لا أعتقد ان احدا في الاردن يناقش دستورية حق ملك الاردن في تغيير رئيس الحكومة متى ما شاء، سواء بحضور مجلس الامة ام في غيابه، فبموجب الدستور الاردني، فان الملك يأخذ عددا محدوداً من القرارات بدون تنسيب من السلطة التنفيذية التي يرأسها. الاول هو تعيين رئيس الوزراء اما الوزراء فلا يعينون الا بناء على تنسيب من الرئيس المعين من الملك. والثاني هو اعلان الحرب بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة اما اي قرار اخر، فلا يأخذه ملك الاردن الا بتنسيب إما من مجلس الوزراء كله، او بتنسيب من وزير الداخلية ورئيس الوزراء في حالة حل البرلمان، او دعوته للانعقاد في دورة عادية او استثنائية وفي حالة فض الدورات العادية والاستثنائية. والملك عادة لا يأخذ قرار تغيير مجلس الوزراء عشوائياً، بل بناء على تقييمه للظروف في البلد. وقد كان هذا صحيحاً ايام الملك المؤسس عبدالله بن الحسين، ومن بعده الملك طلال، فالملك الحسين، فالملك عبدالله الثاني. وقد كان التغيير السريع في الحكومات يأتي احياناً لظروف غير مفهومة تماماً للشارع الاردني المسيّس جداً، ولكنها في معظم الاحيان كانت تتزايد مع ظروف التحول. وفي فترات الاستقرار كان عمر الحكومات يطول اكثر، بينما يزداد التغيير في فترات التقلب الاقليمي والدولي والداخلي. واذا عدنا الى عهد الستينيات لرأينا ان عمر الحكومات كان في معدله اطول من الخمسينيات حين كان الاردن مهددا بالانقلابات والتحولات. وفي السبعينيات خاصة بعد عام 1971 رأينا ان ثلاثة رؤساء وزراء حكموا لمدد معدلها اكثر من ثلاث سنوات، وهم احمد العوزي، وزيد الرفاعي ومضر بدران. وبينما لم يكتب للشريف عبدالحميد شرف الذين عيّن في شهر ديسمبر 1979 ان يعيش، فتوفي بعد ستة اشهر من تعيينه رئيساً للوزراء فجأة وتلاه لمدة تقل عن شهرين الدكتور قاسم الريماوي الى ان عاد مضر بدران في شهر 8/1980 ليستمر رئيساً للحكومة حتى شهر 1/1984، ليتلوه احمد عبيدات لمدة تقل عن «16» شهرا، ثم جاء زيد الرفاعي لمدة تقارب «4» سنوات حتى شهر 4/1989. وعادت في عام 1989 الحياة البرلمانية، بعد حوادث داخلية احتجاجاً على تراجع الدينار وتدهور الاوضاع الاقتصادية. وكأن ذلك لم يكن كافياً، فقد انهار بنك البتراء، وتكشف الامر عن مديونية خارجية تفوق الـ «8» مليارات دولار. وبعد ذلك احتل العراق الكويت وكانت حرب الخليج وما تلاها من ويلات على الاردن. وبعد ذلك جاءت عملية السلام واضطر الاردن ان يأخذ قرارات غاية في الصعوبة سواء على مستوى السياسة الخارجية «السلام مع اسرائيل والتكيف مع مقاطعة الخليج، وغضب الغرب على الاردن»، والسياسة الداخلية «انخفاض الدينار، ارتفاع المديونية، ارتفاع الاسعار، عودة اكثر من ربع مليون الى الاردن من الكويت، عودة الحياة السياسية التي افرزت معارضة قوية اسلامية ويسارية». وامام كل هذه الظروف الصعبة والمعقدة بدءا من تأمين تزويد النفط الى توسيع البنية التحتية، الى مواجهة الحصار، الدولي الى فقدان الاسواق الخارجية، وغيرها، كانت الحكومات تتصدى لقرارات صعبة جدا تفقد بسببها شعبيتها. وكان الملك يغيرها، وفي كثير من الاحيان رأفة بها. اما الان فان الملك عبدالله يشعر ان الاوضاع بدأت تستقر، وانه لا داعي للتغيير، وهذا قرار صحيح. ولكن التغيير قد حصل فعلي ابو الراغب هو رابع رئيس حكومة تحت افياء الملك عبدالله، وثالث رئيس وزراء يعينه الملك عبدالله الثاني نفسه. فالمهندس ابو الراغب قد عدّل حكومته تعديلين واسعين، وكذلك استقال واعيد تعيينه بعد تسلمه الحكومة من عبدالرؤوف الروابدة، الاول رئيس حكومة عينه الملك عبدالله الثاني بعد استقالة الدكتور فايز الطراونة الذي عمل تحت ظل الملك الجديد لمدة شهرين او أقل. ولذلك، فان التغيير لم يكن قليلاً، ومعدل عمر الحكومة منذ عام «1999» لا يتجاوز العشرة اشهر، ولذلك، فان من حق الملك عبدالله ان يصر على الاستمرار. وهو يرى ان الصالونات السياسية هي التي تضغط باتجاه التغيير، او على الأقل هذا ما يستمر رئيس الحكومة الحالي بالقول به امام الملك، وبأنه عاجز عن عمل كل ما يستطيع بسبب الاحباط الذي يعاني منه لكثرة النقد والشكوى من الصالونات السياسية. وكذلك رأينا ان احمد الجار الله رئيس تحرير «السياسة» الكويتية، قد كتب مقالا نشرته صحيفة «الرأي» الاردنية على صفحتها الاولى الاسبوع الماضي يتحدى فيه اصحاب الصالونات السياسية بأسلوب تجاوز في رأيي حدود اللياقة قليلاً، ولربما يكون لجار الله ثارات ضد بعض رؤساء الوزراء السابقين ممن يتهمهم بالتحيز للعراق على حساب الكويت. وبغض النظر عن اهداف الجار الله، فان للاردن حساباته وخصوصياته. ان تغيير الحكومات هو قرار ملكي. وقد عودنا ملوك بني هاشم الاشاوس ان يدعموا رؤساء حكوماتهم حتى لا يبقى لدى هؤلاء عذر يبررون به اي فشل لديهم في تحقيق الاهداف الواردة في كتاب التكليف السامي. ولا أقول ان المهندس علي ابو الراغب قد فشل او نجح، ولكنني اذكره بيوم ما في المستقبل حين يصبح هو نفسه متهماً بأن لديه صالوناً سياسياً ينتقد فيه من جلس مكانه في مكتب الدوار الرابع.