توقفت اجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي خلال الفترة من سبتمبر 69 وحتى أوائل فبراير 1970 بسبب مرض الرئيس، لكن ذلك لم يمنعه من متابعة التطورات السياسية الخاصة بالصراع العربي ـ الصهيوني، وتوقيع اتفاقيات عدة للتسليح، خاصة في مجال الصواريخ. وأوضحت الحلقات الماضية الخطوط الرئيسية لعلاقات مصر مع الدولتين العظميين في ذلك الوقت، روسيا التي ترتبط بعلاقة صداقة وتعاون مع مصر لكنها لا تصل الى أبعد من ذلك، فلا وجود لاتفاقية دفاع مشترك، كما يردد البعض، ولا وجود لنفوذ روسي من أي نوع، فالسلطة المصرية مستقلة في كل شيء ولا تسمح لأي كان بالتدخل في شئونها. أما الولايات المتحدة فليست هناك رغبة في معاداتها لكن مواقفها تجبر النظام المصري على رفض اعادة العلاقات معها والشرط المصري الوحيد هو أن تتغير سياسة واشنطن باتجاه موقف أكثر توازناً تطالب واشنطن بمقتضاه اسرائيل بالانسحاب الى خطوط 4 يونيو. وبعد أن ذهب جونسون وجاء نيكسون أرسل الأخير رسالة الى ناصر يطالبه فيها بإعادة العلاقات، فرد الرئيس المصري بشكل بليغ: ما الذي تغير غير الرئيس حتى نفعل ذلك. نظام عبدالناصر كان يرى انه لا مساومة ولا صلح واسرائيل تحتل شبراً واحداً، والعدو من ناحيته لن يترك شبراً واحداً من الأرض المحتلة دون أن يكون مدفوعاً بالخوف من خطر قوة عسكرية عربية قاهرة. عربياً كان ناصر يحاول اقامة جبهتين متماسكتين شرقية تضم الأردن والعراق وسوريا وغربية يتم بناؤها على مصر والجزائر، كما كان يلتمس العذر لبعض القادة العرب ويتركهم وشأنهم دون نصائح ودون أن يحاول فرض وجهة نظره عليهم. وداخلياً سادت حالة من التسامح تجاه المنتقدين لدرجة ان مظاهرات فبراير 68 لم يعتقل بعدها غير ثلاثة أشخاصٍ، كما سادت روح من المراجعة لبعض السياسات الاقتصادية، وبدء حملة لمكافحة الفساد. ظل عبدالناصر يتحدث كأنه مواطن عادي يحس أحاسيس الفقراء ويعيش معاناتهم، ولذلك عاش رغم موته فيما مات الآخرون وهم على قيد الحياة. تضم المحاضر الأخيرة «التي تنفرد «البيان» بنشرها» لاجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي أربع جلسات (من 22 الى 25) عقدت في الفترة من 16 يونيو 1970 وحتى الخامس من اكتوبر من العام نفسه، أي بعد أن ودعت مصر فارسها قبل أن يحقق لها أحلام التحرير والانطلاق نحو بناء دولة جديدة غير قابلة للانكسار، خالية من الخوف والقهر، لا تبني خططها على أشياء ليست واقعية. حفلت الفترة التي عقدت فيها هذه الجلسات بتطورات سياسية وعسكرية كبيرة، أهمها توفير مصر لغطاء جوي مكنها من تلافي الهجمات التي كان العدو بدأ يشنها على العمق المصري أوائل العام، وكذلك تدخل أميركا بقوة ومحاولتها فرض حل. ولأن أميركا هي الطاعون، فقد كانت كذلك دائماً.. فالمناقشات التي تضمها المحاضر تثبت قدرة الولايات المتحدة على التزييف. هي تستطيع أن توهم العالم بأن تزويدها اسرائيل بأحدث أسلحة الدمار هو الطريق نحو السلام، بينما تصور كل مقدرة دفاعية عربية وكل عون يقدم للعرب ليساعدهم في الدفاع عن أرضهم وأبنائهم ومصانعهم بأنه يغير ميزان القوى ويهدد السلام. في هذه الحلقة الأخيرة تكشف المحاضر أسباب قبول مصر لمبادرة روجرز، وكذلك أسباب عدم تصنيعها القنبلة النووية رغم الاقرار بوجود كوادر مصرية تستطيع ذلك، كما تختتم بمحضر جلسة عقدتها اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي بعد وفاة الزعيم، وكيف أبنه السادات قائلاً: انه حارب في أشرس المعارك ضد التآمر على الأهداف الوحدوية للأمة، ثم ما لبث أن انقلب على سياساته. وكما يقول المصريون فإن السادات وعد بالسير على خطاه.. لكنه سار عليها بممحاة!! قبول قرار 242 عُقدت الجلسة الثانية والعشرين للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى فى الساعة السابعة وخمسة وثلاثين دقيقة مساء يوم 16 يونيو 1970، برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر وحضور أعضاء اللجنة التنفيذية العليا. بدأت اجتماعات الجلسة بمناقشة الرئيس جمال عبد الناصر تطورات الأوضاع السياسية والعسكرية فى أزمة الشرق الأوسط، وقد علق الرئيس جمال عبد الناصر فى بداية حديثه عن أسباب قبول مصر لقرار مجلس الأمن رقم 242 قائلاً: «اتكلمنا هنا فى جلسات متعددة على أساس ضرورة قبولنا لقرار مجلس الأمن لعدة أسباب: السبب الأول أننا لا نريد الحرب من أجل الحرب، والسبب الثانى أننا نريد بناء قواتنا المسلحة، السبب الثالث: حينما يمدنا الاتحاد السوفييتى بالأسلحة.. يرتكز على ركيزة.. وهى أننا قبلنا قرار مجلس الأمن». ويكشف الرئيس جمال عبد الناصر فى مناقشاته خلال اجتماعات الجلسة عن وجود فجوة بين الاتحاد السوفييتى والولايات المتحدة الأميركية فيما يتعلق بتصور كل منهما لحل الأزمة سلمياً، موضحاً ذلك فى قوله: «الولايات المتحدة تريد أن تركز أساساً على ترتيبات السلام بين الدول العربية وإسرائيل، الاتحاد السوفييتى يريد أن يركز أساساً على انسحاب إسرائيل من الأراضى المحتلة، ولم يحدث حتى الآن أى اتفاق فى هذا الموضوع». وفيما يتعلق بمشاركة الاتحاد السوفييتى بالمعدات والرجال فى الدفاع عن مصر، خاصة بعد أن بدأت إسرائيل توسيع نطاق ضرباتها العسكرية ليشمل محافظات العمق فى الصعيد قال الرئيس جمال عبد الناصر: «الحقيقة أنا فى يناير.. يوم 22 يناير سافرت إلى الاتحاد السوفييتى بعد أن بدأ الضرب فى العمق فى الجمهورية العربية المتحدة وحول القاهرة، وطلبنا معدات حديثة نستطيع أن نواجه بها المعدات الحديثة التى حصلت عليها إسرائيل من أميركا، وإسرائيل بتحصل على كل المعدات. وعلى هذا الأساس وافق الاتحاد السوفييتى على أن يعطينا المعدات، ولكن كنا نحتاج إلى وقت لتدريب أفرادنا.. وقت طويل حتى يمكنهم استخدام هذه المعدات وعلى هذا الأساس كان من الواضح إن هذه المعدات لن تكون لها فائدة سريعة، وهذا يحقق هدف أميركا وهدف إسرائيل من الضرب فى العمق، فاحنا طلبنا إن ناسنا يروحوا يتدربوا.. وعلى ما يتدربوا أولادنا بتيجى المعدات بأطقمها وتُستخدم فى الحال». وحول مقدرة الدفاع الجوى فى منطقة قناة السويس على مواجهة التفوق الجوى الإسرائيلى، خاصة فى ظل حصول إسرائيل - بعد عام 1967 - على «100» طائرة سكاى هوك، و (50) طائرة فانتوم. أضاف الرئيس : «احنا قلنا قبل كده أن دفاعنا الجوى فى قناة السويس دمر نتيجة المعدات الالكترونية الحديثة اللى أخذوها من أميركا، واللى استخدموها ضد الصاروخ القديم اللى هو بنسميه سام (2)، إذن دلوقتى ماعندناش صواريخ فى منطقة القناة، إذن يستطيع العدو إنه يجى على ارتفاع 8 كيلو أو 10 كيلو ويقدر يضرب طول النهار، أو يضرب بالليل وهو فى مأمن أن تصل إليه وسائل دفاعنا الجوى، مازالت المعدات الإلكترونية بتاعتهم فعالة ضد معداتنا.. ومازلنا احنا فى البداية بالنسبة لاستخدام هذه المعدات التى حصلنا عليها حديثا من الاتحاد السوفييتى». وحول إمكانية وقدرة القوات المسلحة فى نقل الصراع العسكرى من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم تحدث الرئيس عبد الناصر قائلاً: «علينا الحقيقة إن احنا نكمل تحقيق هدفنا، وده يحتاج إلى عمل سياسى.. ويحتاج إلى عمل عسكرى، وهو أولاً الدفاع الكامل عن البلد غرب قناة السويس. إذا تحقق هذا.. ده لازم حينقلنا إلى نقطة أخرى.. هى اللى حتنقلنا من الدفاع إلى الهجوم، لأن إذا حققنا دفاعاً جوياً غرب قناة السويس.. بالتالى يكون فى إمكاننا ان احنا ننتقل إلى شرق القناة.. وهذا ما يعلمه الإسرائيليون جيداً وعلى هذا الأساس هُم هدفهم من الاستماتة فى ضرب قواتنا الموجودة على القناة.. انهم مايمكنوناش من أن نحشد أى قوات يمكن أن تَعْبُر القناة وتهجم عليهم». كما استعرض الرئيس بعد ذلك تطورات العلاقات العربية بين الجمهورية العربية المتحدة وبين كل من السودان وليبيا من خلال بحث نتائج زيارات واتصالات المبعوثين المصريين إلى الدول العربية. ثم فُتح باب النقاش بين الرئيس جمال عبد الناصر وباقى أعضاء اللجنة المركزية الذين تساءلوا حول بعض الأمور المتعلقة بالوضع العسكرى فى ظل بناء قوات الدفاع الجوى، وحول إمكانية اتجاه العدو إلى ضرب العمق من جديد بعد انحصار قواته فى جبهة قناة السويس، كما بحث الأعضاء اتفاقيات التكامل الاقتصادى بين مصر والسودان وليبيا، ومناقشة الأوضاع الاقتصادية فى ظل خطة التنمية لعام 70/1971. روجرز عُقدت الجلسة الثالثة والعشرون للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى فى الساعة السابعة وخمسة وعشرين دقيقة مساء يوم 14 يوليو 1970، برئاسة نائب الرئيس محمد أنور السادات، نظراً لسفر الرئيس إلى موسكو؛ لبحث الموقف السياسى والعسكرى فى منطقة الشرق الأوسط مع القادة السوفييت، وبرفقته كل من وزير الخارجية محمود رياض، ووزير الحربية الفريق محمد فوزى. وبدأ نائب الرئيس فعاليات الاجتماع بتقديم جدول أعمال الجلسة الذى تضمن مبادرة وزير الخارجية الأميركى «روجرز» ، حيث أطلق عليها مبادرة سلام، والتى وضعتها وزارة الخارجية المصرية تحت الدراسة حتى عودة الرئيس والوفد المرافق له من روسيا. وقد فضل أعضاء اللجنة المركزية الحاضرون تلك الجلسة، وكذلك أعضاء اللجنة التنفيذية العليا عدم مناقشة تطورات الأوضاع السياسية والعسكرية حتى عودة الرئيس جمال عبد الناصر من رحلته إلى موسكو. كما طالب الأعضاء بإرسال برقية تأييد إلى الرئيس لمساعيه بالاشتراك مع الدول الصديقة فى محاولة احتواء الأزمة وحل النزاع العربى الإسرائيلى حلاً سلمياً، ثم تطرق الحديث إلى بحث تشكيل اللجنة التحضيرية للإعداد للمؤتمر القومى العام للاتحاد الاشتراكى فى دورته الرابعة العادية، ووضع جدول أعماله؛ وتحديد القضايا التى سيتناولها المؤتمر بالبحث والنقاش، خاصة موقف الولايات المتحدة التى وصفها الأعضاء أنها خرجت عن كل معايير المنطق والمعقول، ومحاولتها إيهام العالم بأن تزويدها لإسرائيل بأحدث أسلحة الدمار لتكريس احتلالها للأراضى العربية، وفرض سياسة الأمر الواقع على العرب بالقوة، هو الطريق إلى السلام فى الوقت الذى تصور فيه كل مقدرة دفاعية عربية وكل عون يقدم للعرب عن أرضهم ومصانعهم وأبنائهم، بأنه تغيير لميزان القوى فى المنطقة وتهديد للسلام. وانتهت فعاليات الجلسة بعرض القرارات التى توصلت إليها، وهى : 1- إرسال برقية باسم اللجنة المركزية إلى الرئيس جمال عبد الناصر لتأييده فى مباحثاته مع الدول الصديقة. 2- الموافقة على التقرير الاقتصادى الذى أعدته اللجنة التحضيرية للإعداد للمؤتمر القومى العام فى دورته الرابعة برئاسة الدكتور ـ محمد لبيب شقير. 3- الموافقة على ترشيح محمد عبد السلام الزيات - عضو اللجنة المركزية - أميناً عاماً للمؤتمر القومى فى دورته الرابعة. 4- تجتمع اللجنة التحضيرية وكل لجنة من اللجان السبع الدائمة قبل انعقاد المؤتمر القومى العام، ليتحدد خطة عملها فى المؤتمر وتبنى التوصيات المقترحة التى تخص كل منها. طيارون سوفييت يدافعون عن مصر عُقدت الجلسة الرابعة والعشرون للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى فى الساعة السابعة وأربعين دقيقة مساء يوم 22 من يوليو 1970 برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر. بدأ الاجتماع بحديث الرئيس جمال عبد الناصر حول تطورات الأوضاع السياسية، خاصة فى ظل نتائج زيارته الأخيرة لموسكو، والاجتماع مع المسئولين السوفييت؛ لبحث أبعاد الأزمة فى الشرق الأوسط وسبل حلها. مع بحث المبادرة الأميركية التى قدمها وزير الخارجية الأميركى «روجرز» والموقف المصرى منها. كما علق الرئيس على موضوع مشاركة الطيارين السوفييت فى الدفاع عن مصر ضد غارات العمق التى قامت بها إسرائيل ضد أهداف فى الصعيد، والحملة الدعائية الأميركية الإسرائيلية على الموقف السوفييتى المساند لمصر منذ مايو 1971، حيث قال: «فى يناير اللى فات أنا ذهبت لموسكو.. وبعد أن ابتدأ الضرب فى العمق.. الحقيقة طلبت منهم مساعدة.. بعد نقاش طويل هُم وافقوا يدونا المساعدات، ولكن بنحتاج مدة طويلة علشان نتدرب عليها إذاً معنى هذا ان احنا ممكن نأخذ صواريخ سام 3، ولكن حنقعد حوالى 7 أو 8 أشهر بننضرب لغاية ما يتدرب أولادنا على استعمالها. وكان هناك إلحاح أيضاً على أساس ان احنا عندنا طيارات أكثر من الطيارين.. وعلى أساس ان الاتحاد السوفييتى يشترك معنا فى طيارات - بعلامات مصرية - فى الدفاع عن العمق.. وافق الاتحاد السوفييتى على هذا الموضوع.. هذا الموضوع الحقيقة من الناحية الاستراتيجية يعتبر نقطة تحول كبيرة ». ثم استطرد الرئيس فى حديثه معلقاً على ردود أفعال الدوائر السياسية الأميركية والأوروبية على التعاون العسكرى المصرى السوفييتى فى منطقة غرب القناة قائلاً: «هناك أيضاً قلق فى أوروبا الغربية.. وهناك قلق فى أميركا.. وهناك أيضاً قلق فى إسرائيل لسبب بسيط جداً ان الاتحاد السوفييتى طالما تحرك بهذا الشكل لا يمكن انه حَيسلم أو يقبل أن يُهْزَم أمام إسرائيل.. ومساعدات أميركا لإسرائيل، حتى ولو حصلت مواجهة مع أميركا. طبعاً فيه ناس حاولوا يمثلوا هذا بكوبا، ولكن فيه فرق كبير بين كوبا، والعملية دى.. فى كوبا كان موجود صواريخ ذرية تهدد أميركا أما كل الأسلحة الموجودة عندنا عادية.. هو كل الاتفاق اللى تم مع الاتحاد السوفييتى كان على أساس عملية دفاعية». ناصر يرد على روجرز ثم استعرض الرئيس فى حواره مع أعضاء اللجنة المركزية فى اجتماعها الرابع والعشرين الاقتراحات الواردة فى مبادرة وزير الخارجية الأميركى «روجرز» وتفنيدها، مع شرح الموقف والرد المصرى فأضاف: «كان من الواضح أن نرد على «روجرز» فى رد موضوعى، إيه اللى جد فى جواب «روجرز»؟ هو مقترح عدة اقتراحات: النقطة الأولى: وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل لمدة 3 أشهر.. بين مصر بس وإسرائيل، لان الأردن لم يلغ وقف إطلاق النار.. وسوريا لم تلغ وقف إطلاق النار، احنا اللى أعلنا فى مايو اللى قبل اللى فات بدء حرب الاستنزاف.. وإنهاء وقف إطلاق النار إلا إذا كان هناك نص على الانسحاب، الكلام اللى فى النقطة الثانية: تنفيذ قرار مجلس الأمن بكل اجزائه. النقطة الثالثة: عودة «يارنج» للاتصال بالأطراف كما كان فى الماضى. اللى هو إقرار الأطراف بسلامة، واستقلال، ووحدة الأراضى الموجودة. النقطة الرابعة: هى أن تعلن إسرائيل الانسحاب وفقاً لقرار مجلس الأمن من الأراضى المحتلة». حيثيات قبول عبد الناصر لمبادرة روجرز ثم استطرد الرئيس شارحاً حيثيات قبوله لمبادرة «روجرز»، والتى انحصرت جميعها فى أن المبادرة لا تعكس أى وضع أو مشروع تسوية جديد، فقد وافقت الجمهورية العربية منذ العدوان الإسرائيلى عام 1967على تنفيذ قرار مجلس الأمن، وأن يستأنف «يارنج» مهمته فى الاتصال بالأطراف المعنية بالأزمة، ووقف إطلاق النار لمدة محددة، وبالتالى يرى الرئيس عبد الناصر أن قبوله أو عدم قبوله لهذه المبادرة لا يضيف جديداً، بل على العكس فإن قبوله لها يشكل ضغطاً على إسرائيل من جانب الرأى العام العالمى والقوى الدولية الموجودة، بالإضافة إلى عدم إعطاء أى فرصة للولايات المتحدة أن تستمر فى تزويد إسرائيل بالسلاح خلال تلك الفترة، واستكمل شرحه للمبررات قائلاً: «إذاً كل - الحقيقة - الكلام الموجود فى هذه المبادرة الأميركية وافقنا عليه قبل كده، ولكن حيبقى الموضوع موضوع مبدأ، هل سنرد على أميركا.. أم لانرد على أمريكا؟ احنا عملنا الرد.. وردينا على أميركا بالنسبة للموضوع، على أساس اننا لا نعطى فرصة بأى شكل من الأشكال للولايات المتحدة علشان تعطى سلاحاً لإسرائيل». ومازال الرئيس يعلق قائلاً:«ايه رد الفعل اللى حيبقى بعد كده؟ وفى تقديرنا ان الموقف يكون صعباً جداً لإسرائيل.. فى تقديرنا إن إسرائيل لا تستطيع أن تقبل وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر.. فى تقديرنا انهم كانوا مستنين ان احنا اللى نرفض ». ثم استعرض الرئيس نص الرد الرسمى الكامل الذى وجهه لوزير الخارجية الأميركى، رداً على مبادرته بشأن الوسيلة الأكثر فاعلية للتوصل إلى تسوية سليمة للنزاع العربى الإسرائيلى. رفض عربي وفي حديثه عن الموقف العربى الرافض لمبادرة «روجرز»، وكذلك قرار مجلس الأمن242 لعام 1967 - والذى رفضته كل الدول العربية عدا مصر والأردن - أكد الرئيس جمال عبد الناصر أنه وفى ظل الظروف التى تتعرض فيها الدولة لحرب نفسية عنيفة يجب الحفاظ على الجبهة الداخلية وعلى العرب المؤيدين للكفاح المصرى فى مواجهة إسرائيل، بغض النظر عن طبيعة الخلافات الموجودة، وإعلانه أيضاً أنه يريد حلاً سلمياً لأن شعب الجمهورية المتحدة - كما ذكر فى رده على المذكرة الأميركية - الذى يعمل من أجل التنمية والبناء لرفع مستوى معيشته مهمته بالدرجة الأولى تحقيق السلام، إذ أن الحرب تعرقل خطوات البناء والتعمير فقال : «الحقيقة أنا برضه بدى أكرر نقطة سبق أن قيلت - فى هذه القاعة - ان احنا عايزين حلا عسكريا.. الحقيقة أنا ما زلت عاوز حلا سلميا، لأن الحل العسكرى عملية أبعادها كبيرة جداً ». ورغم ذلك إلا أنه يرى أن عملية التوصل إلى حل سلمى عملية صعبة للغاية فقال: «فيه نقطة طبعاً برضه نحب نقولها.. الأمل فى نجاح هذا الموضوع بعيد جداً، قد يتصور البعض ان دى عملية حتنجح.. أنا رأيى ان الحل السلمى عملية صعبة جداً.. ومش ممكن يدونا حلا سلميا ونطلع ماندفعش الثمن.. أنا رأيى كده من الأول.. ورغم قبولى لقرار مجلس الأمن.. مش ممكن الأميركان يسيبونا من غير ماندفع الثمن، ولكن لغاية دلوقت ماقدروش. سنة 1967 كانوا معتبرين ان العرب هزموا إلى ما لا نهاية.. وإن جميع الحروب انتهت النهاردة.. الحقيقة الوضع عندنا فيه تضامن وصمود.. أما فى داخل إسرائيل فباستمرار الخط بتاعهم اليأس بيزيد والأمل فى السلام بيقل». وبفتح باب المناقشة لمداخلات الأعضاء رد الرئيس جمال عبد الناصر على سؤال بشأن موقف الاتحاد السوفييتى من الحرب الإلكترونية التى يمكن أن تشهدها المواجهة العسكرية بين مصر وإسرائيل أجاب: «طبعاً ممكن نصل إلى حل سياسى إذا الظروف السياسية الدولية أجبرت الجميع على الوصول إلى حل سياسى، لإنقاذ الدول من المواجهة.. أو الدخول فى مواجهة. ولكن اللى حاصل دلوقت الحقيقة فيه حاجات بسيطة عن الحرب الإلكترونية. النهاردة أول ميدان ابتدأت فيه الحرب الإلكترونية هى بلدنا فى الحقيقة، وكان لابد ان احنا نعمل أساليب ووسائل.. ونستعين بالاتحاد السوفييتى أيضاً علشان ندخل فى هذا الموضوع ». تلويح إسرائيل بالحرب النووية وحول سؤال وجهه د. مصطفى أبو زيد بشأن تلويح إسرائيل بشن حرب نووية، أو استخدام بعض أسلحتها النووية التى منحتها لها الولايات المتحدة خاصة حصولها على مدافع لها القدرة على حمل رؤوس نووية، متعللين بقوة المدافع المصرية، كما أشاروا إلى إعلان إسرائيل بأنها تريد كسب الحرب الجديدة ضد العرب بسرعة خاطفة فى إشارة إلى استخدام الأسلحة النووية فرد قائلاً: «موضوع الحرب النووية ده موضوع كبير جداً، وموضوع ان الروس يقولون ان هُم عاوزين يجيبوا هنا أسلحة نووية أنا باقول: لأ.. لأنهم إذا ادونا أسلحة نووية.. اليهود على طول يأخذوا أسلحة نووية من أميركا، إذا جابوا هنا أسلحة نووية.. الأميركان هنا بقى بيقولوا لهم: امشوا.. ده الكلام اللى قاله «كيسنجر».. لازم يمشوهم ولو يدخلوا فى مواجهة، فالعملية فى الحقيقة أكبر من هذا وممكن تتكرر عملية زى كوبا. هناك نقطة أخرى بالنسبة لاستخدام الأسلحة النووية نحن موقعون اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، وهذه الاتفاقية منها نص يتعهد به الاتحاد السوفييتى وأميركا على حماية كل الدول الموقعة على الاتفاقية من أى تهديد ذرى. وإدخال الأسلحة النووية - الحقيقة - فى منطقة الشرق الأوسط موضوع ماأظنش ان إسرائيل تقدر تشتغل فيه لوحدها، وماأظنش ان أميركا توافق لها، لأن أميركا إذا وافقت يبقى معنى هذا ان الروس حيجيبوا هنا أسلحة نووية، فعملية الأسلحة النووية عملية تحسب حساباً بالشعرة.. وبعدين ماحدش بيدى حد أسلحة نووية أبداً.. يعنى من يوم مااكتشفوها حتى فرنسا ماادوهاش الأميركان الأسرار اضطروا انهم يبحثون ثم يصلون، إلى آخر هذه العملية ». إمكانية امتلاك قنبلة ذرية ومازال الحديث للرئيس جمال عبد الناصر تعليقاً على إمكانية استخدام إسرائيل أسلحة نووية فى حربها ضد العرب، وإمكانية امتلاك مصر لقنبلة نووية قال: «الإنجليز والصين أيضاً هم اللى عملوا العملية، واحنا سبق ان بعتنا بعثة إلى الصين سراً.. وقالوا لنا: اعتمدوا على أنفسكم. الحقيقة احنا عندنا ناس تستطيع انها تعمل القنبلة الذرية ومعروفين بالاسم، لكن الموضوع تكاليفه ليست فى طاقتنا. وبعدين الميدان اللى حندخله مش ممكن يسيبونا نستخدم أسلحة ذرية.. مش ممكن حد يسيبنا يعنى إذا استخدمنا أسلحة ذرية ضد إسرائيل.. وإسرائيل ماعندهاش، يبقى بالتالى تانى يوم احنا ننضرب - أو فى نفس اليوم سننضرب - بأسلحة ذرية من أميركا ». وفى رده على تساؤل حول طبيعة العلاقات العربية ـ العربية والتى عكست اختلافاً فى الرؤى العربية منذ عام 1967 وحتى عام 1970، حول الصراع العربى الإسرائيلى والحل السلمى والكفاح المسلح تناول عبد الناصر الحديث حول المساعدات العربية لمصر، والعلاقات بين مصر وكل من الأردن والسعودية فى تلك الفترة، والتى تعكس وجود بعض التناقضات الموجودة فى القيادات العربية التى لا يمكن تجاهلها والتغاضى عنها خاصة موقف الأردن من عناصر المقاومة الفلسطينية قائلاً: «بالنسبة للمقاومة احنا لنا علاقة بفتح، ولكن الجبهة الشعبية.. والجبهة الشعبية الديمقراطية.. والمنظمات الأخرى فيه مزايدات. فى الحقيقة عمليات كلها سياسة أكثر منها عمليات عسكرية، الغرض منها كسب الجماهير الفلسطينية للحزب السياسى اللى هُم بيعملوه، طيب هل ستستطيع المقاومة إنها تحرر الضفة الغربية؟.. هل ستستطيع أن تحرر القدس؟.. طبعاً هُم قعدوا معايا وفاهمين وجهة نظرنا ». وفى تعليق على أحد الأسئلة حول الموقف بين رفض سوريا لقرار 242 لعام 1967، وقبول الجمهورية العربية المتحدة له، وتأثير ذلك على وضع الجولان المحتلة قال عبد الناصر: «الحقيقة هُم مايقدروش يقبلوا قرار مجلس الأمن، ومايقدروش يدوا أى تصريح حتى عن السلام.. لو تدوروا احنا بندى تصريحات وأحاديث.. هُم مقيدون تقييدا كاملا، لأن عندهم مشاكل وانقسامات برضه فى الداخل.. وحاجات بهذا الشكل. ولكن يعنى أنا لما قبلت قرار مجلس الأمن سنة 1967.. أنا جانى رئيس وزراء سوريا وقال: «كيف تقبل هذا الموضوع.. ده حيؤثر على شعبيتك فى العالم العربى؟».. فأنا قلت له: أنا ماوضعتش هذه الحكاية أبداً فى الحساب - أنا عايز أشوف كيف ابنى جيش؟.. الاتحاد السوفييتى طالما باقول ان أنا ححارب وحادمر إسرائيل.. مش ممكن يدينى سلاح.. لأن عالمياً يبقى موقفه صعب، وعايزين وقتاً علشان نبنى قواتنا المسلحة. بنيجى بقى لموضوع الجولان احنا الحقيقة متمسكين بالانسحاب من كل الأراضى، والله إذا حصل اتفاق على سيناء.. وإذا حصل اتفاق على القدس.. وإذا حصل اتفاق على غزة.. وإذا حصل اتفاق على الضفة، فيبقى هنا بنقول: لازم يحصل اتفاق أيضاً على الجولان ويبقى فيه كلام مع السوريين ». وانتهت الجلسة بتأكيد الرئيس جمال عبد الناصر على أن الطلبات العسكرية التى تقدمت بها الجمهورية العربية المتحدة لروسيا تمت الموافقة على نسبة 95% منها. وانتهى الاجتماع بالاتفاق على مناقشة العلاقات المصرية الليبية فى الاجتماع المقبل. ناصر في ذمة الله عُقدت الجلسة الخامسة والعشرون للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربى فى الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة مساء يوم 5 أكتوبر سنة 1970، برئاسة رئيس الجمهورية المؤقت محمد أنور السادات، وبحضور أعضاء اللجنة التنفيذية العليا. بدأت الجلسة بتأبين الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذى وافته المنية فى الثامن والعشرين من سبتمبر 1970، ويفتتح الرئيس المؤقت أنور السادات أعمال الجلسة بإلقاء كلمة اللجنة التنفيذية العليا فى تأبين الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وشرح فيها دور الزعيم بدءًا من الاعداد لثورة 23 يوليو فى عام 1952، ومروراً بالحرب الفدائية ضد الإنجليز فى 1954، ومواجهة الغزو الإسرائيلى لقطاع غزة فى 1955 «منطقة العوجة». ثم دوره فى إدارة معركة السلاح عام 1955، ثم معركة تأميم شركة قناة السويس وما ترتب عليها من عدوان عام 1956، ثم انتصاره على سياسة الغزو من الداخل التى تحاول فرضها إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية بواسطة وزير خارجيتها «جون فوستر دالاس» ومحاولته تأليب الدول العربية على مصر فى عام 1957، ثم إعلان الوحدة المصرية السورية فى عام 1958، وخلال سنوات الوحدة والانفصال ما بين 1958-1961 وقف جمال عبد الناصر يحارب أعنف وأشرس المعارك الضارية ضد التآمر على الأهداف الوحدوية للأمة العربية، ثم جاءت أزمة اليمن ليتجه جمال لنجدته ومساندة الشعب اليمنى الناهض. ورغم كل محاولات عزل مصر عن أمتها العربية، ورغم المؤامرة التى حكيت فى يونيو 1967، إلا أنه لم يقبل الإنذارات ولا التبليغات، وفى يومى 9 و 10 يونيو عام 1967، حين أعلن تنحيته بعد الهزيمة المريرة، خرجت الملايين من جماهير الشعب المصرية والعربية تناديه وتناشده العودة لاستكمال بناء معركة التحرير. وفى عام 1969 خرجت مصر من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم لأول مرة فى تاريخ صراعها مع إسرائيل، حينما بدأت حرب الاستنزاف. ثم جاءت ثورة 25 مايو 1969 بالسودان، وثورة الأول من سبتمبر 1969 بليبيا، لتعبر عن أن الشعوب العربية لا تزال تؤمن بمبادئ وأهداف وسياسات الرئيس جمال عبد الناصر. وفى عام 1970 نجح عبد الناصر فى وقف غارات العمق، وتكبدت إسرائيل خلال حرب الاستنزاف ثلاث عشرة طائرة فانتوم فى أول سابقة من نوعها فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى. وقد اقتصرت اعمال الجلسة الخامسة والعشرين على إلقاء كلمات التأبين المختلفة من جانب أعضاء اللجنة، والتى عبرت عن مدى خسارة الأمة العربية لشخص الزعيم جمال عبد الناصر. فقد استعرض الفريق أول محمد فوزى وزير الحربية إنجازات الزعيم الراحل فى مجال إعادة بناء القوات المسلحة بعد عدوان يونيو 1967، تلاه الشيخ أحمد حسن الباقورى وزير الأوقاف، ثم حكمت أبو زيد وزيرة الشئون الاجتماعية ، ثم باقى أعضاء اللجنة. وانتهت الجلسة بعرض البيان الصادر عن اللجنة، والذى تلاه ضياء الدين داود، موضحاً فيه المبادئ العامة التى سيتم على أساسها استكمال الخط الثورى الوحدوى الذى بدأه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. « خاتمة » انتهت محاضر اجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي والتي تعكس الدور الذي لعبه الاتحاد الاشتراكى العربى بمستوياته التنظيمية المختلفة ولجانه الدائمة والفرعية، فى رسم السياسات العامة للدولة وطرحها لنقاش قوى الشعب العامل بفئاته المختلفة فى أكبر قاعدة شعبية لممارسة حق المشاركة السياسية. كما تبين حجم ونوع القضايا التى تضمنتها المحاضر، مدى الوعى السياسى لدى فئات الشعب المختلفة، وإلمامها بحقيقة وطبيعة قضايا وطنهم السياسية والاقتصادية الداخلية، وقضايا أمتهم العربية فى فترة شهدت انبعاث القوى الوطنية من جديد بعد المعاناة التى فرضتها هزيمة يونيو 1967. ولاشك بأن النصر الذى أحرزته القوات المسلحة المصرية فى حرب أكتوبر 1973، هو نتيجة طبيعية لعملية إعادة بناء القوات المسلحة التى بدأها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد عام 1967، ولاشك أن حرب الاستنزاف التى بدأها فى عام 1969، إنما عكست مدى النضال الذى بناه الشعب المصرى بتحالف جبهته الداخلية وتحمله أعباء الإعداد لمعركة التحرير بعزيمة لا تلين، ووحدة اجتماعية شهد لها الجميع بدورها الفعال فى تحقيق الصمود الوطنى اجتماعياً واقتصادياً خلال مرحلة إزالة آثار العدوان والإعداد لمعركة التحرير.