في خطوة تعتبر الأولى من نوعها منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وتشكيل الحكومات الفلسطينية، قامت الحكومة الفلسطينية الجديدة بنشر خطة عملها، أو بالأصح برنامجها للمرحلة المقبلة وعلى سبيل التجاوز لا الحصر أطلقت عليه برنامج المئة يوم. وعليه يمكن اعتبار هذه الخطوة بأنها إيجابية لأنها على الأقل سوف تتيح المجال للرأي العام الفلسطيني، وممثليه من القوى والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، ليس لمناقشة هذه الخطة وابداء الرأي فيها، وإنما وهذا هو الأهم اجراء مراجعة وتقييم لعمل الحكومة وفقاً لها وإخضاعها للمحاسبة عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات المقبلة، وإذا لم تتح الظروف القائمة حالياً لعرض هذه الخطة على المجلس التشريعي للمصادقة عليها ومنح الثقة للحكومة على أساسها، فإنه على الأقل وانسجاماً ليس فقط مع توجهات الحكومة عبر برنامجها بإعطاء المجلس التشريعي دوره كاملاً بما يعني ذلك ممارسة دوره الرقابي والمحاسبي استناداً على الخطة المطروحة، وإنما من باب إثبات المجلس على الأقل في هذه الظروف المصيرية دوره الأساسي في المراقبة والمسألة على عمل الحكومة إنطلاقا من برنامجها، لأنه سيكون هو عرضة أيضاً لمسألة الجمهور ومحاسبته في الانتخابات المقبلة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا أطلقت الحكومة على برنامجها خطة المئة يوم، هل من قبيل اعتبار هذه الخطة كخطة طوارئ، أم أنها في سياق برنامجي يقسم فترة بقائها في السلطة كحكومة انتقالية حوالي ستة أشهر، أعطت فيها الأولوية لهذه القضايا لإنجازها في فترتها الأولى، أم لاعتبارات أخرى لها صلة بالضغوط الدولية المسلطة على القيادة الفلسطينية، ولإظهار مدى الاستجابة والجدية في تلبيتها. غير أنه أياً كانت الدوافع وراء إطلاق هذه الصفة على الخطة البرنامج، ليس من قبيل تقليل شأن ذلك وأهميته، وإنما في محاولة للتركيز على ما هو جوهري في الخطة البرنامج. فإن واقع الحال موضوعياً الذي سيجري على أساسه تطبيق هذه الخطة يقتضي من قبيل الانصاف لا المجاملة أنه لا يوفر بيئة ولا مناخاً صالحاً ولا مساعداً لإنجازها، ومن المشكوك فيه فعلاً أن تكون فترة المئة يوم فعلياً كافية لإنجاز هذه المهام. ناهيك أنه قد يتعذر بالظروف الطبيعية أن تستطيع الحكومة إنجاز هذه المهام نظراً لتعقد الأوضاع الداخلية وتشابكها، وكذلك لحجم الترهل والفساد في مؤسسات السلطة وارتباطه بمراكز قوى ونفوذ لا تعتمد على الممكنات الداخلية فحسب وإنما على جملة من التشابكات الخارجية أيضاً. إن جملة المسائل المطروحة والتي تشكل في مجملها أسس ومعايير ليس لتقييم الخطة، لأن التقييم سيأتي في مرحلة لاحقة، وإنما في اللحظة الراهنة اجراء قراءة مقاربة لها من ناحية موضوعيتها، وملموسيتها والمقدرة على ترجمتها واقعيا، فإن هذه المقاربة الأولية تشير إلى أنها وفي إطار السقف الزمني الموضوع وحجم التحديات الداخلية والخارجية، غير واقعية وممكنة التطبيق، لأنها تفتقر إلى الآليات الملموسة التي تحدد الهدف في كل مرحلة من مراحلها، وارتباطه بالخطوات التالية، وكذلك ترابطه مع الأهداف الأخرى ومستوى النجاح في تطبيقها ومدى انعكاس ذلك على الهدف العيني الملموس وارتباطه بالأهداف الأخرى. وعليه فإنه عند الإنتقال من البحث في الإطار العام للخطة البرنامج، والدخول في المضمون وكما سبقت الإشارة لذلك فإنه تستوقف المتابع القضايا التالية: ـ في المجال العام: رغم دخول القانون الأساسي والذي هو بمثابة الدستور حيز التطبيق العملي، فإن نهج فصل السلطات لا يبدو أنه مطروح عملياً وجدياً ومازالت الحكومة التي تريد أن تؤمن ذلك وفقاً للدستور على خلاف وتباين مع المجلس التشريعي على طريقة نيل الثقة منه، علاوة على أن حلف اليمين الدستورية أمام الرئيس للوزراء الجدد وممارستهم لمهامهم دون اخذ الثقة يعتبر بحد ذاته مخالفة دستورية هذا علاوة على ان خطة أو برنامج الحكومة لم ينل مصادقة المجلس عليها وهذا يعتبر بحد ذاته مؤشراً أساسياً على مدى جدية فصل السلطات، واحترام الدستور من قبل الحكومة وقبل أن تشرع في ممارسة مهامها الأخرى. ولم يذكر قانون الخدمة المدنية المعطل العمل به ولأسباب لم تكن مجهولة منذ لحظة تجميده، وهل تستطيع الحكومة الحالية وفي ظل هذه الظروف والتي يمكن اعتبارها أصعب وأكثر تعقيداً وبما لا يقاس من المرحلة التي جمد العمل بقانون الخدمة المدنية من تطبيقه ؟ أم هل ستصلح جهاز الخدمة المدنية وفقاً لأسس أخرى غير القوانين المقرة، والتي تعتبر مسألة وضع هذه القوانين حيز التنفيذ كمهمة رابعة من مهام الحكومة في المجال العام. المهمة الثالثة والأكثر أهمية وهي موضوع اجراء الانتخابات وعلى كافة المستويات، وهنا لم تقل الحكومة كلمتها، هل من الممكن اجراء أية انتخابات في ظل الوضع الحالي والذي يتواصل فيه اعادة احتلال الأراضي الفلسطينية، وثانياً على أي أساس تعاقدي وقانوني سنجري الانتخابات الرئاسية والتشريعية، هل على أساس استمرار المرحلة الانتقالية وقيودها فيما يتصل بطريقة الترشيح والانتخاب والعدد المقرر لأعضاء المجلس التشريعي أم على أسس مغايرة، وما هي هذه الأسس إن وجدت، أم هي قيد التفاوض ولم تنجز بعد. المهمة الرابعة في المجال العام وهي متصلة بأوسع قطاعات الشعب الفلسطيني تضرراً واحتياجاً، أي «تحسين معيشة المواطنين وبخاصة العاطلين عن العمل» وهذا يعني حكماً أن الحكومة لديها برنامج اقتصادي اجتماعي ستقوم وفقاً له بمعالجة هذه القضايا التي يرزح تحت وطأتها الآن أكثر من 80% من أبناء الشعب الفلسطيني، لكن الأغرب أن خطة أو برنامج الحكومة للمئة يوم يخلو من الجانب الاجتماعي الاقتصادي الذي على أساسه ستتم معالجة هذه القضية الأساسية والحساسة والتي تؤرق وتمس حياة كل مواطن فلسطيني، والسؤال الذي لم تجب عليه الخطة وفق أية أسس وسياسات ستتم معالجة مشكلة البطالة وتحسين معيشة المواطنين الآخذة في الانحدار والتدهور يوماً بعد يوم.