جان مونيه المفكر والسياسي الفرنسي والاب الروحي للمشروع الاوروبي الحديث ظل يدعو الاوروبيين، الى عدم الخوف من كلمة فيدرالية، انطلاقا من هذا المبدأ طرح يوشكا فشر وزير خارجية المانيا مشروع اقامة حكومة فيدرالية اوروبية كحل لا بديل عنه للازمة التي يعانيها الاتحاد الاوروبي ومؤسساته القائمة. الفكرة طرحت كرؤية شخصية لفشر في محاضرة له في برلين امام عدد من المفكرين والباحثين خوفا ان يحدث خطأ في التفسير ان طرحت رسميا ربما خوفا من ان تنشط الذاكرة حول احتمال تجدد طموحات المانيا القديمة!!. محور الفكرة اقامة حكومة فيدرالية اوروبية قادرة على حل مشاكل الاتحاد الحالي واستيعاب الدول الجديدة الراغبة في الانضمام اليه على ان تستمر الدولة القومية، فالفيدرالية ليست بديلا للدولة القومية التي تمثل تراثا ثقافيا وديمقراطيا لا يمكن الاستغناء عنه او تجاوزه، الهدف هنا ازالة مخاوف الدول الصغيرة من الذوبان في الكيانات الكبيرة. كما في اوروبا في افريقيا ايضا احلام، العقيد القذافي بعد ان تم اعلان الاتحاد الافريقي تحدث عن وحدة سياسية «الولايات المتحدة الافريقية» ولكن قبل ان نسرح بخيالنا كافارقة الى مواقع يصعب الوصول اليها عمليا يجب ان نعرف اولا من نحن؟ وما هي امكانيانتا؟ وما هي اهم الوسائل المتاحة لتوظيفها خدمة لمصالح كل افريقيا. افريقيا قارة غنية بمواردها الطبيعية، استقرارها سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا يفتح امامها ابواب التقدم والتطور والتنمية. افريقيا الماضي والحاضر: الخريطة السياسية لافريقيا شكلتها الارادة الاجنبية، ففي الماضي كانت اوروبا مركز الكون وهي القوة الكبرى المتحكمة في كل اطراف الارض عبر اساطيلها وجيوشها المنتشرة في كل القارات. اطماع الدول الاوروبية في التوسع ادى الى مزيد من الاحتكاك والحروب بين دولها الى ان توصلت هذه الدول الى ما عرف بالوفاق الاوروبي «الحلف المقدس» بعد الحرب النابليونية الذي ادى الى استقرار اوروبا والى استمرارية السلام فيها الى اكثر من مئة عام. في هذه المرحلة سعت اوروبا باتفاق جماعى الى تقسيم افريقيا وقد تم ذلك فعلا في مؤتمر برلين عندها ربطت الارض الافريقية بالدولة المالكة لها. دخول المستعمر افريقيا وفقا لاتفاق برلين اعقبته تحولات كبيرة اخطرها على الاطلاق الحرب العالمية الاولى والثانية. الاخيرة كانت اعلان نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة تميزت باتساع دائرة الوعى وانتشار حركات التحرر في كل انحاء العالم مطالبة بالحرية وبخروج المستعمر من افريقيا واسيا الذي ادى في النهاية الى كتابة الصفحة الاخيرة في الحقبة الاستعمارية على الاقل في شكلها القديم. في هذه المرحلة «الثانية» تزايدت وبصورة غير مسبوقة اعداد الدول المستقلة وتراجع دور الدول الاوروبية بعد تغيير موازين القوى وظهور الولايات المتحدة على رأس المعسكر الغربي والاتحاد السوفييتي على رأس المعسكر الشرقي هكذا علمنا التاريخ المنتصر في الحرب هو الذي يتحكم والى حد كبير في المرحلة اللاحقة لها وان سميت «حربا باردة». في ظل نظام ثنائي القطبية كل طرف فيه يريد ان يمارس الحرب ضد الطرف الآخر بالاسلوب الذي يجيده ويمكن ان يبدع فيه، ابتكر الاتحاد السوفييتي مع تمدد حركات التحرر أساليب كثيرة ازعجت المعسكر الغربي وكذلك فعل الاميركان. افريقيا كانت واحدة من الساحات المفتوحة للصراع بين القطبين. في هذه المرحلة تحررت افريقيا تماما الا من بعض الجيوب في الجنوب الافريقي وتمكنت من تكوين آلية للعمل الجماعي هي منظمة الوحدة الافريقية التي تم وداعها قبل ايام في مؤتمر القمة الافريقي باعلان الاتحاد الافريقي، المرحلة الاخيرة جاءت فجأة لسبب بسيط وهو السرعة التي تم فيها انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية وما ترتب على نهاية الحرب الباردة من تغيرات اساسية لها طابعها المميز لها في ظل نظام احادى القطبية. لسوء حظ افريقيا حدث هذا التحول وهي في المؤخرة اقعدها عن النهوض امراض كثيرة اضافة لعجز النخب السياسية وفسادها. عنصر آخر زاد من مصاعب الدول الافريقية هو تهميش اوروبا واميركا لها بعد ان تغيرت الاولويات، الان اوروبا واميركا اتجهتا شرقا لترسيخ الديمقراطية والثقافة الغربية في اوروبا الشرقية فهي الاهم والاولى بالمساعدات اما المقدم لافريقيا ففي حالة تناقص مستمر. بالرجوع لمجمل الانجازات التي تمت في القرن الماضي نجد ان العالم قد حدث فيه تطور غير مسبوق في مجالات العلوم وتكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية وفي الاسس التي تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع وهو الاهم هدف التنمية واداتها، تم كل هذا في المجتمعات المتقدمة فلكل خطوة فيها هدف واحد هو ان تكون في النهاية في خدمة المواطن. في افريقيا الصورة مختلفة الانسان في مؤخرة اولويات نظمها الحاكمة فهو محروم من ابسط حقوقة، فيها تعثرت المسيرة في مرحلة ما بعد الاستقلال لاسباب موضوعية اهمها ضعف الحركة السياسية وضمور المجتمع المدني، النخب السياسية التي قادت معارك التحرير كانت صادقة في توجهاتها ووفية لشعوبها لكنها لم تكن عمليا مستعدة لمرحلة ما بعد رحيل المستعمر، فهي لم تكن تملك الرؤية والبرامج المفصلة القادرة على مخاطبة قضايا الناس لذلك لم تشعر الجماهير في البداية الا بتغير العلم والنشيد والحاكم الابيض الذي حل محلة حاكم مختلف عنه في اللون ولكنه يمارس نفس الطقوس التي تعلمها ممن سبقوه اهتم الحاكم الجديد بالمظهر وبآليات الدولة القمعية حماية لسلطته وسلطانه الذي تهدده المعارضة وهي العدو الاول للوطن في نظره. وفي تقرير لواحدة من منظمات حقوق الانسان جاء فيه: ان في احدى الدول الافريقية يوجد في احد اركان مستشفياتها العامة عنبر اطلق عليه تجاوزا عنبر الحالات النفسية، ادارة هذا العنبر لا علاقة لها بادارة المستشفي، علاقتها فقط بعدد محدود تم اختياره وتدريبه لمتابعة ومعالجة من تكتب له الحياة من جديد، باختصار شديد العنبر مركز لعزل معارضي النظام بحجة انهم فقدوا عقولهم والواجب حفظهم اما الكيفية التي يتم بها حفظهم فهي سر من اسرار الدولة!! وزاد من متاعب المواطن الافريقي تعرض القارة السمراء لسلسلة من الكوارث الطبيعية الجفاف التصحر السيول الامراض الفتاكة في مقدمتها مرض الايدز الذي اصبح من اخطر التحديات التي تواجه الانسان. في افريقيا اكثر المصابين بالمرض واعلى معدلات للاصابة ولحاملى الميكروب ( HIV ) مما انعكس سلبا على صحة واداء مواطنى دول كثيرة في افريقيا، اوغندا، جنوب افريقيا، زيمبابوي...الخ وفي منتصف الثمانينيات ضرب الجفاف والتصحر منطقة الساحل والصحراء وقضى تماما على كل مظاهر الحياة فيها، لم تقف مصائب الانسان الافريقي عند هذا الحد بل اضاف لها سوء الادارة وفساد الحكم ابعادا اخرى فتحت الابواب للاحتقانات الاجتماعية والصراعات المسلحة. لمعالجة هذه القضايا جماعيا سعت شعوب افريقيا وحكوماتها الى اقامة منظمات اقليمية تهتم بالبعد الاقتصادي والامني وهي روافد للمنظمة الام منظمة الوحدة الافرقية مثل الايكواس الكوميسا سادك اضافة الى منظمة لفض النزاعات داخل القارة، الاخيرة وجدت اهتماماً اوروبياً اميركياً. على مستوى منظمة الوحدة الافريقية ثم انشاء آلية منع وادارة وتسوية النزاعات في افريقيا. في مؤتمر القمة الافريقي الذي عقد في القاهرة في يونيو 1993 ووضعت لها اللوائح التي تحدد اختصاصاتها وتضمن انضباطها، يتضح هذا من المبادئ الاربعة التي وضعت كموجهات عامة وهي: ـ المساواة في السيادة بين جميع الدول. ـ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول. ـ احترام سيادة كل دولة وسلامة اراضيها. ـ عدم انتهاك الحدود الموروثة وهي النقطة التي اهتم بها الرواد وضمنوها في ميثاق منظمة الوحدة تحوطا من اى صراعات قد تنشأ عند محاولة اعادة صياغة خريطة افريقيا السياسية. الاتحاد الافريقي وتحديات المستقبل: لقد تم اعلان الاتحاد الافريقي والقارة الافريقية مواجهة بمخاطر كثيرة خاصة ونحن في عصر لا مكان فيه للضعفاء او القابلين فقط بما يجود به الغير، عصر تغير فيه كل شيء بعد ان تربعت اميركا من غير منازع على موقع الصدارة فيه، لهذا بدأ حديث عن نهاية التاريخ الى ان جاءت احداث 11 سبتمبر الفاصلة بين مرحلتين مختلفتين اذ تغير كل شيء في الدنيا بعد لحظات من وقوع الحادث. اخيرا بعد ان هدأت النفوس تأكد للجميع ان قضايا الارهاب كما تسميه الولايات المتحدة كبيرة ومعقدة، اسامة بن لادن والقاعدة ربما كونا جزءا منها ولكن هناك اسباباً ودوافع ان لم يتم التعامل معها بعقلانية سوف يستمر العنف والصدام وان اختلفت مواقعه واشكاله ربما لهذا السبب اختلفت لغة مؤتمر قمة 8 في كندا الذي تحدث عن الشراكة وعن اعطاء دور للشعوب لتحمل مسئولية ادارة شئونها وربط الشراكة بالمنافع المتبادلة وبالديمقراطية وحقوق الانسان، ربط المساعدات والشراكة بقضايا الحريات دليل بان العالم اليوم يتجه نحو الانفتاح والتكتل والشفافية والديمقراطية. لنجاح الاتحاد الافريقي على القائمين عليه استيعاب الواقع الافريقي والمتغيرات العالمية والاستفادة من تجارب غير الخاصة التجربة الاوروبية وان اختلفت المجتمعات الافريقية وهي مجتمعات متخلفة عن المجتمعات الاوروبية اهم النقاط الواجب الاهتمام بها نجملها في الاتي: ـ ان تهتم مفوضية الاتحاد الافريقي وهي الجسم البديل للامانة العامة بالبعد الشعبي وادخال منظمات المجتمع المدني كحلقة مهمة في انشطتها، نجاح الاتحاد الافريقي مرتبط بان يكون اتحاداً للشعوب قبل ان يكون اتحاداً للحكومات. ـ القضايا المركزية في افريقيا هي الحريات العامة، الديمقراطية، حقوق الانسان، وهي قضايا في مجملها لا يقبل الجدل حولها تعميمها في اركان القارة ورعايتها من مؤسسة جامعة لكل شعوبها قضية اساسية وضمان للاستقرار ولاستدامة الديمقراطية بعد ان تصفي نهائيا كل جيوب الانظمة الشمولية الباقية. ـ الاهتمام الجماعي بتحسين نوعية حياة الانسان الافريقي، ازالة اثار الحروب، الفقر، المجاعات. ـ قفل ملفات العنف والانقلابات العسكرية بتعميق ثقافة السلام والحوار والحلول السلمية. ـ التركيز على التنمية بكل ابعادها. استنادا على الاعتماد على الذات، التكامل اقليميا، والشراكة على المستوى الذي طرح اخيرا. ـ الاهتمام بنوعية التعليم والتخصصات النادرة والعمل على بناء قاعدة علمية افريقية تمكنها من النهوض اعتمادا على عقول وسواعد ابنائها.