وراء الهجمة غير المسبوقة للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، ومعه رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون، على المنطقة التي يطلقان عليها اسم «منطقة الشرق الأوسط»، تبدو ملامح المرحلة الثانية من خطة أميركية بدأت مع حرب الخليج الثانية وكانت حصيلتها حتى الآن انهيار النظام العربي، بل وسقوطه المريع في التردي... وتاليا في أيدي الجالس سعيدا في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض. لكأنما بوش الابن، وان بأسلوبه الخاص ولأهداف ربما أكثر جذرية سواء بالنسبة للمنطقة أو بالنسبة للعالم، يكمل التصور الاستراتيجي الذي وضعه والده للمنطقة وللعالم مستغلا الى أقصى حد ملابسات الغزو العراقي للكويت من ناحية وتفكك القطب الآخر في العالم، بانهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية، من ناحية ثانية. هذه المرحلة هي مرحلة وضع اليد على المنطقة، بصورة كاملة، سياسيا واقتصاديا وعسكريا وحتى اجتماعيا، بعد التمدد الأميركي في آسيا الوسطى الى حدود الصين والاتحاد الروسي وصولا الى الجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفييتي السابق. الفارق الوحيد أن بوش الأب وضع مشروعه محاطا بتحالف دولي تحت شعار تحرير دولة عضو في الأمم المتحدة (الكويت) من احتلال دولة أخرى لها، بينما يفعل بوش الابن ما يفعله من دون أي تحالف، أو حتى دعم دولي، فضلا عن أنه يعلن بكل جلاء أنه يدعم في سياق خطته استمرار احتلال «دولة معتدية» (اسرائيل) لـ «أراض محتلة» (فلسطين) بحسب الوصف الذي يستخدمه عدد لا يحصى من القرارات الدولية المعترف بها. لكنه فارق لا تعيره ادارة بوش الابن أي اهتمام!. فصول متدرجة في العقد الماضي، ونتيجة لخطة بوش الأب، فقد العرب عمليا ـ أو هم أفقدوا ـ معظم الأوراق التي كانوا يمتلكونها، أو كانوا على الأقل يظنون أنهم يحتفظون بها الى حين الحاجة في «محفظة» قرارهم المستقل الذي يعبرعن طموحات الأمة وآمالها. آثار ذلك بدت جلية، بل وفاقعة، في الحرب الاسرائيلية (الأميركية) المستمرة منذ حوالي عامين بهدف تحطيم ارادة الشعب الفلسطيني، ومعها طبعا ارادات الشعوب العربية. وبكلمات قليلة، فلم يكن مشروع السلام العربي الذي أقرته قمة بيروت في ابريل الماضي بالاجماع، والذي عمدت إدارة بوش الابن الى تجاهله وكأنه لم يكن، وواصلت في المقابل خطتها هي بتنسيق أكثر من كامل مع شارون، الا التجسيد المدوي لذلك السقوط.. ودائما في أيدي «السيد» الأميركي، ورهن ارادته. ليس أسهل من القول ان خطيئة النظام العراقي باجتياحه الكويت في مطلع العقد الماضي هي التي تتحمل المسئولة، أو جزءا كبيرا منها، ولا من القول ان عيوب الكتلة الاشتراكية، وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي، كانت هي أساس اختلال النظام العالمي ذي القطبين، ثم في سقوطه لمصلحة النظام ذي القطب الواحد الذي هو «السيد» الأميركي. لكن الحقيقة المرة هي أن قصة التهاوي العربي لا تقف عند هذه النقطة او تلك، ولا عند المسؤولية الأولى أو عند المسؤوليتين معا. انها أبعد من ذلك وأكثر عمقا، حتى وان كانت مقولة «القشة التي قصمت ظهر البعير» تصلح ذريعة في أفواه البعض، ومشجبا يقيمونه خيمة واهية حول ممارساتهم، يعلقون عليها أعباءهم ويتغطون بها أو يختبئون وراءها. مع ذلك فملامح المرحلة الجديدة لم تعد خافية على أحد. هي لا تظهر جلية أمام العيون فقط، بل انها تتحدث عن نفسها بصراحة يخشى المرء ان يقول انها لا تقل عن الوقاحة. ومن خلال المعلن منها، على الأقل، يمكن تحديد ملامح هذه المرحلة كما يأتي: أولا: لم يعد يكفي ذهاب العرب الى مؤتمر مدريد للتفاوض وجها لوجه - ولأول مرة في التاريخ - مع دولة الاحتلال لفلسطين والأراضي العربية، اسرائيل، ولم يعد يكفي كذلك لا الاعتراف العربي المسبق باسرائيل ولا الاشتراك في مفاوضات متعددة الأطراف يتمثل فيها ثلاثمائة مليون عربي، لتطمينها نفسيا وادخالها في شبكة مصالحهم الحيوية ناهيك عن نسيج مجتمعهم، ولا حتى ما أعلنته قمة بيروت في آخر المطاف عن الاستعداد العربي للتطبيع الكامل معها... ولكن بعد الانسحاب الكامل الخ... بات المطلوب من العرب هو باختصار كل ما تطلبه اسرائيل، وبعد ذلك فقط يمكن لحكومة شارون ـ او أية حكومة أخرى ـ أن تنظر في ما يمكن ان تقدم لهم في المقابل، كرما منها او تضحية أو تنازلا، أو سمها ما شئت!!. لا «الأرض في مقابل السلام» مطروحة بعد، ولا «مرجعية مدريد» ، ولا «قرارات مجلس الامن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة» ، ولا «الوساطة الأميركية النزيهة» ، ولا حتى «اتفاق اوسلو»... اوغيره من اتفاقات تم الوصول اليها في القاهرة وطابا وشرم الشيخ وواي بلانتيشن الخ.. ، بل مجرد الخضوع لشروط حكومة شارون، بدءا بما تتصوره لمستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وصولا في النهاية الى آخر بقعة من الأرض العربية على امتداد المنطقة بين الخليج والمحيط. هذا هو المعروض من قبل ادارة بوش، والا فليس لديها الا ما قامت به عمليا منذ توليها السلطة مطلع العام 2001. أي «نفض اليد» من المنطقة ومشكلاتها!!. ثانيا: لأن شارون يرفض التعامل مع رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، فينبغي اذن ان يؤخذ موقفه في الاعتبار، بل وأن يحترم من قبل العرب جميعهم. موقف مماثل له، ربما غدا او بعد غد، من ملك عربي أو رئيس عربي او حكومة او حتى مجلس نواب منتخب، يجب ان يحترم كذلك بغض النظرعن مواقف الشعوب المعنية وآرائها بملوكها ورؤسائها وحكوماتها ومجالسها التمثيلية سواء أكانت منتخبة أم غير منتخبة. واذا كان عرفات والمجلس التشريعي الفلسطيني منتخبين ديمقراطيا أم لا، أو كان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون قد حضر شخصيا افتتاح أعمال المجلس الفلسطيني، وباركه بكلمة له فيه أم لم يفعل، فارادة شارون التي يدعمه فيها بوش يجب ان تطاع !!. المرحلة الأخطر تأسيسا على ذلك لا بد من استبدال عرفات بقيادة فلسطينية جديدة. ثم على افتراض ان الشعب الفلسطيني عمد الى اعادة انتخاب عرفات لقيادته، فان اسرائيل لن تتعامل معه كما لن تتعامل معه الولايات المتحدة. وبوش من جانبه لا يتصور امكان بقاء الرئيس العراقي صدام حسين على رأس السلطة في بلاده. فهو أحد اضلاع «محور الشر» الثلاثة في العالم الأميركي، الى جانب كل من ايران وكوريا الشمالية، ولا بد اذن من اسقاطه واسقاط نظامه. وطبعا فموقف مماثل لبوش، غدا أو بعد غد، من ملك او رئيس او حكومة او مجلس نواب في الوطن العربي، ينبغي ان يلقى الاحترام ذاته، وأن يتبرع الجميع بأن يمدوا يد العون لبوش من أجل تحويل هذا الموقف الى أمر واقع على الأرض.. تماما كما هم مطالبون الآن بمد يد العون للمساعدة على اسقاط صدام وتبديل النظام القائم في العراق. يبقى أن الكلام الأميركي ـ الاسرائيلي على عرفات وصدام لا يقال في السر، ولا بعبارات دبلوماسية او عبر قنوات دبلوماسية، ولا حتى في صيغة تمنيات يغطيها حد ما من اللياقة، بل هو يقال بالصراحة ـ الوقاحة السالفة الذكر اياها. والأفدح ان استبدال عرفات وصدام ينبغي ان يتم، ليس بموافقة عربية ضمنية فقط وانما باشتراك عملي على الأرض ان بالدعم السياسي، أو بالدعم المالي، أو حتى بالدعم المادي المباشر من خلال اجهزة المخابرات ومعلوماتها والقواعد العسكرية العربية وتجهيزاتها، او ربما القوات المسلحة أيضا. وليس لدى الدول العربية، في مواجهة ذلك، الا «ان تكونوا معنا... او تكونوا ضدنا» ، وفق التعبير الذي اطلقه بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر وبات لازمة سياساته الخارجية على امتداد العالم وفي المنطقة! ثالثا: أنظمة التعليم العربية، بما فيها التعليم الديني وتدريس التاريخ والثقافة العامة فضلا عن المحافظة على التقاليد والعادات العربية وربما الأخلاقيات، لم تعد - من وجهة نظر بوش وادارته ـ تتلاءم مع النظام الاجتماعي الذي تفترضه ـ بل هي تفرضه ـ العولمة والليبرالية والأسواق الحرة واقتصاد السوق وما يسمى بالقيم الغربية التي ترتبط بها، ولذلك لا مفر من اعادة نظر جدية وكاملة فيها. وفي واقع الأمر، فعندما تملأ واشنطن الدنيا ضجيجا حول «الاصلاح» المطلوب فلسطينيا في هذه المرحلة، باعتبار ان المقصود به اصلاح الادارة والأجهزة الأمنية والمالية وأنظمة التمثيل الشعبي للسلطة الفلسطينية، فهي لا تخفي ان الهدف منه في البلدان العربية الأخرى ليس فقط البيروقراطية الادارية وانما تغيير المناهج الدراسية، وحتى قلبها رأسا على عقب. بعد كامب ديفيد، ثم بعد اوسلو ووادي عربة، كان الصوت الأميركي - الاسرائيلي يرتفع في طلب عدم تلاوة الآيات القرآنية ورواية الأحاديث النبوية التي تتحدث عن اسرائيل التاريخية أو عن اليهود. الا ان أهداف المرحلة الآن، والتي ستكون اكثر جلاء في المستقبل، هي العمل على استبدال المناهج الدراسية وربما تغييرها بصورة جذرية. خطورة المرحلة تكمن في انها «انقلابية» بالمعنى الكامل للكلمة. وقد تكون الأمة في حاجة ماسة الى هزة عنيفة تنفض عنها الغبار المتراكم منذ عقود، والذي جعلها في حالة ضياع لا سابق لها. لكن «انقلابية» بوش الابن مرفوضة حتى من حلفاء أميركا التقليديين والتاريخيين في أوروبا وغيرها، كما بدا في بريطانيا أخيرا حيال القضيتين الفلسطينية والعراقية، وربما مرفوضة في أميركا ذاتها حيث تثار أكثر من علامة استفهام حول بوش برغم استطلاعات الرأي التي لا تزال في صالحه. وأعمق التحديات التي تواجه العرب الآن هو رفض، او قبول، هذه «الانقلابية» المفروضة عليهم من الخارج.. ومن هذه الادارة الأميركية بالذات. ـ كاتب لبناني