قبل أن نحاول تقديم تفسير للموقف الأميركي بصدد ضرورة تغيير القيادة الفلسطينية ممثلة في الرئيس عرفات وبعض اعضاء السلطة الوطنية ، واعطاء الأولوية لاصلاح السلطة الفلسطينية على كافة القضايا المتعلقة بتسوية الصراع العربي الاسرائيلي، لابد وان نقدم بعض الملاحظات التي نرى انها ضرورية للكشف عن حقيقة الموقف الأميركي ومن ثم البحث في تفسيره، وذلك على النحو التالي: 1- إن من يملك الحق في تغيير القيادة الفلسطينية هو الشعب الفلسطيني الذي اختار عرفات رئيسا، ومن ثم فالكلمة الأولى في هذا الشأن هي للشعب الفلسطيني. 2- إن فرض قيادة على أي شعب بفعل الضغوط الخارجية لم يؤد تاريخيا الى القضاء على مقاومة هذا الشعب أو ذاك لقوات الاحتلال الأجنبي، ففي فرنسا اقام الألمان حكومة فيشي بعد اجتياح الجيش الألماني لفرنسا، الا ان هذه الحكومة لم تؤد الى القضاء على المقاومة الفرنسية التي قادها ديجول، وسقطت في النهاية حكومة فيشي، وتؤكد هذا تجربة جنوب افريقيا، بل ان اسرائيل ذاتها حاولت في فترة سابقة أن تشكل قيادة فلسطينية من خلال رؤساء البلديات في المدن والقرى الفلسطينية التي تسيطر عليها، وفشلت في هذا فشلا ذريعا. 3- إن الولايات المتحدة الأميركية لا تربط معاملاتها الخارجية بضرورة وجود حكومات ديموقراطية منتخبة، الا بالقدر الذي يتوافق مع مصالحها فإذا كان تحقيق هذه المصالح يتطلب التعامل مع حكومات غير ديموقراطية فإنها لا تتوانى عن هذا التعامل، بتجاهل كافة التجاوزات والممارسات غير الديموقراطية لمثل هذه الحكومات، والتاريخ المعاصر ملئ بالأمثلة التي تؤكد هذا. 4- إن هذا الموقف الأميركي يتطابق تماما مع موقف رئيس وزراء اسرائيل في هذا الشأن الذي حاول ان يجعل من عرفات مشجعا للارهاب، حيث وجه اليه العديد من الاتهامات، وحاول دائما تحميله مسئولية عمليات المقاومة، بالرغم من أن عرفات وسلطته يعيشان تحت الحصار ولا يملكان السيطرة حتى على المقر الذي يقيمون فيه، وهو أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام حول النوايا الأميركية والاسرائيلية. 5- أن كان التخلص من عرفات سوف يؤدي الى تحقيق التسوية المرغوبة من جانب الولايات المتحدة واسرائيل، فلماذا لم يتم تصفيته في ظل الاجتياح الاسرائيلي الأخير للاراضي الفلسطينية وقد كان هذا الأمر ممكنا ومتاحا للقوات الاسرائيلية، وكانت تملك العديد من المبررات في هذا المجال، ولكن واقع الحال أن الولايات المتحدة واسرائيل وان كانتا لا تستريحان الى عرفات، الا انهما لا يضمنان حتى الآن امكانية وجود قيادة بديلة لعرفات، يمكن أن توقع على اتفاق للتسوية وفقا للمواصفات الاسرائيلية الأميركية. 6- انه وبالرغم من التحفظ على عملية الاصلاح التي تتم نتيجة للضغوط الأميركية والاسرائيلية، الا ان هذا لا ينفي ان هناك حاجة للاصلاح السياسي والديموقراطي في السلطة الفلسطينية، الا أن هذا يرتبط بضرورة توافر الظروف الموضوعية التي تساعد على اجراء هذا الاصلاح، خاصة انسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي الفلسطينية التي اعادت احتلالها في حملتها الارهابية الأخيرة. هذه بعض الملاحظات الأولية التي رأينا ان نحددها قبل أن نحاول تفسير الموقف الاسرائيلي في هذا الصدد وتداعيات هذا الموقف على الصراع العربي الاسرائيلي وعلى الأوضاع في المنطقة. اتجاهات متعددة الموقف الأميركي بصدد تغيير القيادة الفلسطينية يمكن تفسيره في عدة اتجاهات نعرض لها على النحو التالي: أولا: الاتجاه الذي يقول بان الولايات المتحدة بوضعها مثل هذا الشرط لتحقيق التسوية والاعلان عن الدولة الفلسطينية، ربما تسعى الى رفع يدها عن هذه العملية، لانها تعرف ان تبنيها للرؤية الشارونية الرامية الى تغيير الرئيس عرفات، سيكون لها رد فعل عكسي وهو ازدياد تمسك الشعب الفلسطيني بالرئيس عرفات، أو قد تؤدي الى وصول قيادة اسلامية جديدة أكثر تشددا من عرفات، الامر الذي يعرقل الوصول الى تسوية مع هذه القيادة الجديدة، وبالتالي يكون امام الادارة الأميركية مبرر ما للانسحاب من عملية التسوية وترك الأمور لآلة الحرب الاسرائيلية لتحقيق أهدافها. ثانيا: اتجاه يقول بأن الولايات المتحدة واسرائيل تريان ان عرفات قد وصل الى أقصى مايمكن الوصول اليه من حيث تقديم التنازلات، ومن ثم فهو لا يستطيع تقديم المزيد من التنازلات المطلوبة، بحكم توازن القوى الجديد بعد الاجتياح الاسرائيلي الأخير للاراضي الفلسطينية وأعمال القمع والارهاب التي مازالت قوات الجيش الاسرائيلي تمارسها بحق الشعب الفلسطيني، ومن ثم يجب التخلص من عرفات وايجاد قيادة بديلة تستطيع تقديم التنازلات المطلوبة. ثالثا: اتجاه يرى ان تبني الولايات المتحدة لرؤية شارون بصدد التخلص من الرئيس عرفات، يرمي الى تطبيق النموذج الافغاني في فلسطين حيث ان شارون يعرض مايقوم به في الاراضي الفلسطينية على انه حرب ضد مايسميه بالارهاب كما فعلت الولايات المتحدة في حربها في افغانستان، ومن ثم فالاصرار الأميركي على تغيير الرئيس عرفات يعني ان الادارة الأميركية تتبنى هذا التفسير الذي قدمه شارون. رابعا: اتجاه اخر يقول بأن هذا الاصرار الاميركي على تغيير القيادة واصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية يستهدف ايجاد قيادة جديدة منتخبة من الشعب الفلسطيني تستطيع السيطرة على كل الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية ومن ثم يمكن الاطمئنان اليها عند توقيع أي اتفاقيات جديدة مع اسرائيل، خاصة وان تجربة أوسلو قد أوضحت ان السلطة الوطنية بقيادة عرفات لم تستطع احتواء كافة القوى السياسية الفلسطينية بل ان عرفات سمح باستمرار هذه القوى، لاستخدامها كاداة للضغط على اسرائيل، ولكي يؤكد ان مايقدمه هو الافضل مما يمكن ان يقدمه الآخرون. خامسا: اتجاه يقول بأن الموقف الأميركي من القيادة الفلسطينية هو رسالة الى العديد من النظم العربية الأخرى، حيث أن الولايات المتحدة تريد اجراء ترتيبات جديدة في المنطقة تتوافق مع رؤيتها الاستراتيجية الجديدة لقيادة العالم، وان هذه الترتيبات تتطلب إحداث تغييرات هامة داخل النظم السياسية العربية كي تكون قادرة على مثل هذه التغييرات بمبادرة من النظم السياسية العربية ذاتها، لأن الولايات المتحدة قد تلجأ الى التدخل المباشر لاحداث هذه التغييرات، اذا ماتطلبت مصالحها ذلك التدخل، وهذا التدخل قد يصل الى امكانية استخدام القوة العسكرية في بعض الحالات كما هو الشأن بالنسبة للرئيس صدام حسين في العراق. بديل المقاومة هذا هو أهم الاتجاهات التي يمكن ان تفسر الموقف الأميركي الضاغط من أجل تغيير الرئيس عرفات، وهو يوضح ان جوهر هذا الموقف لا يدور حول شخصية الرئيس عرفات، بقدر مايتعلق بالابعاد المختلفة للصراع العربي الاسرائيلي في مرحلته الراهنة وهو يحمل في طياته العديد من المخاطر على المنطقة العربية، فعلى المستوى الفلسطيني تثور العديد من التساؤلات منها: ماهو الموقف الأميركي اذا اعاد الشعب الفلسطيني انتخاب عرفات؟ وماهو الموقف الاميركي اذا ماأتت الانتخابات بقيادة جديدة منتخبة وأكثر تشددا؟ وما هو الموقف اذا ماجاءت قيادة جديدة لا تستطيع تجاوز السقف الذي حدده عرفات، والذي لا يمكن ان تتجاوزه والا فقدت شرعيتها؟! وعلى المستوى العربي يثير هذا الموقف العديد من التساؤلات منها: اذا ماتم تغيير عرفات بفعل هذه الضغوط الآميركية هل تعد هذه مقدمة لتعرض نظم عربية أخرى لمثل هذه الضغوط؟ وإذا ماتم تغيير عرفات وايجاد قيادة بديلة تقبل بتوقيع اتفاقات طبقا للمواصفات الأميركية الاسرائيلية، فهل ستسعى الولايات المتحدة واسرائيل الى تطبيق هذا السيناريو مع أطراف عربية أخرى لم تصل بعد الى تسوية مع اسرائيل؟ لا شك في أن مثل هذه التساؤلات تحمل العديد من المخاطر على المنطقة العربية، الا انها تقوم على أساس ثبات الأوضاع القائمة الآن على أرض الواقع، وهذا الافتراض ان كان ممكنا في الأمد القصير إلا انه غير ممكن في الأمد المتوسط والطويل، لأن عالم السياسة يتسم بالديناميكية والتغيير، ولا يمكن ان تخرج الأوضاع في المنطقة العربية عن هذا الاطار، فما هو قائم الآن لابد وان تتولد عنه متغيرات جديدة، الأرجح ان تكون مضادة للتصورات والافتراضات الأميركية والاسرائيلية، وخبرة الصراع العربي الاسرائيلي على مدى مايزيد عن نصف قرن تؤكد هذا. من ناحية أخرى فإن الأوضاع القائمة الآن تثمن من بديل اخر لادارة الصراع على المستوى العربي، وهو بديل المقاومة، فالخسائر التي قد تنجم عن التوصل الى تسوية للصراع وفقا للرؤى الأميركية والاسرائيلية تصل في كلفتها الى تكاليف بديل المقاومة، وفي ذات الوقت فانها لا توفر الأمن والاستقرار في المنطقة، خاصة وانها تحمل في طياتها، تحميل اطراف عربية اخرى بالتزامات تتعلق بالحفاظ على الأمن الاسرائيلي، ومن هنا تأتي أهمية اعادة التفكير في بديل المقاومة، وتطوير وسائله بمايتواءم مع الواقع الجديد، ومن ثم فالسؤال الآن هو كيف يكون بديل المقاومة فعالا ومؤثرا؟ بمعنى ماهي اشكاله ووسائله الملائمة لهذه المرحلة من مراحل الصراع؟ مع الاخذ في الاعتبار ان هذا البديل هو اداة لتحقيق هدف معين وهو أحداث قدر ملائم من التغيير في توازن القوى يساعد على أحداث أو تحقيق تسوية سلمية شاملة وعادلة للصراع تقوم على توازن المصالح. أو قد يكون الهدف هو الاتجاه الى حسم الصراع بما يحقق المصالح العربية من خلال استخدام أدوات القوة، وهو احتمال قد يبدو في دائرة الاحلام، في ظل المعطيات الراهنة، ولكن علينا أن نتذكر أن المواقف العظيمة في تاريخ الأمم قد بدأت بحلم صغير، فكم من أمم واجهت مثل هذه المواقف الصعبة، واستطاعت من خلال اعادة بناء قدراتها وتعبئة مواردها، واطلاق طاقاتها الكامنة، ان تعيد كتابة صفحات التاريخ من جديد. فهل تستطيع الأمة العربية اجتياز هذا الحاجز الصعب؟ اعتقد بأن لدى هذه الأمة الكثير من الامكانات والموارد والطاقات المعطلة والكامنة والمهدرة، والتي تستطيع من خلال الإرادة والإيمان الصلب بعدالة قضيتها والعزيمة والبصيرة أن تعيد بناء ذاتها، وان تحول هذه الطاقات الى أدوات للفعل والتأثير. فغدا سيشرق حتما فجر جديد! ـ كاتب مصري