطية في الداخل إلى مستقبل منظور!! ويرى الأميركيون المهيمنون على إدارة بوش الابن، وهو رجل حديث الدراية بصراعات الشرق الأوسط، أن الفلسطينيين ـ كالمصريين والشوام ـ أقرب العرب إلى مفاهيم الديمقراطية والانفتاح الفكرى على ثقافة الغرب، ولكن سلطة عرفات في رأي خلصاء بوش قد أهدرت تسع سنوات كاملة منذ سبتمبر 1993 وحتى الآن دون أن تخدم إرساء قواعد ديمقراطية للعمل السياسي في مؤسسات السلطة بسبب المصاعب الأمنية أولاً، والنفوذ الطاغى لياسر عرفات ثانياً، والفساد الرسمى لبعض رجاله ومعظم القيادات الأمنية المتحالفة مع حفنة من رجال الأعمال كسبب ثالث. وهم يرون أن عرفات احتفظ باحتكار القرار السياسي، وبانفراده بعملية اختيار كبار «معاونيه» منذ عقد السبعينيات عندما كان في بيروت، وقد لجأ في أحيان عدة إلى سياسة فرق تسد، وأعطى مسئوليات متداخلة لأجهزة متنافسة، وبخاصة في المجال الأمنى الذى أنشأ فيه عرفات تسعة أجهزة وبدون وزارة للداخلية إلى بضعة أسابيع مضت!! وتتهم كوندوليزا رايس غريمها عرفات باستغلال النفوذ والاستئثار للرئاسة الفلسطينية بنحو 30% من موارد السلطة من المساعدات الأجنبية والعربية وإيرادات الضرائب والجمارك، واستخدام العطايا والرشاوى في إضعاف المجلس التشريعى الفلسطينى، والسيطرة على الإعلام في بلده واختراق بعض وسائل الإعلام في عدة دول عربية!! ويوجه بعض الفلسطينيين أنفسهم اتهامات صارخة لسلطة عرفات بأنها اقتطعت جزءاً كبيراً من مواردها المالية لتأمين رجالها وأسرهم وضنت به على تمويل تسليح المقاومة وعملياتها، ويجمعون على إدانة بعض المقربين من عرفات بالفساد المالى الخطير ومنهم من شارك في ملكية نادى القمار في أريحا!! وبسبب الفساد المالى والإدارى نشهد اعتراضات على تغيير مناصبهم أو إبعادهم مرحلياً عن العمل التنفيذي. ويعرف الكثيرون أن بعض أولئك الرجال ممن يحتفظ بعلاقات خاصة ووثيقة مع المخابرات المركزية الأميركية، أو بعض قيادات اليمين واليسار في إسرائيل على حد سواء!! الأسبقيات المضطربة فشلت الحكومات العربية حتى الآن في إقناع الإدارة الأميركية بأن الاحتلال الصهيونى للضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، وإرهاب الدولة الذى تمارسه إسرائيل فيهما، هما السببان المباشران لمأساة شعب فلسطين، واستمر بوش وشارون في اتفاقهما على ثلاثة شروط يبدأ بها التحرك السياسي على المسار الفلسطيني المتعثر منذ عام 1996، وهى تدمير بنية وكيانات تنظيمات المقاومة الوطنية وبخاصة الإسلامية منها، وإصلاح أجهزة السلطة الفلسطينية، وفرض قيادة بديلة لعرفات، مما يفتح الباب لمنهاج أميركي جديد للعمل ضد بعض أنظمة الحكم في المنطقة العربية إذا لم تستجب لتوجيهات واشنطن وتتفانى في خدمة المصالح الأميركية الحيوية والأمنية في شرقنا الأوسط السعيد!! وبعد تلبية الشروط الثلاثة هذه، يعدنا الرئيس الأميركي ببعض النوايا الحسنة التي لا يترجمها إلى خطة أو جدول زمني، أو يربطها بمرجعية قانونية أو دولية واضحة مطمئناً إلى العجز العربي عن التدخل الإيجابي المباشر في فلسطين، واختلاف مواقف العرب من عزل عرفات أو اعتزاله أو تجريده من سلطاته، واستسلام أغلب الدول العربية للهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط وبخاصة في ظل استمرار حملة بوش الحربية وترقب غزو العراق لإسقاط نظام حكمه بدءاً من فصل الخريف المقبل. وهكذا اضطربت الأسبقيات في السياسة الأميركية تجاه المنطقة العربية عامة وفي فلسطين خاصة، وأصبحت الأولوية للحرب ضد ما يعتبره الأميركيون إرهابا حتى لو كان مقاومة مشروعة للاحتلال، ولإسقاط نظام العراق الذي يمكن أن يمتلك أدوات الردع الاستراتيجي التي قد تهدد إسرائيل مستقبلا أو تؤثر على الهيمنة العسكرية والاقتصادية الأميركية على المنطقة. وهكذا تختزل الإدارة الأميركية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أرض فلسطين التاريخية ومأساة شعبها في الأراضي المحتلة ومعسكرات اللاجئين، إلى مجرد حملة إسرائيلية ضد المقاومة «الإرهابية»، وإسقاط عرفات، مع تجريد المؤسسات ومن بينها المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس التشريعي من إبداء رأيها في الزعامة الفلسطينية. وفي الوقت ذاته تضغط الإدارة الأميركية على القاهرة والرياض معا لمنع التأثير المنفرد أو المنسق عربيا في المسار الفلسطيني أو على المخطط الأميركي ضد العراق أو سوريا، بل وتحاول واشنطن توريط مصر بدفع عناصر أمنية لفرض الاستقرار في الضفة الغربية لنهر الأردن، وهو ما ترفضه القيادة المصرية التي تريد أن تحفظ للسلطة الفلسطينية كيانها وتدعم وجودها في إطار من الوحدة الوطنية لشعبها. ويريد جورج بوش الابن الآن التهدئة والتسكين في دول الطوق العربية ويترك لإسرائيل القرار بشأن استمرار احتلال المناطق «أ» حتى تجتث جذور المقاومة الوطنية، بغض النظر عن الكارثة الإنسانية المنتظرة في ظل الحكم العسكري الإسرائيلي الخانق للضفة الغربية لنهر الأردن. ولقد آن الأوان لوقف دبلوماسية التوسل لدى البيت الأبيض في واشنطن أو زيارات تبادل الآراء شرقا وغربا، أو مخاطبة إسرائيل دون الضغط عليها، أو استمرار التفريط في دبلوماسية القمم العربية والإسلامية والإفريقية، والتحرك سراعا لبدء مواجهة عربية حقيقية للهيمنة الأميركية الصهيونية تشارك فيها الدول العربية الجادة التي تملك قدرا من الحرية في قرارها السياسي، ولتكن البداية من محور القاهرة ودمشق والرياض. وبصراحة تامة تكشف المواقف المترددة أو القاصرة لبعض الدول العربية في التصدي للبربرية الصهيونية في فلسطين، وبشجاعة مكتملة توقظ الرأي العام، وتطلق طاقات المواطنين في العمل العام. والهدف معروف ومتفق عليه ـ فيما أظن ـ بين المثقفين الوطنيين وهو العمل على تحول الانتفاضة الفلسطينية تدريجيا إلى حرب تحرير شعبية في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، وإدارة صراع منخفض الشدة بواسطة دول الطوق العربية وبعض دول العمق العربية ضد إسرائيل على الفور. وهذا النوع من الصراع يشمل الضغوط الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، والحرب النفسية، وإدارة الإعلام الموجه، وتطوير قدرات الردع الدفاعي وأنشطة المخابرات الإيجابية والسلبية وبعض العمليات العسكرية الخاصة. وببساطة لابد من تدعيم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح، ومن تفعيل المقاطعة الشاملة لإسرائيل، والمقاطعة الشعبية للمنتجات والثقافة الأميركية. ولنترك شعب فلسطين ليختار قيادته بمطلق الحرية، ولنساعد الفلسطينيين بالإصرار على انسحاب العدو الصهيوني من أراضيهم، وعلى الرقابة الدولية الشاملة للانتخابات الفلسطينية في يناير المقبل. ولا يجب أن يسمح بالوصاية الأميركية على التحركات السياسية والدبلوماسية للدول الرئيسية في النظام الإقليمي العربي، لعل وعسى!! ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط