الملف السياسي: يواجه رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ضغوطاً خارجية وداخلية، وضعته في دوائر سياسية وأمنية شبه مغلقة، حيث ينتظر عدد من القيادات الشابة رحيله ، عن السلطة، خاصة قيادات الانتفاضة الاولى والثانية، ولبعضهم رؤية مفادها ان الوقت قد حان لقيادة جديدة، وغيرهم يعتقد بأحقيته في قيادة المسيرة الفلسطينية، اما الاسلاميون فهم على فهم بأن الكفاح المسلح من منطلق العقيدة الاسلامية بالجهاد هو الطريق الوحيد المتبقي امامهم لكبح جماح العدو الاسرائيلي، ووقف اعتداءاته، واعادة كرامة المواطن الفلسطيني، ومن ناحية لا تقل اهمية عن الرؤى السابقة ارادتهم في اعادة مفاوضات السلام بأسلوب جبري وليس طوعيا، حتى تمنع الحكومة الشارونية المتطرفة من فرض شروط جديدة ومستمرة على الشعب الفلسطيني، اما الجانب الآخر فهو يعاني من الضغوط الاسراميركية التي تطالبه علنا بالرحيل، تحت مسميات مختلفة اشهرها التعديل والاصلاح الاداري السياسي. «الملف» حاور برام فوس خبير شئون نظم الحكم في الشرق الاوسط حول وضعية الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وما يلازمها من ملابسات: «تفصيل» الحكومات ـ كيف دخل عرفات الدائرة العنكبوتية التي افقدته القدرة على ارضاء اطراف كثيرة؟ ـ دخوله هذه الدائرة كان وما زال بمثابة اللعب بالورقة الاخيرة، لعلها تكون رابحة بالنسبة له شخصياً، ومن جهة اخرى تفيد في وقف اعتداءات الجيش الاسرائيلي. ولقد سعى شارون لاستغلال خلافات وجهات النظر داخل القيادات الفلسطينية حول كيفية التعامل مع الاعتداءات الاسرائيلية سياسياً، لاقناع الجبهة الداخلية الاسرائيلية بوجود مخططات بعيدة المدى لديه، منها ازاحة رئيس السلطة الفلسطينية «عرفات»، بزعم انه العقبة التي تقف امامه في سبيل تحقيق الامن والسلام، وهو الامر الذي نجح في اقناع الرئيس الاميركي «بوش» بمدى ضرورته، مما جعله يقف نيابة عنه مطالباً باجراء اصلاحات داخل السلطة. وقد استجاب عرفات لنداءات واشنطن واتخذ بالفعل عدة خطوات في هذا الاتجاه، اعتقاداً منه ان بوش سيقف الى جانبه، وهو استنتاج لم يكن موفقاً في حينه، واعتقد بأنه لن تكون له ثمار سياسية مستقبلاً، كما ان عرفات وضع نفسه داخل كماشة، فما ان خرج من حصار رام الله الا ليدخل في مأزق جديد من صناعة شارون ينفذه الرئيس بوش. وباستثناء ضغوط اميركا يؤكد الواقع ان المطالبة بالاصلاح والتغيير داخل السلطة الفلسطينية ليس بجديد، فالصدام بين العجائز والشباب بدأ في وقت مبكر في الشارع الفلسطيني، بعد عودة قيادات منظمة التحرير الفلسطينية من تونس، حيث ان قيادات الانتفاضة بالداخل لهم وجهة نظر بانهم احق من عرفات ومجموعته بقيادة السلطة الفلسطينية، او على اقل تقدير المشاركة بأعداد معقولة، وهو الامر الذي اهملته مجموعة عرفات لوقت طويل. ـ هل تغيير القيادات الفلسطينية بضغوط خارجية سيفتح المجال لتغيير انظمة اخرى بالمنطقة؟ ـ انها ليست المرة الأولى لظاهرة الضغوط الخارجية، حيث نجح الغرب في الماضي باجهاض نجاح جبهة الانقاذ الاسلامية في انتخابات حرة بالجزائر. فحتى لو تنحى الرئيس عرفات عن رئاسة السلطة الفلسطينية، واجريت انتخابات فلسطينية محلية حرة ونزيهة، تحت اشراف اللجنة الدولية التي اعلن عنها صائب عريقات «المكونة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الامريكية وكندا واليابان والنرويج»، وشاركت فيها كافة الفصائل، ونجحت التوجهات الاسلامية في الفوز بالانتخابات، هل ستقبل اسرائيل، وهل سترضى من ورائها اميركا بالنتيجة والتغيير؟... لا اعتقد ذلك. ـ اذن ماذا تريد اسرائيل؟ ـ اضافة لما ذكرته اقول بان اسرائيل وشارون بالتحديد يلعب بورقة الوقت، وهو يريد حكومة فلسطينية «تفصيل» ترضى بكل ما يرفضه عرفات، وهذا وهم من ضرب الخيال السياسي، لن يستطيع شارون تحقيقه ولا اي حكومة اسرائيلية اخرى، حتى لو حكم اسرائيل حزب الليكود وحده وانفرد بالقرار. تعدد البدلاء ـ هل يوجد بديل لعرفات؟ ومن يحدده: الانتخابات الديمقراطية ام مواقف تل ابيب وواشنطن؟ ـ كل من يتابع الساحة الفلسطينية يعرف بان طريق الوصول لانتخابات ديمقراطية محفوف بالمشاكل الداخلية والمخاطر، فقد طالبت كل من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية الحكومة بعمل برنامج اصلاحي كامل كشرط اسياسي للمشاركة في الحكومة الفلسطينية الجديدة. والجبهتان لهما هدف واضح باشراك الاسلاميين، اضافة لطلب ضمانات لأن تشارك كافة الاطراف الفلسطينية على الصعيد الوطني، وعرفات لا يستطيع تنفيذ هذه المطالب، اضافة الى انه يواجه مطالب من انصار حزب الله وحماس وغيرهما. اما عن الشق الأول من سؤالك فان بدلاء عرفات كثيرون، وعلى قدر كبير من الكفاءة السياسية والامنية. ـ هل تعدد البدلاء مؤشر صحي ام تصدع في حائط الجبهة الداخلية وتماسك السلطة الفلسطينية؟ ـ بالطبع تعدد البدلاء ظاهرة صحية، وجهها الآخر هو الديمقراطية وعدم اعطاء الفرصة للانفراد بالسلطة، وفي هذا الاطار اوضح بان جدران الجبهة الداخلية الفلسطينية قوية جدا على المستوى الشعبي، وذلك ليس بفضل تماسك السلطة الفلسطينية، وانما الآلام والضحايا والمعاناة في الشارع الفلسطيني، جراء الاعتداءات الاسرائيلية على شعب باكمله، اما السلطة فهي ليست متماسكة بمعنى التماسك، لكنها تعيش مرحلة من الترابط النسبي المؤقت، فرضته الاوضاع والصراع الدائر. ـ وماذا عن الموقف العربي.. هل هو يدعم رحيل عرفات أم بقاءه؟ ـ وفقا لما هو متوافر لدينا من معلومات، وردت في تقارير دبلوماسية من سفارات دول الاتحاد الأوروبي في المنطقة العربية، توجد آراء متباينة ومواقف مختلفة لحكومات عربية، واسمح لي ألا اذكر دولا بعينها، لكن توجد دول تعلن عبر القنوات الدبلوماسية موقفا يقول: اذا كان عرفات هو العقبة في سبيل تحقيق السلام فرحيله مطلوب، لكن ذات الدول تطالب بضمانات سياسية لاتريد اسرائيل ولا امريكا تقديمها، ودول اخرى ترفض نهائيا فرض ضغوط خارجية لرحيل عرفات، وثالثة تقول اتركوا الشعب الفلسطيني يتصرف بارادته، وتجرى انتخابات تشريعية بضمانات ومراقبة دولية. وللاسف الشديد تباين وجهات النظر هذه يفيد اسرائيل في كسبها لعنصر الوقت، وتستغله لمصلحتها لتأكيد الانشقاق العربي، وزيادة رقعة اتساعه ان تمكنت من ذلك. اختراق مكلف ـ اذا كانت اسرائيل تعلن دائما انها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وتعلن اميركا استعدادها لخوض حروب عسكرية لحماية الديمقراطية في العالم، فهل يحق لغير الشعب الفلسطيني تغيير عرفات او اي قيادة اخرى؟ ـ من الناحية النظرية لا يحق لغير اي شعب ان يتدخل حتى في الشئون الداخلية السياسية لدولة او نظام حكم ذاتي على شاكلة السلطة الفلسطينية، لكن الواقع مختلف بالنسبة للفلسطينيين، فالشعب كله في حقيقة الامر محاصر، وليس له موارد اقتصادية مستقلة، فهو مرتبط باسرائيل ولا احد يستطيع انكار ذلك، الامر الثاني باميركا، وثالثا المساعدات من الدول العربية والأوروبية والمنظمات العالمية، وهذه هي بعض من اسباب خصوصية الوضع الفلسطيني، وطبعا لا ننسى اخطرها وهي حالة الصدام والصراع، فاسرائيل تستخدم السلاح ضد المدنيين الفلسطينيين، والجماعات الاسلامية تلقي بشباب ينفذ اعمالاً «استشهادية» داخل اسرائيل. اذن فهذا الوضع المرتبك، وعدم توافر قوام الدولة ونظام الحكم السياسي المقبول من معظم الاطراف، يعطي الفرصة للضغوط الاميركية والاسرائيلية، ويفتح المجالات للصراع على الحكم في الاراضي الفلسطينية. ـ لكن لماذا لا تترك اميركا الشعب يقرر من يختار وكيف يختار واسلوب التغيير؟ ـ هناك مسألة اخرى ليست بالجديدة، التعاون الامني الذي اتفقت عليه وقبلته السلطة الفلسطينية مع جهاز الاستخبارات الاميركية الـ «سي آي ايه» فتح بعض مجالات الاختراق، وهذا التعاون يعتمد عليه عرفات املا في كسب الود الاميركي السياسي، وهو خطأ وتقدير لم يكن صائبا. فاميركا بوضعها الحالي لن تكون شريكا منصفا للفلسطينيين، وبعد احداث سبتمبر وسيطرة الهاجس الاسلامي على عقول وادارة واشنطن السياسية، واقناع شارون لبوش بان الاسلاميين مصدر الخطر الحقيقي على اسرائيل، فلن تترك اميركا الشعب الفلسطيني يختار، وان كان ذلك يتنافى مع اصول وقواعد الديمقراطية، لان الفكرة الآن هي ان الشارع الفلسطيني تحت سيطرة بل ونفوذ الاسلاميين «بغض النظر عن مصداقية ذلك من عدمه».