لم تكن مخططات اختلاق قيادة فلسطينية بديلة جديدة على الإدارتين الإسرائيلية والأميركية، فمحاولات فبركة قيادة للفلسطينيين، تتعامل مع الاحتلال وتوافق على الاملاءات الإسرائيلية، بدأت بالبروز منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، في العام 1967، وبلغت أوجها مع تعزز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية عربيا ودوليا، منذ مطلع السبعينيات، وهو ما دفع سلطات الاحتلال إلى خلق ما سمي في حينه روابط القرى التي سرعان ما فشلت وتآكلت بسبب رفض الفلسطينيين لها. ومع التحضيرات لمؤتمر مدريد، الذي عقد في أواخر العام 1991، رفضت الإدارتان الأميركية والإسرائيلية مشاركة وفد يمثل منظمة التحرير الفلسطينية فيه مستعيضتين عن ذلك بوفد، ملحق بالوفد الأردني، ضم شخصيات من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ظنا بأن ذلك يمكن أن يساهم ببلورة قيادة بديلة عن قيادة المنظمة. ولكن هذه الخطوة لم تنجح، أيضا، بسبب تمسك الوفد الفلسطيني، إلى مؤتمر مدريد والذي ترأسه د. حيدر عبد الشافي، بمرجعية المنظمة كقيادة للشعب الفلسطيني. وبالطبع فإن قيادة المنظمة لم تستسلم لهذه المحاولات التي تستهدف عزلها، فعمدت إلى فتح مسار تفاوضي سري مع الإسرائيليين، بقيادة حزب العمل، كان من نتيجته توقيع اتفاق أوسلو (سبتمبر 1993) للتسوية الانتقالية بين المنظمة وإسرائيل. ولكن وبعد انتهاء المرحلة الانتقالية وبدء التفاوض على قضايا الحل النهائي، في العام 2000، ازدادت الخلافات بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية، التي باتت تقود المنظمة والسلطة في آن معا، بسبب تملص إسرائيل من الاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية، وبخاصة في قضيتي وقف الاستيطان وإعادة الانتشار، رغبة منها في استخدام هاتين القضيتين للضغط على الفلسطينيين في مفاوضات الحل النهائي. الإبعاد المتدرج على ذلك لا يمكن التعامل مع الدعوات الأميركية والإسرائيلية، لتغيير القيادة الفلسطينية باعتبارها وليدة لحظة سياسية راهنة ناتجة عن وقوف القيادة الفلسطينية وراء الانتفاضة أو المقاومة، فهذه القيادة قدمت كل ما عندها لعملية التسوية، بموافقتها على مبدأ دولتين لشعبين، ما يعني بأن المطلوب أكثر من ذلك بكثير، أي أن المطلوب قيادة توافق على الإملاءات الإسرائيلية في قضايا الحل النهائي التي تشمل مصير: القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية؛ وهو ما تم فضحه في مفاوضات كامب ديفيد التي جرت بين الإسرائيليين والفلسطينيين، في يوليو/2000، برعاية الرئيس كلينتون (آنذاك)، وهو تاريخ بدء المحاولات الحالية لعزل القيادة الفلسطينية وتغييرها. وكما بات معروفا، الآن، فقد كانت مفاوضات كامب ديفيد، في صيف العام 2000، بمثابة مكيدة من ايهود باراك حاول فيها استدراج الفلسطينيين لموقف رافض لمقترحات إسرائيلية، شفوية وغير مكتملة، ما كانت نتيجته تحميل القيادة الفلسطينية برئاسة عرفات مسئولية انهيار هذه المفاوضات وفشل مفاوضات طابا(مطلع العام 2001) ورفض مقترحات كلينتون للسلام. وقد استطاعت إسرائيل ترويج هذه الأكذوبة بسبب الحملة السياسية والإعلامية التي شنتها، بدعم من الإدارة الأميركية، وأيضا بسبب تخبط القيادة الفلسطينية وطريقة عملها. والأنكى من ذلك أن إسرائيل، ممثلة بحزب العمل وبعض اليسار الإسرائيلي، حمّلت عرفات ليس فقط مسئولية رفض ما سمته مقترحات باراك «السخية» وإنما أيضا مسئولية اندلاع الانتفاضة ونجاح شارون في الانتخابات! وشنت هذه الأوساط حملة روجت لعدم أهلية عرفات لعقد تسوية نهائية مع إسرائيل وأنه لا يفي بتعهداته! كونه ملتزماً بتاريخه الكفاحي وبرمزيته بالنسبة لقضية الفلسطينيين، وأنه لذلك لم يعد شريكا في عملية التسوية، ما يستدعي السعي لإيجاد قيادة فلسطينية بديلة، متحررة من اعتبارات القيادة الحالية التاريخية والرمزية والمبدئية. وفي الواقع فقد تدرج الموقف الإسرائيلي ضد ياسر عرفات بدءا من التشكيك بصدقية انتهاجه طريق التسوية، مرورا باتهامه بأنه يقف وراء الانتفاضة، وصولا إلى الادعاء بأنه متورط مباشرة بدعم المقاومة. أيضا تدرجت، الحرب الإسرائيلية ضد عرفات، ففي البداية حاولت إسرائيل، في ظل باراك، فرض الضغوط عليه عسكريا واقتصاديا وسياسيا، بدعوى أنه فقد السيطرة على الشارع وعلى حركة «فتح» التي يقودها، حينا، وبدعوى أنه يقف وراء كل شيء، حينا آخر، مستنتجة أنه يجب التحاور مع القادة الميدانيين للانتفاضة، في ابتزاز واضح لعرفات. وفي مرحلة ثانية (في ظل شارون) رفضت إسرائيل أي تفاوض مع عرفات، في ظل إطلاق النار، بدعوى أنه لم يعد ذا صلة، ثم تطور هذا الموقف إلى اعتباره لم يعد شريكا لإسرائيل في التسوية، وبعد أحداث سبتمبر 2001، في أميركا، وتصاعد العمليات الاستشهادية ضد الإسرائيليين، وجدت إسرائيل الفرصة سانحة لها لدمج الحرب الأميركية ضد الإرهاب بحربها ضد المقاومة الفلسطينية بهدف تقويض كيانهم الناشئ نهائيا، ولذلك أعلنت عرفات «إرهابيا» ينبغي «شطبه» بأي شكل، كما اعتبرت سلطته داعمة لإرهاب، مثل نظام طالبان، ينبغي تقويضها. ومن أوجه عديدة فقد سهلت مناخات الحرب ضد الإرهاب مهمة شارون، هذه، مستغلا، أيضا، تصاعد العمليات الاستشهادية ضد المدنيين الإسرائيليين في مناطق 48، وهو ما شجعه على شن حملة تدميرية واسعة في ديسمبر، من العام الماضي، ضد مؤسسات السلطة الفلسطينية والمناطق التي تسيطر عليها. وقد توج شارون حملته هذه، برضى أميركي، بهجمة «السور الواقي» التي شنها، في أواخر مارس الماضي، بهدف معاودة احتلال مناطق السلطة والبقاء فيها وشطب المؤسسات الفلسطينية وعزل الرئيس عرفات في مقره في رام الله، وهو الأمر المستمر حتى هذه اللحظة (الاحتلال والحصار). ديمقراطية .. بالاكراه! ولكن حملة تغيير عرفات، والقيادة الفلسطينية، بلغت أوجها وبعدها الدولي والإقليمي بعد خطاب الرئيس الأميركي، عن الشرق الأوسط، والذي ألقاه في أواخر الشهر الماضي، والذي ركز فيه على عدم التعامل مع الرئيس عرفات وعلى ضرورة تغيير القيادة الفلسطينية واصلاح مؤسسات السلطة على أسس ديمقراطية وقانونية، لتخليص الفلسطينيين، بحسب ادعائه، من الإرهاب والفساد! والمشكلة أن بوش يناقض نفسه فعند سؤاله، من قبل أحد الصحفيين، عن الموقف الأميركي في حال انتخب الفلسطينيون مجددا عرفات رئيسا لهم، أجاب بكل وقاحة أنه لا يريد من الفلسطينيين انتخاب عرفات في لغة ملؤها الغطرسة والإملاء، وبلغ به الأمر حد التهديد بالتدخل عسكريا(لا ديمقراطيا) لفرض «الإصلاح» على الشعب الفلسطيني، الذي باتت قضيته في عرف بوش ليست قضية استيطان واحتلال وعدوان، من قبل إسرائيل، وإنما قضية تأهيل ثقافي وقانوني، حتى يخلصه من الإرهاب والفساد! ولكن الجديد في خطاب بوش ما أوحى بأنه بمثابة توجه أميركي لفرض نوع من الوصاية الدولية على الفلسطينيين، بقيادة من الولايات المتحدة الأميركية، بحيث تفيد التسريبات السياسية والإعلامية بأن الخطة المعدة تفترض نوعاً من إدارة دولية بقيادة أميركية تشارك فيها أوروبا(لترتيب الإصلاحات الإدارية والقانونية وبناء المؤسسات) إلى جانب روسيا والأمم المتحدة، أي ما بات يعرف باللجنة الرباعية، مع مشاركة ثلاثية عربية، تتمثل بالسعودية ومصر والأردن بحيث تتولى مصر والأردن ترتيب ما يسمى بالإصلاحات الأمنية، والسعودية ترتيب التغطية الاقتصادية والسياسية. على أية حال فقد تعمدت الإدارة الأميركية، في كل المراحل الضغط على إسرائيل من أجل عدم المس بعرفات شخصيا، لمعرفتها بمخاطر ذلك وبعدم جدواه وبسلبيات الفراغ الذي سيولده، تاركة إياها للضغط عليه بمختلف وسائل الحصار والعزل: السياسي والأمني والنفسي والمالي، لعل هذا الضغط يضعفه فيخضعه للاملاءات الأميركية والإسرائيلية، بالتالي، أو يضعفه فيشل نفوذه في الساحة الفلسطينية، وأيضا لعل الزمن يفعل فعله. وبحسب اليكس فيشمان فإن «بقاء الجيش في المناطق لفترة زمنية حتى نصف سنة، بمثابة دفيئة لسقوط الثمرة من الشجرة. فهذا هو الزمن المطلوب، حسب أجهزة الأمن لاختفاء عرفات، كشخصية سياسية ذات تأثير». يديعوت أحرونوت 12/7. عموما فقد ناقش الإسرائيليون، منذ وقت مبكر، مسألة التخلص من عرفات، وقد كشف بن كسفيت، مثلا، في تقرير نشره في صحيفة معاريف يوم 6/7/2001، عن وثيقة أعدها جهاز الأمن العام أواخر العام 2000 وقدمها لأرييل شارون رئيس الحكومة الإسرائيلية. وتخلص هذه الوثيقة الى استنتاج مفاده بأن عرفات هو الخطر الأشد على أمن الدولة، حيث ان أضرار اختفائه أقل من اضرار وجوده.. وتطرح هذه الوثيقة سؤال: «هل عرفات هو عامل مساعد لحل النزاع التاريخي بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، أم أنه يشكل حاجزا أمام إحراز هذا الحل؟». والجواب على «لماذا عرفات مرغوب به؟ يتضمن خمسة ادعاءات مركزية: عرفات اعترف بإسرائيل وبدأ معها مفاوضات وملزم بالمسيرة السلمية ويشكل المرجعية العليا وسط الفلسطينيين، وهو الوحيد القادر على اتخاذ القرارات الصعبة، وبدونه ستسود الفوضى وسيزداد الإرهاب. أما الجواب على «لماذا غير مرغوب به؟» فيتضمن 17 سببا جيدا، أهمها: «عرفات زعيم خطير.. يقود الساحة الى شفا حرب بين إسرائيل ودول عربية..يهدد بانهيار الذخر الاستراتيجي الأهم لإسرائيل ألا وهو السلام مع مصر والأردن.. يعرض استقرار الأنظمة المجاورة للخطر.. يواصل رؤية العنف والإرهاب كأداة شرعية.. لم يستوعب حقا الاعتراف بدولة إسرائيل.. ليس لديه رغبة أو قدرة على تقديم تنازلات في مواضيع مركزية، لم يتنازل أبدا عن القدس وعن حق العودة وعلى المدى البعيد عن كل فلسطين.. عرفات ينجح في لعب لعبة مزدوجة، واقناع العالم بصدق نواياه.. يعزز عداء عرب إسرائيل تجاه دولة إسرائيل.. عرفات ما زال مقاتلا وسيتخذ قرارات غير عقلانية.. يريد ان يظهر كأب للشعب الفلسطيني.. انه زعيم غير صادق وخائن، كذاب عضال، فنان في الإعلام والدعاية ينجح في تحويل كل هزيمة إلى انتصار إعلامي وكسب التأييد العالمي». وبالنسبة لتحليل وضع ما بعد عرفات فبحسب الوثيقة: «سينشب صراع داخلي على السيطرة. وسينشغل الفلسطينيون لفترة طويلة مع أنفسهم، من المتوقع ان تضعف مكانة القيادة الفلسطينية في العالم جدا، والزعيم الجديد سيرتبط بدعم زعماء عرب وبعض قادة العالم، والقيادة الجديدة ستكون اكثر براغماتية ومنفتحة اكثر نحو الحلول. وخطر حرب أهلية فلسطينية سيزداد، ودعم العالم للفلسطينيين سيضعف، وكذلك تأثيرهم على عرب إسرائيل». صورة مقلوبة ويؤكد هذا الموقف من عرفات العديد من المحللين الإسرائيليين، ومن ضمنهم غيء ياخور وزئيف شيف، ومناحم بن، وسيفر بلوتسكر، الذين يتفقون مع ماكتبه أوري سمحوني، في معاريف،3/8/2001، حيث اعتبر أن «ياسر عرفات هو الخطر الاستراتيجي الاكبر على دولة إسرائيل..استمرار وجوده يجعلنا نفقد ثلاثة إنجازات استراتيجية هامة لإسرائيل: اتفاقيات السلام مع مصر والأردن ودعم الولايات المتحدة. انه يتآمر علينا، يدفع من الأطراف ويلقي العون من الداخل، يضرب من الأعلى والبيت آخذ بالتصدع. عرفات يقاتلنا بنجاح في ملعبنا الداخلي، ويناور على الرأي العام بواسطة الإعلام الإسرائيلي..من خلال رسائل متناقضة، يتحدث معنا عن السلام ومع رجاله عن عمليات.. انه يتغلب علينا وسط الرأي العام العالمي..ومن أجل عدم الوقوع في خطأ نقول انه إذا بقي عرفات في المحيط لوقت كاف فان القتل سيصل الى كل واحد في بيته..لقد عاش عرفات أربع حكومات إسرائيلية.. انه يأكلهم بدون ملح ويؤثر على اجندة دولة إسرائيل اكثر من أي رئيس حكومة. كم من الوقت مستعدون لان يستمر هذا الوضع وهذا الاتجاه»؟ في الختام ينبغي التأكيد بأن الادعاءات الإسرائيلية والأميركية ما هي إلا جزء من الحرب النفسية والسياسية التي تشن ضد الشعب الفلسطيني وضد قيادته بهدف إرباكهما وإخضاعهما وفرض الاملاءات عليهما، كما أن هذه الادعاءات تأتي لابتزاز الأنظمة العربية ودفعها إلى المزيد من التنازلات، أمام أميركا وإسرائيل؛ وفي الحقيقة فإن ما ينبغي تغييره، أصلا، هو القيادة الإسرائيلية ذاتها، بزعامة شارون، التي ترفض عملية التسوية من أساسها، والتي عملت طويلا على التملص منها وتقويضها. وعلى أية حال فإن التحديات الراهنة تفترض من مجمل القوى الفلسطينية، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، توحيد جهودها ومواقفها لتفويت هذه الاستهدافات وإفشالها، كما يفترض ذلك من القيادة الفلسطينية، ومن الرئيس عرفات تحديدا، المبادرة إلى عملية إجراء مراجعة حساب للذات ونقد التجربة الماضية واستنتاج العبر المناسبة منها للشروع في بناء البيت الفلسطيني على أسس وطنية مؤسسية وديمقراطية سليمة، تتجاوب مع حاجات الشعب الفلسطيني وتتناسب مع إمكانياته ومع تضحياته. ـ كاتب فلسطيني