لاتزال مسألة تشكيل قيادة فلسطينية بديلة للرئيس عرفات تسيطر على اهتمامات المجتمع الدولي اكثر من ضرورة التحرك لايجاد حل سياسي عادل وفق قرارات الشرعية الدولية؟ تلقي هذه المسألة بظلالها على الشارع الفلسطيني الذي انقسم بين مؤيد ومعارض حول تغيير القيادة. فقد طرحت ثلاث شخصيات فلسطينية مبادرة وطنية للنهوض بالشعب الفلسطيني نحو الاستقلال، تدعو إلى إنشاء قيادة طوارئ وطنية تكون مسئولة عن وضع خطة لدعم الصمود الوطني، والإعداد لانتخابات ديمقراطية حرة ومباشرة، وتنفيذ خطة إصلاحات سياسية، مالية، وأمنية. وأعلن عن هذه المبادرة كل من الدكتور حيدر عبد الشافي في قطاع غزة والدكتور مصطفى البرغوثي في مدينة رام الله، والمهندس ابراهيم الدقاق في مدينة القدس، في وقت واحد، وقال السياسيون الثلاثة ان مبادرتهم تهدف إلى الاصلاح الداخلي وحماية القرار الفلسطيني المستقل وتحقيق السلام العادل. إلغاء الازدواجية وفي اتصال هاتفي من غزة قال الدكتور حيدر عبد الشافي رئيس الفريق التفاوضي الفلسطيني الى مفاوضات واشنطن عام 1992 ان المبادرة تطالب باصلاح جذري حقيقي وشامل يتجنب انصاف حلول، ويتم برؤية فلسطينية كفاحية متفائلة بهدف تعزيز الصمود الوطني والوحدة واعادة الثقة للمواطنين والمناضلين الفلسطينيين وابناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. وقال: انا لا أطرح نفسي بديلا للرئيس عرفات فهو رئيس شرعي منتخب من الشعب الفلسطيني ولكننا نسعى حاليا الى اعادة المجتمع الفلسطيني الى الطريق الصحيح وازالة رواسب العدوان المتواصل بالعودة الى تفعيل مؤسسات المجتمع المدني وانتخاب قيادة تلائم طموحات شعبنا. واوضح عبد الشافي ان المبادرة تدعو إلى تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وإجراء انتخابات لمجلسها الوطني، وتبني مبدأ الانتخابات الحرة في جميع المؤسسات الفلسطينية على اعتبار أن الانتخابات الديمقراطية هي جزء من مقومات بناء الدولة الفلسطينية. وطالب عبد الشافي بضرورة تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، واحترام استقلالية الهيئات التشريعية والقضائية، وبدون ذلك لن يكون هناك اصلاح على الاطلاق. أما بشأن الاجهزة الأمنية الفلسطينية فقد طالب بالإصلاح وفق الأُسس التالية: «الغاء التعددية في صفوفها، امتناع قادتها عن التدخل في الامور السياسية والاعلامية وتقيدهم بقرارات القيادة الشرعية المنتخبة، ابتعادهم الكامل عن الانشطة الاقتصادية والاستثمارية، مع تحديد موازنة رسمية واضحة لهذه الاجهزة، وخضوعها لسيادة القانون والقضاء المستقل». وقال ان المبادرة التي طرحها مع البرغوثي والدقاق تدعو الى التصدي للضغوط الاسرائيلية والخارجية، والعمل على استمرار الكفاح الوطني من اجل انهاء الاحتلال والاستيطان، واقامة دولة فلسطين الديمقراطية المستقلة على كامل الاراضي المحتلة عام 1967، وحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، والعمل على كسر الحصار الاحتلالي وافشاله. واشار الى انها تدعو الى انشاء قيادة طواريء وطنية ترسم استراتيجية وتضع اهدافاً وطنية مشتركة وتلغي كل ازدواجية في الخطاب السياسي وتحقق الوحدة والالتزام على قاعدة المشاركة الفعلية في صنع القرار. وقال ان الأوضاع التي يمر بها الشعب الفلسطيني تتطلب من منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية «الانتقال من سياسة رد الفعل إلى العمل المبادر، عبر تشكيل قيادة طوارئ وطنية، تضم كافة القوى والفعاليات الناشطة على الساحة الفلسطينية، وذلك لوضع استراتيجية موحدة كفيلة بالتصدي للمهمات الجسيمة التي تواجه الفلسطينيين حالياً، ولإفشال سياسة شارون الموجهة لتدمير كل البنيان الوطني الفلسطيني». تشويه الحقائق من جانبه قال المهندس حاتم أبو شعبان عضو المجلس الوطني الفلسطيني في غزة ان حديث القادة السياسيين في أنحاء العالم، و الانتهازيين في العالم العربي ومن بعض ابناء الشعب الفلسطيني، هو ترديد المطلب الأميركي والإسرائيلي بإجراء الإصلاح الشامل في السلطة الوطنية الفلسطينية، وضرورة تغيير قيادتها الحالية التي سببت كل المآسي التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، وقضت على عملية السلام بسبب عدم تجاوبها مع ادعاءات خطوات السلام والتنازلات التي قدمتها إسرائيل لها، ودعمت ما يسمونه الإرهاب. وقال السياسي الفلسطيني: لقد أصبح كل هؤلاء يطالبون علانية باستبدال قيادة عرفات بقيادة جديدة مفصلة على المقاس الأميركي والإسرائيلي لإنقاذ الشعب الفلسطيني من مآسيه، لينعم بالرخاء والاستقرار في ظل القيادة الجديدة المطلوبة، ولا يتورعون عن تهديد الشعب الفلسطيني في استمرار المآسي التي يتعرض لها إذا لم يقم بتغيير قيادته، وأصر على استمرار الرئيس ياسر عرفات رئيسًا له في أي انتخابات رئاسية جديدة، وهم بهذا يتصرفون كالأوصياء الشرعيين على الشعب الفلسطيني، وكأنه لم يبلغ سن الرشد ولا يدرك أين تقع مصلحته الحقيقة. واشار الى ان الذين يطالبون بالتغيير يتجاهلون عن عَمد أن الرئيس ياسر عرفات هو الرئيس الشرعي المنتخب من الشعب الفلسطيني، وأن الاحتلال الإسرائيلي هو السبب الرئيسي لكل المآسي التي لحقت بهذا الشعب، وفي القضاء على إمكانية تحقيق السلام، ويتجاهلون عن عَمد أيضًا أن ما يقوم به الشعب الفلسطيني هو الحق الشرعي طبقًا للشرائع الدولية في مقاومة الاحتلال للحصول على الحرية والاستقلال. واكد أن الشعب الفلسطيني بكافة فئاته وتنظيماته ومشاربه السياسية يريد الإصلاح الشامل سياسيا وأمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وقضائيًا وتفاوضيًا للنهوض بمجتمعنا الفلسطيني والرقي به، ويطالبون باستخلاص العبر لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وليس هدمه وبرؤية فلسطينية وطنية بحتة، ولكنهم يرفضون رفضًا قاطعًا التدخل الخارجي في الشئون الفلسطينية الداخلية، لأنهم جميعًا يقعون داخل سلة واحدة تتعرض لهجمة أميركية وإمبريالية وإسرائيلية شرسة، والشعب الفلسطيني بأكمله يرفض فرض الإملاءات عليه من الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية لاختيار قيادته الوطنية. وقال ان المطالبين بعزل الرئيس عرفات يلتقون في هذا مع المطلب الأميركي الإسرائيلي لإقصاء الرئيس عرفات بسبب تمسكه بثوابته الوطنية ورفضه للضغوط الأميركية، واشار الى ان هذه الأفكار يرفضها الشعب الفلسطيني لما تحتويه من تشويه للحقائق وقلب للأولويات وإهانة للنضال الفلسطيني بوصف المقاومة المشروعة إرهابًا، ودعم للاحتلال الإسرائيلي وإعطائه الضوء الأخضر للاجتياحات والاغتيالات، وتدخل في الشئون الداخلية الفلسطينية، حيث يشكل هذا الخطاب أفكارًا خطيرة تمثل وجهة النظر الإسرائيلية الشارونية. غباء افتراضي! الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي يرى ان الخطير في الأمر أن الإدارة الأميركية تبعث من خلال الوضع الفلسطيني برسالة إلى من يهمهم الأمر في العالم العربي، بضرورة إجراء تحولات نوعية وجذرية في النظام السياسي والمنظومة الاقتصادية وفي القيم الثقافية، تحت يافطة الديمقراطية والاقتصاد الحر ومكافحة الإرهاب(فضلا عن التطبيع مع إسرائيل)، ومخطئ من يظن بأن المقصود بهذه الرسالة ياسر عرفات لوحده. واستنتج من ذلك بأن الولايات المتحدة تحاول أن تفتح عصرا جديدا من الوصاية الدولية، من خلال الهيمنة والتدخل المباشر في الشئون العربية، بحكم هيمنتها على وسائل العولمة وتحكمها بالاقتصاد العالمي وبحكم قوتها العسكرية والتكنولوجية. وقال ان الرئيس بوش كان متواطئا مع إسرائيل حين حررها من هذه الاستحقاقات بربطها بظهور مؤسسات وقيادة جديدة، للفلسطينيين، تستجيبان لمطلبي الأمن والإصلاح، وهما مطلبان إسرائيليان أصلا، كما أنه أعطى لإسرائيل الحق ليس بالعدوان وإنما بدوام الاحتلال، بحجة الدفاع عن النفس! وذكر ان الرئيس بوش وضع شروطا تعجيزية جديدة للتسوية مع الفلسطينيين، أصعب بكثير من الشروط التي كانت من قبل، إذ تجاوز تقرير ميتشيل وخطة تينيت والشروط التي كان شارون، ذاته، قد وضعها، والتي كانت تقتصر على سبعة أيام هدوء ووقف العنف، فشروط بوش، الجديدة، المتعلقة بالتطور الديمقراطي والإصلاح والتغيير السياسيين والشفافية، قد تحتاج لسنوات وربما لجيل آخر لتطبيقها، ما يمكن اعتباره تسويغا، جديدا، للاحتلال وللعدوان. عدلي صادق الكاتب والمحلل الفلسطيني يرى من جانبه أن إدارة جورج دبليو بوش، لم تقرأ الواقع الفلسطيني، ولم تتعامل مع معطيات حقيقية عن الوعي الجمعي للفلسطينيين، فانزلقت الى غباء الافتراض بأن أحداً يمكن أن يكون قريباً منها فعلاً، فياسر عرفات، بما له من إرث في موقع الزعامة، وبما له من كاريزما ورمزية، وبما في جعبته من أسرار، وبما في جوانب عقله وذاكرته من هوامش، كان يغوص مع الأميركيين والإسرائيليين دون أن يكترث لثرثرات من يتهمونه بالتفريط، ويرى صادق انه لمن المفارقات الطريفة، أن واشنطن، التي تحدثت مراراً وتكراراً عن موضوع الفساد، تجاهلت حقيقة أن فساد السلطة، ليس هو فساد الزاهد الذي لا متطلبات شخصية له (ياسر عرفات) وإنما هو فساد أشخاص تعتبرهم من أصدقائها أو من المقبولين لديها، ومن زوارها الدائمين. وتحدى صادق أن تقدم واشنطن قائمة من عشرين اسماً من أسماء اللصوص والفاسدين في القيادة الفلسطينية، في حين قال انه قادر على البرهنة على أن الأموال التي سرقها هؤلاء قد حُولت لأميركا، أو أنها تحققت لهم عن طريق مؤسسات أميركية وأوروبية ويابانية، أو أن هذه الأسماء من الشخصيات المحببة لواشنطن!