في آخر خطاب ألقاه الشيخ صباح الأحمد الجابر النائب الأول لمجلس الوزراء وزير الخارجية في دولة الكويت بعد ظهر يوم الأربعاء العاشر من يوليو الجاري، وجه كلاماً الى النواب الكويتيين حالياً، والى المرشحين الخليجيين مستقبلاً، وأعتقد انها كلمات تعبر عن الحالة السياسية الكويتية في الوقت الراهن، وعن الوضع الخليجي المستقبلي اذا لم تتطور الأنظمة في دول مجلس التعاون في مسيرة التحديث.. يقول الشيخ صباح «فكفى ديمقراطيتنا امتحاناً تلو امتحان، وندرك جميعاً ان المصلحة الوطنية تكمن فقط، في تعاون السلطتين التنفيذية والتشريعية وتجاوز الحساسيات وممارسة الحقوق الدستورية بروح المسئولية، والتعقل والحكمة بشكل لا يؤدي الى اضرار بقيم ومصالح الوطن والمواطنين، وان أهدافنا المنشودة لن تتحقق خارج اطار المسئولية المشتركة، والثقة المتبادلة، والتفاهم الوفاقي في العمل بين هاتين السلطتين». صدرت هذه الكلمات على خلفية المناخ المتأزم الذي أفرزته مشاهد الاستجواب لوزير المالية الكويتي الدكتور يوسف الابراهيم، وفي هذه الكلمات الكثير من التذمر والضيق والضجر، لكنها لا تحتوي على مضمون الحلول المطلوبة لتحاشي التأزيم المستقبلي. وقد عاشت الكويت لعدة أشهر في هذا الجو المشحون الذي لا نتمنى تكراره في احدى دول مجلس التعاون، لخطورته على الأمن الوطني وعلى الاستقرار الداخلي فيها، لان المحاولات الجادة التي تعيش فيها دول الخليج في مسعاها نحو التحديث والاستنارة لابد ان تؤسس على قاعدة متينة ومتكاملة في أخذها بجميع جوانب الحداثة. ولابد ان تراعي دول الخليج في عملية التحديث والانفتاح بعض الحقائق التي سبق ان ذكرتها في مقالات سابقة، ويمكن الاستفادة من إعادة التذكير بها.. أولاً: لابد ان نعترف بأن إعياء القيادة ابرز عناصر الدمار في المجتمع، وان السلطة التي تعاني الشيخوخة تغذي النزعة البشرية نحو الاستفادة من مناخ الاسترخاء، وعندها يتفشى الفساد وتتعاظم البيروقراطية المنافقة، وتنتشر استباحة المحرمات، والتجديد هو العلاج الناجح للشيخوخة وتداعياتها، والدفع نحو تولي القيادات الشابة مسئولية القرار بما يتفق والمستجدات والتطور. ومن حسن الحظ اننا نشهد ادراك المنطقة بأهمية التغيير والتبديل بما يوفر الأفضل والأقدر. وإذا اشرنا الى مفاسد الاعياء فإننا نستذكر التاريخ البشري الذي اودى بحياة امبراطوريات شاخت وانتهت لأنها لم تستطع الوفاء بحقوق التجديد. ثانياً: اشير الى المضمون الذي حمله تقرير الأمم المتحدة عن حالة التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية، وهو التقدير الذي أجمعت الاراء على أنه لا يبعث على الارتياح، لكنه واقعي وصادق في تحليلاته، ومستقبلي في مقترحاته، حيث ينسب الاخفاقات الى غياب المؤسسات الديمقراطية وغياب المجتمع المدني، وتجريم الحرية، وملاحقة الرأي المنفتح، وتسيد الانظمة الديكتاتورية وحكم الارهاب، ويدعو التقرير الى تحكيم العقل، ورفض تخريجات الجهل، وجعل المرجعية النهائية للعقلانية مع تشجيع الحيوية الفكرية والانفتاح والاقتباس. ولابد لنا ان نعترف بأن تشخيص التقرير لا يبريء دول الخليج من التخلف والتستر وراء التقاليد خوفاً من التجديد، فاذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، فعلينا البحث عنها في كل مكان تتواجد فيه، ومن أبرز عناوين الحكمة سيادة حكم القانون وترسيخ الضوابط لسن التشريعات، ومقاومة احتكار السلطة، وتشجيع الكفاءات الواعدة، وطمأنة المواطن على مصالحه.. يدعو تقرير الأمم المتحدة الدول العربية ومنها دول الخليج الى تبني اسلوب الحداثة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً والاستفادة من تجارب الآخرين. ثالثاً: لابد من تسويق الديمقراطية المتكاملة بغضها وغضيضها في دول الخليج التي تتعامل بحذر مع حقوق الديمقراطية وشروطها، ويمكن القول بأن تجزئة المنظومة الديمقراطية في الكويت هي السبب الاكبر وربما الوحيد للوضع المتأزم في المشهد السياسي الكويتي. وبيان الشيخ صباح الذي يعبر فيه عن الأمل في تضامن السلطتين لصالح الكويت لا يمكن ان يتحقق مع التجزئة، لابد ان تتعامل الحكومة الكويتية مع المنظومة الديمقراطية باكتمال الاجزاء الغائبة منها، وهي الاقتراع الكامل والتجمعات السياسية المنظمة والمعترف بها، واذا كانت هناك حساسية من الأحزاب. يمكن الاستفادة من تجربة الاردن ومن تجربة المغرب، حيث تظل السلطة بيد القيادة العليا وفصل الأعباء التنفيذية عن ركائز الحكم. لا تنجح الديمقراطية دون أغلبية تتمتع بها الحكومة وبما يوفر لها المقدرة على التشريع والتنفيذ، ولا يمكن فصل السلطات في النظام البرلماني حيث تلتقي الحكومة مع أغلبيتها البرلمانية. وقد أفرزت الحالة الكويتية مظاهر لا علاقة لها بالديمقراطية، فنرى سلطة مجاملات، ونواب خدمات، ووزراء باحراجات، ونواب مخالفات، ونواب مشاغبات. وتتولى مدرسة المشاغبين في البرلمان الكويتي مهمة الصراخ والتشويش وارباك الرئاسة والتفسير الملتوي للائحة الداخلية، مما يدخل الأجواء في حالة من الاحتقان والشلل. واستمع الى رئيس الجلسة يستنهض روح التآخي دون مردود، لان الحالة هي افرازات الانتقاء الجزئي من صرح متكامل لا ينقص ولا يتجزأ. ولأن الكويت اختارت ما تراه مناسباً لها من عناصر الديمقراطية، تحولت الدولة الى باخرة مفقود السيطرة عليها، تسير بدفع الرياح والتيارات.. رابعاً: تعود فكرة المجلسين المقترحة في مملكة البحرين الى التخوف من تكرار تجربتها الفاشلة في بداية السبعينيات، والى مراقبة التجربة الكويتية، والاتعاظ من تعقيداتها، ولم يكن امام المسئولين في البحرين من خيار اذا ما حدث الاعتراض على نظام المجلسين الا اللجوء الى الاحزاب وتشكيل حزب للسلطة يسعى لتوفير الأغلبية الضرورية لسير التشريع، وتصوري بأن الأفكار التي تختمر في عقل المسئول في البحرين ليست بعيدة عن تلك التي تتجاذب في قطر في مسعى الى التوصل الى نظام ينسجم مع الاحتياجات السياسية لدولة قطر. وقد نشرت في الاسبوع الماضي بعض الأفكار في شكل وصايا مستوحاة من تجارب الكويت التي تعيش في حالة الشد والجذب منذ اربعة عقود، بسبب عدم قدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة التي تؤدي الى الصيغة البرلمانية المناسبة. يظل السؤال الدائم في منطقة الخليج، عن امكانية دراسة تجربة الاردن التي يتولى فيها رئاسة الوزراء مدني من خارج العائلة، ولا يوجد شيء اسمه وزارات سيادة في الاردن، لكن القوة والسلطة، مع ذلك، في يد الملك، ومازال الولاء الشعبي للنظام الملكي، وليس لمجلس الوزراء الذي كثيرا ما يتغير في الاردن. خامساً: واخيرا لابد من الالتزام بالثوابت السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نشأت عليها دول الخليج، والاصرار على حماية هذه الثوابت من تسلل التيارات الدينية والقبلية والمذهبية اليها، وقد شهدت الكويت تحولات في بيئتها المتوارثة بسبب قرارات اتخذها مجلس الامة لم يألفها المجتمع الكويتي لاسيما في التقييد الاجتماعي كما نراه في مظاهر الترفيه والتعليم والتشديد على السلوكيات العامة. ولا يمكن ان تتحول البحرين او حتى قطر الى شيء شبيه لواقع الكويت، لان ذلك سيجلب الضرر على مجتمعاتها. ربما من الفائدة قراءة التقرير الذي اعدته الامم المتحدة عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، بما في ذلك في المجتمع الخليجي الذي يحتاج الى التجديد والتحديث ليتجاوز وطأة الجمود ويخرج من الاعياء. واخر ملاحظة مستوحاة من الأسبوع العاصف التي مرت به الكويت هي تلاقي المصالح التاريخية بين أنظمة الخليج وبين المدرسة التقليدية الليبرالية التي تشابكت مع هذه الانظمة في تداخلات اقتصادية وسياسية واجتماعية، وشكلت القاعدة التي تستند عليها هذه الأنظمة. في واقعتي الاستجواب اللذين شهدتهما الكويت، اعتمدت الحكومة الكويتية على مجموعة المستقلين الليبراليين الذين وقفوا معها في استجواب وزير التربية ثم وزير المالية. وأعتقد ان الكويت لا تتحمل الاستمرار في منهج الفوضى والقلق، ومن واجب المسئولين فيها التفكير في اطلاق التجمعات الحزبية التي أرى فيها الحل الوحيد للقضاء على الطائفية والقبلية، مع انشاء حزب وطني للسلطة التي ما زالت تتمتع بالمرجعية التاريخية والاجماع الشعبي حولها.