في عام 1990 أصدرت الإدارة الأميركية قرارا باعتبار ياسر عرفات شخصا غير مرغوب فيه،ومنعته من دخول أراضيها ردا على وقوفه إلى جانب العراق في حرب الخليج.ولكن بعد ثلاث سنوات، كان ياسر عرفات ضيف الشرف في البيت الأبيض إحتفالا بالتوقيع على إتفاق أوسلو مع كل من إسحق رابين وشيمون بيريز برعاية الرئيس الأميركي نفسه. وقبل ذلك في عام 1982 أخرج ياسر عرفات بالقوة العسكرية من بيروت مع مجموعة كبيرة من المقاتلين الفلسطينيين، وابعد منفيا إلى تونس، ويومها اعتبر إخراجه بمثابة الفصل الأخير في سجل المقاومة الفلسطينية. ولكن في عام 1994 دخل عرفات غزة رافعا علامة النصر، ثم سرعان ما أعاد تشكيل فصائل المقاومة في الضفة الغربية والقطاع. اليوم يعتبر خطاب الرئيس جورج بوش الذي القاه في 24 يونيو الماضي في حديقة الزهور بالبيت الأبيض، بمثابة اغتيال سياسي لياسر عرفات، فهو لم يكتف بطلب تنحيته عن السلطة، ولكنه عمد إلى التشهير الشخصي به،وأعلن صراحة فك الإرتباط بين حل القضية الفلسطينية وبين أي دور لعرفات في صناعة هذا الحل، فكيف سيخرج الزعيم الفلسطيني من الإنتخابات التي دعا إلى إجرائها في يناير من عام 2003 المقبل؟ لقد تأكد بالفعل أن بوش ببيانه هذا قد تبنى جميع المواقف الإسرائيلية، وأكثر من هذا لقد أسلم القياد كله لإسرائيل، فهي الحكم والآمر الناهي، وجاء بيان بوش ممهورا بإمضاء شارون ومصادقته، فالرجل يتحدث بلسانه، ويعرض أفكاره، ويطرح ما سبق لشارون وأن طرحه من قبل، ويتصدر ذلك إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية من القاعدة إلى القمة، وما يعنيه ذلك من الإطاحة بعرفات وإبداله بقيادة جديدة قد تكون على غرار قيادة أنطوان لحد في لبنان.. قيادة موالية لإسرائيل تعمل كشرطي لها. رهان شارون أن بوش قد علق كل شئ على تغيير قيادة عرفات، فإذا لم يحدث تغيير وهو ما يراهن عليه شارون، فإن الأمور تظل كما هي وتترك الفرصة سانحة لإسرائيل، بصورة تتمكن معها من قضم الضفة الغربية كلية ليحصر الفلسطينيون في إطار «غزة وأريحا» أخيرا، بعد أن كانت في أعقاب أوسلو «غزة وأريحا»أولا. وكأن بوش «برؤيته» هذه، قد وضع شرطا قسريا على السلطة الفلسطينة والشعب الفلسطيني بضرورة تغيير قيادته ظنا منه أن يستطيع بأوامر عليا، تغيير القيادة، ونسى بندا رئيسيا في الديمقراطية مفاده أن الشعب وحده هو الذي يملك تغيير قيادته ولايمكن أن يأتي أمر التغيير من الباب العالي، حتى لو كان بوابة البيت الأبيض نفسه. وكذلك نسى بوش أن قضية الإصلاح التي مافتئ يرددها ويتحدث عنها كصدى لما يردده شارون، لن تكون قضية أميركية أو إسرئيلية، ولكنها قضية فلسطينية تتم بواسطة الفلسطينيين أنفسهم، دون تدخل خارجي من أحد لأنها في النهاية أمر يتعلق بهم وحدهم. كما أنه لا يمكن لبوش أن يفوض نفسه سلطة تغيير هذا الرئيس وخلع ذاك. فلم يحدث في التاريخ أن مررنا بإنسان مصاب «بالبارانويا» مثل بوش، الذي نصب من نفسه حاكما بأمره على دول العالم دون سابق إنذار، بحيث تطال يده كل الدول وكل الرؤساء، ما عدا إسرائيل وشارون،وما كان من الممكن لبوش أن يطرح تغيير القيادة الفلسطينية بهذه البساطة كشرط أساسي للتقدم في عملية السلام، لاسيما وأن عرفات هو الرئيس الفلسطيني المنتخب من قبل شعبه، ولا يمكن لأية قوة على الأرض أن تسلب من الشعب هذا الحق وتفرض عليه رئيسا أخر،ولكن يبدو أن بوش نسى نفسه وظن أن من حقه أن يفعل كل ما يحلو له. ولكن ها هي السياسة الرسمية العلنية الأميركية تشطب بجرة قلم إرادة الشعب الفلسطيني في إختيار أو إنتخاب ياسر عرفات قائدا ورئيسا للسلطة الوطنية، بشهادة نحو ثلاثمائة مراقب دولي بينهم أكثر من أربعين مراقبا أميركيا، تقدمهم الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، وشهد الجميع بأنها كانت إنتخابات ديمقراطية إلى حد كبير. فقد أصبح معلنا أن الإدارة الأميركية والكونغرس والاعلام، ومراكز صناعة القرار، وجماعات الضغط النافذة، تنادي بصوت واحد صارم وحاسم، بضرورة إزاحة الرئيس عرفات المنتخب من شعبه، بعيدا عن السلطة والإتيان برئيس جديد وقيادة جديدة. بل صادر المسئولون الأميركيون مستقبل الديمقراطية، حين أعلن الرئيس بوش ونائبه تشيني ومستشارته كونداليزا ريس، ثم وزير خارجتيه كولين باول، أنهم لن يعترفوا أو يتعاملوا في المستقبل مع عرفات، حتى لو أعاد الشعب الفلسطيني إنتخابه في الإنتخابات الموعودة والمطلوبة مع بداية العام المقبل. أي أن الشعب الفلسطيني لو إنتخب عرفات رئيسا من جديد، تحديا للسياسة الأميركية، ونكاية في إسرائيل، أو لإيمانه بأنه الأصلح لقيادته في المرحلة الجديدة، فإن الولايات المتحدة ـ أعنى إسرائيل أيضاـ لن تعترف بهذه الديمقراطية وبالتالي ستعمل ليس فقط على تجاهلها، بل على أجهاضها. حسنا.. ماذا تريد السياسية الأميركية بالضبط ؟ بداية هي تتهم القيادة الفلسطينية بالفساد والإرهاب معا، وتتهم عرفات ورجاله الأقربين بأنهم قمة الفساد ومخططو ومحرضو الإرهاب ضد إسرائيل المسالمة الوادعة !! وتتهم الجميع بأنهم لم يبذلوا الجهد الكافي ولم يؤدوا المهمة المطلوبة في قمع المنظمات الإرهابية التي تعتدي على الشعب الإسرائيلي المسالم في مدنه ومستوطناته.وبالتالي فإنهم غير جديرين بالتعاون والمساعدة أو التفاوض حول السلام من خلال رؤية بوش المتصهينة. شخصنة القضية وحين نمد الخط على إستقامته، فإن ما تطلبه الولايات المتحدة جريا وراء ما تصر عليه إسرائيل، هو فرض قيادة جديدة للشعب الفلسطيني غير عرفات وزمرته المتهمة، توافق على النظرة والسياسة الأميركية، وتقبل بالتالي الرؤية الإسرائيلية في السلام المفروض أو التسوية المرغوبة، بصرف النظر عن طموح الشعب الفلسطيني في التحرر والإستقلال،وفي حقه المشروع في مقاومة مستعمريه وغاصبيه،وفي التمتع بكل الحقوق السياسية والقانونية والاقتصادية والثقافية التي تتمتع بها كل شعوب الأرض، ناهيك طبعا عن حقه في ممارسة اختياره الحر في إنتخاب من يراه صالحا لقيادته بالطرق الديمقراطية. وهكذا تحولت القضية من «أزمة شعب» إلى مشكلة شخص، فلقد إستطاعت إسرائيل التأثير على الولايات المتحدة من منطلق أن التركيز على موضوع عرفات ربما يصرف النظر عن الاهتمام بعملية السلام أيضا، ذلك أن رؤية الرئيس الأميركي لم تشكل خريطة عمل، ولا توجد بها آليات تنفيذ أو مواعيد محددة أو محطة نهائية، فإسرائيل تواصل قصف وتدمير البنية الأساسية للفلسطينيين وتقتل وتصيب العشرات يوميا. وشيئا فشيئا تفقد السلطة الوطنية الفلسطينية نفوذها وسيطرتها أمام زحف القوات الإسرائيلية على مناطقها، مما يفتح الطريق أمام حال من الفراغ في القيادة يخشى أن يطول أمده. والوضع على الأرض الآن يؤكد أن هناك سلطة أسيرة مع وجود سلطة الإحتلال الإسرائيلي بجبروتها وقوتها العسكرية، وسلطة المقاومة السرية، وسلطة المعارضة الإسلامية، وبقية الفصائل الفلسطينية الرافضة لسياسة عرفات. وفي هذا السياق، فمن المؤكد أن حكومة شارون ستشل إجراء الإنتخابات التشريعية والرئاسية والبلدية الفلسطينية، سواء رشح عرفات نفسه أم لم يرشح، وسواء ساد الهدوء أم ظل الوضع مصطربا، فعندما وضع شارون إصلاح أوضاع السلطة وتغيير عرفات شرطا مسبقا لإستئناف العملية السياسية، وسايره في ذلك بوش، كان هدفه تعطيل المفاوضات وليس دمقرطة أوضاع السلطة الفلسطينية. وشارون يدرك تماما أن إجراء إنتخابات تشريعية يعني إنبعاث قيادة سياسية تمثل الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، تملك صلاحية رفض أية إتفاقات تتعارض مع مصلحة الناخبين، وقرارها يحظى بإحترام المجتمع الدولي، ويجد في الدول الديمقراطية من يدافع عنه، ويعرف شارون أن وجود مجلس تشريعي منتخب يعني تبلور مقومات قيام كيان سياسي فلسطيني موحد، وهذا يتعارض مع موقفه الأيديولوجي المعادي لتبلور شخصية موحدة للشعب الفلسطيني وتشكل كيانية فلسطينية متكاملة، ويدرك شارون أيضا أن أية إنتخابات تشريعية تجرى بعد ستة أشهر، ستفرز مجلسا تشريعيا يشبه في تركيبته، في الحد الأدنى، المجلس القائم إن لم يكن أكثر تصلبا وتشددا في التعامل مع توجهاته القائمة على نهب الأرض وإستيطانها وتدميره مقومات قيام دولة مستقلة. وبشأن إنتخابات الرئاسة ، بديهي القول إن دعوة شارون لتغيير ياسر عرفات لا تعني بقبوله التعامل معه في حال فوزه في إنتخابات حرة وديمقراطية، ولكن المأزق الذي وضع شارون وبوش نفسيهما فيه إنهما لا يستطعان منع عرفات من ترشيح نفسه لإنتخابات رئاسية جديدة. وبصرف النظر عن دوافع الموقف الإسرائيلي ـ الأميركي الأخير من عرفات، فإنه أعاد له جزءا كبيرا من شعبيته التي كان قد فقدها بعد إتفاق فك الحصار عن مقاطعة رام الله وكنيسة المهد أواخر شهر أبريل الماضي، وتؤكد جميع الإستطلاعات أنه سيحصل على أعلى نسبة من الأصوات ، تفوق النسبة التي حصل عليها في إنتخابات عام 1996. ارباك وارتباك وتخطئ الإدارة الأميركية وشارون إذا تصوروا أن قيادة فلسطينية بديلة قد تكون أكثر مرونة من ياسر عرفات فيما يتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل،وأكثر تشددا منه فيما يتعلق بالتعامل مع الإنتفاضة. أن دعوة بوش وشارون لتغيير عرفات ستحقق العكس تماما، وستدفع الفلسطينيين نحو الإلتفاف من جديد حوله، خصوصا أنهم يدركون مدى الكراهية التي يكنها بوش له،ورفض إستقباله طوال سنة ونصف السنة أو حتى مصافحته عندما قابلة وجها لوجه في الأمم المتحدة. ونحسب أن السياسة الأميركية الحالية تجاه القضية الفلسطينية خصوصا، هي سياسة مرتبكة تعبر عن افكار مرتبكة، وبالتالي فهي مربكة للمنطقة كلها التي تعيش الآن أخطر مراحلها، وهي مرحلة ما قبل الإنفجار الشامل، أن الانحياز الأميركي الأعمى لإسرائيل،وإطلاق واشنطن يد شارون في تصفية الأوضاع الفلسطينية، بكل هذا القتل والتدمير والمهانة والإذلال، لن يجلب السلام والأمن الذي تحلم به إسرائيل، ولن يحقق التسوية التي تتطلع إليها الولايات المتحدة ، بل أنه يدفع المنطقة كلها إلى بركان متفجر لا تدرك هي ولا نعرف نحن أو غيرنا حجم الحمم النارية التي سيقذفها في وجه الجميع. كذلك فإن إصرار الرئيس بوش وأركان حكمه على إقصاء الرئيس الفلسطيني المنتخب ديمقراطيا، إستجابة للمطالب الإسرائيلية، وإستخراج «عميل» فلسطيني من رحم «إصلاح ديمقراطي» تفرضه الولايات المتحدة على الفلسطينيين، لن يخلف سوى الفوضى والإرتباك، ولن ينتج حكما ديمقراطيا حقيقيا لا في فلسطين، ولا في أي دولة عربية أخرى، مادام هو مفروضا من الخارج. بل الخطورة أن مثل هذه السياسات الأميركية قصيرة النظر، سوف تساعد في تهيئة المناخ العام بالمنطقة، بدرجة أكثر، أمام تصاعد العنف والتطرف،وإندلاع موجهات التشدد والغلو والكراهية والتعصب، ليس فقط ضد إسرائيل باعتبارها العدو المباشر والوحش الرابض على الأبواب، أو حتى دعوة الإصلاح الديمقراطي، الذي تتشوق إليه الشعوب العربية وتعمل من أجله، لكنها سترفضه إن جاء مفروضا من الولايات المتحدة بالقهر والغضب. وفي يناير المقبل عندما يجدد الفلسطينيون البيعة لزعيمهم عرفات، أو لزعيم أخر، لا يكون عميلا حسب المواصفات الإسرائيلية ـ الأميركية، فإن الولايات المتحدة سوف تعتبر نفسها في حل من أي التزام لتسوية القضية الفلسطينية، الأمر الذي يعني منح الجنرال شارون ضوءا أخضر لمواصلة احتلال الاراضي الفلسطينية وتشديد قبضته العسكرية عليها، وسوف يسفر ذلك عن أمر وحيد، هو تصعيد عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الإحتلال. وعليه فلا مفر ولا نجاة أن لم نحط الإنتفاضة بقلوبنا ودعمنا، والتوقف نهائيا عن سحب الشرعية الدينية والسياسية عن العمليات الاستشهادية إستجابة للضغوط الأميركية، كونهما يمثلان خط الدفاع الأمامي عن الأمن القومي وآلية الشعب الفلسطيني الوحيدة والمضمونة لإنجاز حريته ودولته المستقلة. ـ كاتب مصري