اذا كانت الانتفاضة الفلسطينية الباسلة بدأت بالحجارة ولم تنته بالرصاص.. فإن الغضب الشعبي الذي ملأ الشوارع العربية لن يهدأ إلا بالتحرير.. وبين الحجارة والبارود، يوجد عشرات الأشكال للمقاومة العربية الباسلة من الدعاء الى الاستشهاد في سبيل الوطن.. ومن أهم صور المقاومة التي صاغها المصريون - مسلمين وأقباط - هي المقاومة بالنذور حيث توجه آلاف المواطنين الى المساجد وأضرحة الأولياء والكنائس لينذروا النذور من أجل تحرير المقدسات الاسلامية والمسيحية.. حيث أضيئت الشموع في أضرحة السيدة والحسين والامام الشافعي والسيد البدوي وكنائس العذراء ليكون الأولياء والقديسون شهوداً على نذور المصريين من أجل تحرير الأراضي العربية المغتصبة. اغتيال شارون في ساحة الحرم الزينبي سارت العجوز تتوكأ على عصاها الى أن وصلت الى ضريح - مقام - السيدة زينب رضي الله عنها فتشبثت بسياجه تاركة عصاها تسقط على الأرض كأنها تفسح الطريق لصاحبتها لتتوحد مع المشهد الذي بذلت مجهودا غير عادي لتصل اليه.. أو كأنها العصاة تنحني إجلالا وتقديرا لصاحبة الضريح.. وقفت العجوز التي يبدو أنها لم تعد بحاجة لعصاها محتضنة أسوار المقام تمتزج أطراف حروف الأدعية التي تتمتم بها مع قطرات الدموع المنسابة من العيون والقلب في مشهد يرسم ملامح لحظة ايمانية خاصة. ظلت العجوز وعصاتها نحو نصف ساعة تعانق لحظتها الخاصة ولم نشأ أن نخدش خصوصية المشهد فانتظرنا حتى انتهت من دعائها وسارت بضع خطوات - بدون العصاة - مبتعدة عن «المقام» ويبدو أنها تذكرت أنها نسيت شيئا فعادت لتأخذ عصاها وكان الدمع ما زال يغرق عينيها لكن هذه المرة في صمت.. وشق هذا الصمت سؤالنا لها: هل كنت تنذرين نذرا أم جئت للوفاء بنذر تحقق؟ وقبل أن تجيب عرفنا أن اسمها الحاجة «أم محمود» من سكان حي السيدة زينب - عمرها 62 سنة - وقالت: جئت لأنذر أن أطعم فقراء حي السيدة لمدة ستين يوما كاملة اذا حقق الله أمنيتي وأراح المسلمين جميعا من السفاح شارون لأنه هو سبب كل البلاوي التي تحدث للأطفال والشيوخ في فلسطين وهو الذي دنس «بنجاسته» المسجد الأقصى المبارك.. وأتمنى أن يحقق الله أمنيتي وقد شفعت السيدة الطاهرة في أمنيتي.. وانصرفت الحاجة «أم محمود» مخلفة وراءها قلوبا تشاركها الدعاء على «شارون» وأخرى ترد في تضرع «آمين». صندوق نذور الانتفاضة يقترح الشيخ عبدالله حامد إمام مسجد السيدة زينب أن يوضع صندوق نذور خاص بالانتفاضة في كل المساجد والأضرحة ويتم ارسال هذه الأموال بعد جمعها لمساندة اخواننا في فلسطين.. ولك أن تتصور ما يمكن أن تجمعه من هذه النذور من كل المساجد عقب صلاة الجمعة فقط. وعن نذور الانتفاضة يضيف الشيخ عبدالله حامد: عندما وجدنا الكثير من المصلين والزوار يوجهون نذورهم للانتفاضة خصصنا صندوقاً لهذا الغرض بجوار الصندوق الرئيسي وتحدثنا مع بعض المسئولين في وزارة الأوقاف حول تعميم الفكرة في جميع المساجد التابعة للوزارة. لم يختلف المشهد في ساحة مسجد الامام الحسين رضي الله عنه سوى في هذه الضجة التي أثارها «عم منصور» الرجل الذي يتبرك به رواد المسجد بلا استثناء رغم أنه لا أحد يعلم من أين جاء ومنذ متى يهيم على وجهه حول ضريح الامام الحسين وفي حواري وأزقة الحي.. لكنهم جميعا يقولون عنه «من رجال الله». كان الهدوء والسكينة يخيمان على ضريح - مقام الامام الحسين فلا تكاد تسمع سوى تمتمة الشفاة الخافتة بالأدعية.. وشهقات الدموع وهي تصطدم بسور المقام النحاسي.. وفجأة انطلق صوت «عم منصور» مدويا ليشق صحن الضريح وأفئدة الزائرين «مدد يا حسين.. بارك أولادنا في فلسطين.. يا حفيد سيد المرسلين.. قوي ايديهم على اليهود الملاعين» وكان الحاضرون يرددون «مدد يا حسين.. آمين»، وانطلق «عم منصور» مهرولا خارج المسجد وهو يتجاهل نداءات بعض الحاضرين ويردد «مدد يا حسين.. جايلك يا بن بنت النبي صلى الله عليه وسلم». مسجد لقاتل السفاح ومن الذين خصوا نذورهم للانتفاضة في مسجد الحسين مهندس شاب نذر أن يصوم ثلاثة أشهر كاملة بالاضافة لمبلغ من المال لصندوق نذور المسجد وذلك اذا قامت الحكومة المصرية بفتح باب التطوع والجهاد أمام الشباب للسفر الى فلسطين لتحرير الأراضي العربية المغتصبة. أما محمود عبدالحميد «طالب بكلية الحقوق جامعة عين شمس» فقد نذر أن يطلق اسم أول من يرفع علم فلسطين فوق المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس على أول أبنائه وذلك عند اعلان قيام دولة فلسطين وعاصمتها الأبدية القدس. ونذرت الحاجة زينب عبدالمعطي «ربة منزل» ان تتبرع بقطعة الأرض التي ورثتها عن أمها في منطقة امبابة لبناء مسجد تطلق عليه اسم من يستطيع اغتيال السفاح شارون. ويؤكد الدكتور جلال بشار استاذ الدعوة بجامعة الأزهر أنه سيكون من الأفضل كثيرا أن يتم الاستفادة من رغبة المصريين في مساندة الانتفاضة.. وبدلا من أن نعلن عن حملات التبرعات في الحفلات والنوادي ومباريات الكرة يمكننا أن نفعل ذلك أيضا في المساجد.. وتوجد بعض الجمعيات الخيرية الاسلامية التي قامت بهذه التجربة في المساجد التابعة لها لكن لو عممت الفكرة بجميع المساجد بكل المحافظات ستكون النتائج أفضل كثيرا وأسرع تأثيرا في دعم اخواننا في فلسطين. طرد السفير ومن المساجد الى الكنائس وبالتحديد في كنيسة سانت تريز بمنطقة شبرا حيث يؤكد الأنبا «أغاثون» راعي الكنيسة أنه خصص قاعة لنذور الانتفاضة وبدأ فعلا تسجيل بعض هذه النذور.. حيث نذر البعض نذورهم لفك الحصار عن كنيسة «المهد» وقت حصارها وهو الطلب الذي تحقق في الأيام الماضية.. لكن الجزء الأكبر من أمنيات أصحاب النذور لم يتحقق بعد. ومن الذين خصوا نذورهم بتحرير كنيسة المهد كانت السيدة هدى فوزي - مدرسة - والتي قالت: منذ أن قام اليهود في الفترة الأخيرة بالاعتداء على كنيسة المهد وكنا نصلي جميعا ونوقد الشموع داعين الرب أن يمنحنا القدرة على تحرير مقدساتنا.. وقد نذرت لأمنا الغالية القديسة «تريز» ان أقوم باشعال الشموع بالكنيسة 30 يوما عند فك الحصار عن كنيسة المهد وقد حقق الرب أمنيتي. أما «ليلى سالمان» - ربة منزل - لم تتحقق أمنيتها بعد حيث نذرت أن تهب نفسها لخدمة الكنيسة 60 يوما عند تحرير المقدسات الاسلامية والمسيحية.. وتضيف: إن الله لن يغفر لنا صمتنا على قتل الأطفال الأبرياء واهانة المقدسات الاسلامية والمسيحية.. لكن ليس أمامنا سوى الصلاة والدعاء. ويحكي الأنبا «بسنتي» أسقف حلوان والمعصرة قصص نذور أهل المنطقة للقديس برسوم العريان قائلا: قد خص مئات الوافدين نذورهم لتحرير المقدسات الاسلامية والمسيحية والبعض خصها لتحرير الأراضي العربية المغتصبة بالكامل.. ومن أبرز هذه النذور ما نذره الدكتور «وليم عزيز» وهو من أهالي المنطقة حيث نذر أن يطعم كل الفقراء في منطقة المعصرة لمدة أسبوع كامل بالاضافة لمبلغ من المال لصندوق النذور وذلك اذا تحققت أمنيته وهي طرد السفير الاسرائيلي من مصر. قطع العلاقات الدبلوماسية ولم يختلف الأمر كثيرا في كنيسة السيدة العذراء بمنطقة مصر القديمة حيث يؤكد الأب «كيرلس» راعي الكنيسة أن مئات الأقباط أوقفوا نذورهم للقضية الفلسطينية مع ملاحظة أن نذور الحاجات الشخصية قلت كثيرا في هذه الفترة.. ومن أبرز نذور كنيسة السيدة العذراء ما نذره أحد المترددين عندما نذر مبلغ خمسة آلاف جنيه اذا قامت مصر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل أو حتى قامت اسرائيل بسحب سفيرها واغلاق سفارتها بالقاهرة.