الملف السياسي:: طرحت دعوة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن إلى تغيير القيادة الفلسطينية واستبدالها بقيادة جديدة، الكثير من الاشكاليات والتحديات، ليس بخصوص مستقبل الرئيس الفلسطيني المنتخب وفرض الوصاية الجبرية على ارادة الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما بالنسبة لمستقبل المنطقة العربية كلها، بل ولكثير من مناطق العالم الأخرى التي قد تجد أميركا ان مصالحها فيها تتطلب استبدال القيادة، ولو قسراً. فقد بدت دعوة الرئيس بوش أشبه بإعلان عن أجندة أميركية جديدة للتعامل مع القضايا الدولية الساخنة، من خلال فرض «ملابس جاهزة» وفقا لقياسات المصالح الاميركية بغض النظر عن واقع ومتطلبات البلدان أو الشعوب المعنية. فأميركا لا تكتفي ـ مثلاً ـ بالدعوة لاسقاط الرئيس العراقي، بل تعمل جاهدة وعلنا على تحقيق ذلك وبالقوة العسكرية، وفي فنزويلا جاءت المحاولة الانقلابية على الرئيس المنتخب شافيز باعداد ومساندة أميركا التي سارعت إلى الاعتراف بالحكومة الانقلابية، رغم ان عمر هذه الحكومة لم يتجاوز أربعا وعشرين ساعة، وكانت الولايات المتحدة البلد الوحيد الذي اعترف بها! وأميركا نفسها هي التي فرضت قيادة جديدة في أفغانستان بعد انهيار حكومة طالبان، فضلاً عن السوابق التاريخية الكثيرة في تغيير الحكومات واستبدال القيادات في مختلف البلدان اللاتينية والافريقية وغيرها، بمختلف الوسائل والاساليب العلنية وغير المكشوفة! وتصر أميركا دون غيرها من دول العالم على اصدار شهادات «حسن سيرة وسلوك» للدول الأخرى، من خلال قائمة سنوية، فتضع هذه الدولة في قائمة «المساندين للارهاب» وتلك ضمن «محور الشر» وهكذا، دون ان تحدد مفهوماً واضحاً للارهاب، أو معنى محدداً للشر ومحوره! وتتحدث أميركا باستمرار عن أسلحة الدمار الشامل والدول الساعية لامتلاكها في بلدان العالم الثالث، مؤكدة على ضرورة منع تلك الدول من تحقيق اهدافها باعتبارها تمثل تهديداً لأمن العالم واستقراره. ولكن إذا كانت مثل هذه الأسلحة تهدد بدمار مادي يتطلب منع انتشارها، أفلا يكون التدمير المعنوي والسياسي الشامل سلاحا آخر تجب محاربته ومنع استخدامه ضد الدول الضعيفة والشعوب المقهورة وضد رغباتها وارادتها؟! ان «الدمار الشامل» بمختلف اشكاله ووسائله، ينبغي ان يكون خاضعا لنفس المعايير والمنطق، وإلا فإن البديل سيكون مزيدا من الاختلال والاضطرابات في العلاقات الدولية، ودعوة مفتوحة الى سيادة منطق القوة وحده وبالتالي وضع الامن والسلام العالميين أمام تهديد اشد وأخطر من اي تهديد آخر. ومن هذا المنطلق فإن السياسة الاميركية الجديدة، القائمة على «تفصيل» القيادات وفق رغباتها ومصالحها، وتدمير قيادات قائمة، سياسيا او معنويا او بالقوة العسكرية، هي التهديد الاخطر لأمن العالم واستقراره. وبالتالي فإن تلك السياسة يجب النظر اليها ومواجهتها على هذا الأساس، وليس من خلال ما تلحقه ببلد معين او منطقة دون غيرها