بيان الاربعاء: مضت فترة كافية من الوقت منذ ان ألقى الرئيس بوش بيانه المتعلق بالشرق الاوسط، رغم ذلك فإن اصداء ما ورد في ذلك البيان لم تهدأ ولو لحظة واحدة وفي «جبل الكلام» الذي لايزال يتراكم منذ لحظة إلقاء البيان تبرز اسئلة محيرة لا تتوقف عن الاطلال بعناد من بين الركام: اذا كانت المبادرة الاميركية تدعو لانسحاب اسرائيل وانهاء «احتلالها الذي بدأ عام 1967» حسب قول الرئيس بوش، فضلا عن تجميد المستوطنات خلال المرحلة الانتقالية السابقة للانسحاب، فلماذا اذن اعتبرها ارييل شارون خطوة ايجابية؟ قد يقول البعض في سياق محاولة الاجابة عن هذا السؤال ـ ان رئيس الوزراء الاسرائيلي يهدف من قبول المبادرة الاميركية الى ابعاد ياسر عرفات اي انه مستعد للقبول بالدعوة لانهاء الاحتلال ووقف المستوطنات مقابل ابعاد الرئيس الفلسطيني ولكن اجابة من هذا النوع لا تجيب عن شيء، انها ـ فحسب ـ تطرح اسئلة اخرى. أليس من المثير للدهشة ـ مثلا ـ ان تقبل اسرائيل بانهاء الاحتلال مقابل ابعاد عرفات؟ هل كان عرفات ـ وكشخص هو الذي ادى الى احتلال اسرائيل للضفة والقطاع حتى يمكن الآن افتراض ان شارون سيقبل بمعادلة «عرفات مقابل الارض»؟ هل كان عرفات هو سبب اقامة المستوطنات حتى يمكن الاطمئنان الى ان ابعاده سيؤدي الى تفكيكها؟ ثمة شيء محير في هذه المعادلة التي ترفض ان تدخل الى الرأس بسهولة، أي معادلة عرفات مقابل الارض، ولكن من المحتمل مثلا ان شارون يرغب ايضا في انهاء الانتفاضة الفلسطينية، وانه مستعد لسحب قواته من الضفة والقطاع مقابل ذلك، المشكلة في هذا الافتراض باختصار هي انه افتراض ابله، ذلك ان الاحتلال لم يأت كنتيجة للانتفاضة بحيث يمكن افتراض زواله اذا ما انتهى سببه، اي اذا توقفت الانتفاضة، ان العكس هو الصحيح فقد بدأت الانتفاضة الاولى ثم الثانية ـ كنتيجة للاحتلال وليس كسبب له. لماذا اذن قبل شارون بمبادرة الرئيس بوش؟ ولماذا يعتبرها خطوة ايجابية؟ فلنحاول رصد الاجابة التي يقدمها الاسرائيليون انفسهم عن هذا السؤال المحير، ففي حوار جرى مع بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق في نيويورك قدم نتانياهو رؤيته للتقييم الاسرائيلي لافكار الرئيس الاميركي، وسوف نورد هنا مقاطع باكملها من هذا الحديث الذي بثته محطات تلفزيونية اميركية ونشرته بعض الصحف ذات الصلة الوثيقة بالجالية اليهودية الاميركية. اجرى الحديث المعلق الاميركي المعروف ايضا بتطرفه كال توماس الذي بادر بسؤال نتانياهو عن رأيه في بيان بوش فقال رئيس الوزراء الاسرائيلي: ـ لقد كانت مشجعة للغاية، انها المرة الاولى التي نرى فيها رئيساً أميركيا يقف بقامة طويلة كي يضع اللوم دون تردد على اكتاف من يستحقون اللوم، ويطالب بوضوح بتغيير في نظام السلطة الوطنية الفلسطينية وفي سلوك الفلسطينيين على وجه العموم انه امر يرفع المعنويات. واضاف لقد سرد الرئيس بوش موقفه من هذا، فقد قال ان القيادة الفلسطينية المقبلة يجب ألا تكون ملوثة بالارهاب ويدرك الرئيس بوش واركان ادارته ان عرفات ملوث بالارهاب، بل انه احد رؤوسه وفي كل الاحوال فإن القيادة الفلسطينية المقبلة يجب ان تكون ملتزمة بأمرين الاول هو التعهد بالتخلي عن حق العودة، اي ان التخلي عن فكرة اغراق الدولة اليهودية بفيض من ملايين الفلسطينيين بحجة حل مشكلة اللاجئين، والثاني هو انهاء الارهاب ووقف الحض على الكراهية اعلامياً وتعليمياً، وموقفي في حالة تحقق الشرطة ان نمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً في بعض مناطق الضفة وغزة اي دون ان يمارسوا اي حقوق سيادية ذلك انهم يريدون استخدام هذه الحقوق للقضاء على اسرائيل». ـ قد قال الرئيس بوش في بيانه انه سيكون هناك دولة فلسطينية ذات سيادة؟ ـ لقد اشترط الرئيس لذلك تحقيق مجموعة من الشروط ينبغي على الفلسطينيين تنفيذها أولاً، وقف الارهاب والعنف والتحريض واصلاح المؤسسات الفلسطينية واعادة بنائها على أسس من الشفافية والديمقراطية، وانني واثق ان الفلسطينيين لن يحققوا شيئاً من هذه الشروط، انهم فرق مختلفة تتحكم فيها مشاعر كراهية اليهود، فإذا ما حاولت ان تلبي هذه الشروط فإن مجموعات أخرى ستنقضها. ـ فإذا أعيد انتخاب عرفات على أي حال؟ ـ عليه ان ينفذ الشرطين اللذين أشرت إليهما، إذ ان الأمر بالنسبة لنا ليس أمر اشخاص بعينهم ولكنه أمر سياسات. ـ ذكرت ان أي دولة فلسطينية قد تستخدم مجالات سيادتها لتدمير اسرائيل، هل هذا هو سبب اعتراضك على مبدأ الدولة الفلسطينية الذي أشار إليه بوش؟ ـ نعم، وانني أود أن أسمع من الرئيس بوش المرة المقبلة مجالات السيادة للدولة التي تقدمها، إذا افترضنا انه سيكون هناك ذات يوم دولة فلسطينية. ـ لقد أشار الرئيس إلى هذه الدولة، كيف ترى اذن ان بيانه كان مفيداً؟ ـ لقد كان البيان مفيداً من زاوية أنه غير موضوع النقاش، فبعد ان كانت المسألة هي الضغط على اسرائيل لتقديم تنازلات تحولت إلى الضغط على الفلسطينيين لوقف الارهاب والتحريض والكراهية واقامة مؤسسات ديمقراطية، فضلاً عن ذلك فإن بوسع الرئيس الآن ان يستخدم فترة انتظار اتمام الاصلاحات الفلسطينية وتفكيك المنظمات الارهابية كي يتصدى لأمور عاجلة اخرى مثل العراق. ان خطاب الرئيس بوش علق أي أمل باقامة الدولة الفلسطينية بتغيير السلوك الفلسطيني وتغيير القيادات الفلسطينية بصورة تامة وبناء مؤسسات ديمقراطية حقاً ووقف العنف والارهاب وحملات الكراهية وقد عرف الشرق الأوسط معجزات كثيرة في تاريخه إلا ان مثل هذه المعجزة لن تتحقق أبداً. نهاية اللعبة وهكذا انتهى حديث نتانياهو الذي بلور بصورة واضحة الاجابة عن ذلك السؤال المحير المتعلق بأسباب قبول اسرائيل لمبادرة الرئيس بوش، فقد أوضح رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق ان نهاية المطاف بالنسبة للفلسطينيين هي حكم ذاتي في مناطق من الضفة والقطاع، فإذا افترضنا ان شارون أكثر «سخاءً» من نتانياهو، واذا افترضنا ان هناك ترتيبات مسبقة بين اسرائيل والولايات المتحدة لتحديد مؤشرات بيان الرئيس الأميركي فإن من المحتمل ان «يسمح» رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي باقامة الدولة التي تحدث عنها بوش ـ كنهاية للعبة بأكملها ـ شرط ان يكون الفارق بين تلك الدولة وصيغة الحكم الذاتي فارقاً واهياً وشكلياً، ذلك ان هذا الفارق يكمن في أمر واحد، هو حقوق السيادة، من قبيل بناء قوات مسلحة وحق توقيع معاهدات مع دول أخرى، وقد تردد في واشنطن ان الادارة الأميركية واسرائيل متفقتان على ان يأتي أي كيان فلسطيني مقبل مجرداً من مثل هذه الحقوق، فضلاً عن ذلك فإن نتانياهو كان دقيقاً في اشارته لأهمية حقوق السيادة في أي صيغة أميركية تتعلق بمستقبل الفلسطينيين. فإذا قدمت واشنطن تعريفاً باهتاً لهذه الحقوق فإن ذلك لن يشكل في واقع الأمر أي فارق جوهري بين الحكم الذاتي والدولة الفلسطينية إلا من الوجهة الشكلية فحسب، خاصة وانه سيكون بوسع اسرائيل اجتياح مناطق هذه الدولة الجديدة دون عناء حين ترى ذلك مناسباً، هذا إذا افترضنا أصلاً ان «المعجزة» التي أشار إليها نتانياهو ستتحقق، أي إذا افترضنا اننا سنشهد بالفعل اقامة دولة فلسطينية. ثم ان بنيامين نتانياهو مس أيضاً ـ على نحو غير مباشر ـ جانباً أساسياً في مبادرة الرئيس بوش، ذلك هو انها تفسح مجالاً واسعاً لاعتراضات وعراقيل اسرائيلية قد لا تنتهي. يتضح ذلك مثلاً في اشارة رئيس الوزراء الاسبق إلى شرط «انهاء الارهاب والتحريض والعنف وتعديل سلوك الفلسطينيين». فإذا لم يكن تعريف الارهاب ـ بالمفردات الاسرائيلية ـ فضفاضاً بقدر كاف، فإن تعريف العنف يكفي لاضافة هامش أوسع للعراقيل، ذلك انه إذا ألقى صبي فلسطيني حجراً على دبابة اسرائيلية تمر في شارع بأحد المخيمات فإن ذلك يعد في نظر الاسرائيليين عملاً من أعمال العنف، اي انه يكفي للبرهنة على ان الشعب الفلسطيني لم يحقق الشروط التي حددها الرئيس بوش، ومن ثم فإن بوسع اسرائيل التراجع عن الوفاء بالتزاماتها التي ستأتي لاحقاً. ويضيف شرط انهاء التحريض بضعة أميال اضافية لهامش العراقيل الاسرائيلية المحتملة، إذ ما هو بالضبط تعريف التحريض؟ ان هناك خلافاً مع اسرائيل حول تعريف الارهاب، رغم ان الارهاب أقل غموضاً وأكثر تعددا من التحريض، فإذا القى تلميذ في مدرسة ثانوية خطاباً في طابور الصباح يتحدث فيه عن حقوق الشعب الفلسطيني فإن ذلك قد يعد تحريضاً، إذ ان الحديث عن الحقوق يتناول ولو بصورة غير مباشرة أولئك الذين سلبوها. ثم ما هو بالضبط المقصود بتعديل السلوك الفلسطيني؟ ان خطاب الرئيس بوش حافل بتعبيرات غامضة تقبل عشرات التفسيرات المتباينة، وهكذا فإن ذلك يمنح الحكومة الاسرائيلية ذخيرة لا تنتهي لاطلاق النار ـ لاحقاً ـ على عملية السلام التي يقول الرئيس الأميركي ان بيانه جاء لاحيائها. إلا ان المسألة الأكثر حساسية في بيان الرئيس وفي قراءة رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق لمغزاه هي تلك التي تتعلق بالرئيس ياسر عرفات، فالمطلوب ـ كما هو واضح ـ ابعاد عرفات وبالاضافة إلى كافة التساؤلات المنطقية عن حق الولايات المتحدة في فرض خيار من الخارج على الشعب الفلسطيني في نفس لحظة مطالبتها باقرار مؤسسات ديمقراطية، اي تعبر عن رغبات هذا الشعب، فإن قضية عرفات او لا عرفات تكتسب اهميتها من انها وضعت المعادلة بأكملها في اطار رابح للاسرائيليين في الحالتين معاً. ذلك ان اعادة انتخاب عرفات في يناير المقبل ستؤدي الى تذرع اسرائيل بان احد اهم شروط الرئيس بوش ـ اي تغيير القيادة الفلسطينية ـ لم يتحقق ومن ثم فإن ذلك يعفيها من اداء مسئولياتها التي ذكرها الرئيس الاميركي. واذا جاء عرفات فإن ذلك يعني ـ من الوجهة العملية ـ وضع سياسة واشنطن بأكملها رهينة لموقف آرييل شارون، بأكثر مما هو الحال الآن. واعادة انتخاب عرفات لابد ان تفضي الى رسالة مختصرة للرئيس الفلسطيني يوجهها شارون: اما الموافقة على شرطي التنازل عن حق العودة «وتصفية» المنظمات التي تعتبرها اسرائيل ارهابية ـ وذلك كما حدد نتانياهو بدقة ـ او مواجهة اعتراض اسرائيلي ـ اميركي على القيادة الفلسطينية «الجديدة»، لانها ليست جديدة بالفعل طبقا لما حدده جورج بوش. وبعبارة اخرى سيؤدي اعادة انتخاب الرئيس عرفات الى منح اسرائيل حق الفيتو على تنفيذ المبادرة الأميركية. فإذا رأت اسرائيل ان القيادة الفلسطينية حققت شرطي نتانياهو ـ وهما بالمناسبة شرطا شارون ايضا ـ او مواجهة بيان جديد من الرئيس بوش يعلن فيه ان مبادرته اصبحت لاغية لان شرط تغيير القيادة الفلسطينية لم يتحقق. أرباح اسرائيل ولا تقتصر المشكلة على ذلك ـ رغم فداحتها ـ اذ انها تمتد الى بحث الارباح الاسرائيلية التي ستتحقق في النصف الثاني من العام الجاري من جراء المبادرة الاميركية. فالمفترض ان السلطة الوطنية تشرع الان في اعادة هيكلة الاجهزة الامنية، وان هناك مناقشات تدور حول تطويق «العناصر الارهابية» ومنظماتها. فماذا اذا فعل الفلسطينيون ذلك في الشهور الستة المقبلة ثم تبعوا ذلك بإعادة انتخاب عرفات؟ اليس بوسع الادارة الاميركية ان تقول آنذاك انهم لم ينفذوا «كل» المطلوب منهم وذلك على اساس ان تغيير القيادة الفلسطينية كان جزءا من ذلك المطلوب؟ ان ذلك «المطلوب» يمنح اسرائيل بالفعل حرية مطلقة في عرقلة وتجميد سياسة واشنطن ازاء المنطقة، فضلا عن ان بعضه يصلح كنوادر تاريخية. من ذلك مثلا الاشارة الى تعديل السلوك الفلسطيني، اذ من سيمنح هذا الشعب ـ الذي يرزح تحت نيران احتلال اشار اليه بوش نفسه ـ شهادة حسن سير وسلوك تكفل له الحصول على حريته؟ لقد اشارت تقارير اميركية الى ان البيان اثار حيرة واسعة في ارجاء الادارة الاميركية نفسها من حيث انه احاط بالغموض مجموعة من القضايا المفصلية، بل ان شيمون بيريز اكد ذلك بعد ان اعرب عن «حيرته» ازاء ما ورد في خطاب الرئيس بوش. وهناك مثال واضح على ذلك يتضح من الكيفية التي صاغ بها الرئيس بوش العبارة المتعلقة بوقف بناء المستوطنات. ففي حين لم يشر الرئيس الاميركي في اي موضع آخر في بيانه الى توصيات لجنة ميتشيل، فإن هذه التوصيات اطلت برأسها على نحو مفاجيء حين جاء ذكر المستوطنات. ويعرف الجميع ان توصيات لجنة ميتشيل هنا اصبحت في ذمة التاريخ، بل ان بيان الرئيس بوش نفسه يعني ذلك، اذ لماذا القى بيانه اصلا اذا كانت تلك التوصيات لا تزال تصلح كأساس للتسوية؟ رغم ذلك فإن بيان بوش اعاد تلك التوصيات الى الحياة ليس عند الحديث عن انسحاب اسرائيل مثلا الى خطوط 28 سبتمبر 2000 ـ حسبما طلب الرئيس بوش ـ ولكن عند الحديث عن المستوطنات.. لماذا اذن؟ توصيات ميتشيل ـ كما سماها واضعوها ـ هي صفقة متكاملة. وحين يذكرها الرئيس بوش عند الكلام عن المستوطنات فإنه يمنح اسرائيل بذلك فرصة اضافية للتحلل من شرط تجميد المستوطنات، اذ بوسع شارون ان يقول ان بيان الرئيس بوش طلب وقف المستوطنات «على اساس ان ذلك يعد جزءا من توصيات لجنة ميتشيل». وحيث ان بقية التوصيات لم تنفذ ـ وهي لن تنفذ لان احدا لا يطالب الآن بتنفيذها بعد احالة نصها باكمله الى الاستيداع ـ فإن من حق شارون ان يتملص من اي مطالبة بوقف المستوطنات دون ان يبدو انه يخالف بيان الرئيس بوش، اذ بامكانه ان يقول ان وقف المستوطنات ـ طبقا لهذا البيان ـ منسوب الى توصيات ميتشيل، وانه ليس بامكان اسرائيل تنفيذ الجزء دون تنفيذ الكل. ولكن لماذا «بعث» نص بيان بوش توصيات لجنة ميتشيل الى الحياة فجأة؟ انها ليست مصادفة بطبيعة الحال، وهي ايضا لم تأت «عفو الخاطر» او على نحو تلقائي. ذلك ان البيان صيغ 28 مرة متعاقبة طبقا لتقرير نشرته لوس أنجلوس تايمز، وذلك حتى تمكن محور نائب الرئيس ووزير الدفاع من زرع مقولة ابعاد عرفات، ومن «تشذيب» النقاط الاساسية وفق منطق محدد وواضح لهما معاً. لم تأت اذن الاشارة الى توصيات ميتشيل، التي سبق ايضا ان وردت في خطاب الرئيس في ابريل الماضي، من قبيل السهو. وطبقا للوس انجلوس تايمز ايضا فإن بعض العاملين في وزارة الخارجية اصيبوا بالذهول عند سماع النص النهائى للبيان كما القاه جورج بوش. فقد كانت النقاط الاساسية التي اقترحتها الوزارة عند بدء الاعداد لمحتوى البيان مختلفة بصورة جوهرية عما جاء في النص النهائي. ولخص مسئول بالوزارة ما حدث للصحيفة الاميركية بقوله بدأنا من منطلق ان هناك شريكين في عملية السلام التي يجب ان تبدأ وانتهينا الى ان هناك شريكا واحداً، فيما ينبغي ان نوجد الشريك الثاني اذا كان لنا ان نتقدم على طريق بلورة حوار له معنى». الا ان انصار اسرائيل في الولايات المتحدة لا يقلون حماسا لبيان الرئيس عن بنيامين نتانياهو رغم النص على وقف المستوطنات بل انهم يعتبرون هذا النص «ثانوياً» اذا ما قورن بالزخم العام لما حدده الرئيس الاميركي فضلاً عن انهم يقدمون بطبيعة الحال تفسيرهم الخاص لذلك الزخم. هناك مثلاً الكاتب المعروف جورج ويل الذي يعتبر شارون «صبوراً اكثر مما ينبغي» مع الفلسطينيين وارهابهم فقد كتب ويل في عامود تنشره مئات الصحف الاميركية ان الرئيس بوش انهى تردد الادارة واتخذ الموقف الشجاع الذي كان ينبغي ان يتخذه من البداية ان موقف رفض دور الوسيط المحايد بين الارهاب من جهة وضحايا الارهاب من جهة اخرى اما بين الفلسطينيين واسرائيل. وفيما لا يذكر ويل قضية وقف المستوطنات من قريب او بعيد فإنه يتناول مسألة الدولة الفلسطينية المؤقتة وذلك في سياق الحديث ايضاً عن معالم «سيادتها» اذ يقول ويل «في سبتمبر 1938 تم منح جزء من تشيكوسلوفاكيا لمن قالوا ان هذا الجزء هو حق لهم الا ان ذلك فتح شهية هؤلاء لالتهام البلد بأكمله بعد ستة أشهر فقط». ويعيد ويل بهذه المقارنة التاريخية ما حدث حين طالب هتلر بجزء من تشيكوسلوفاكيا عام 1938 بدعوى ان ذلك الجزء كان المانياً في السابق وحين قرر البريطانيون الموافقة على منح ذلك الجزء للرايخ الثالث «انفتحت شهيته» فقام بابتلاع تشيكوسلوفاكيا كلها بعد 6 أشهر لتبدأ الحرب العالمية الثانية. والمقصود بطبيعة الحال هو انه لا ينبغي منح الفلسطينيين دولة مؤقتة ـ او دائمة لان ذلك سيفتح شهيتهم للمطالبة بالاراضي الفلسطينية كلها، اي بما سبق ان احتلته اسرائيل عام 1948 ايضاً ويوضح ويل ذلك دون لبس بقوله «اما اليوم، فإن الواهمين وحدهم هم الذين يعتقدون ان العرفان بالجميل لقاء الصلاحيات التي ستمنح (أي السيادة التي ستمنح)، يمكن ان يتغلب على الكراهية بسبب الصلاحيات التي لم تمنح انه امر ينطبق على ما يقال حول الدولة الفلسطينية». ويسأل ويل عن حدود «السيادة» التي ستمنح لهذه الدولة، ثم يضيف «فمن الذي سيفرض على الدولة الفلسطينية المؤقتة الا تندفع خلف شهيتها المفتوحة وألا تتجاوز خطوط الاتفاقيات؟ من؟ المجتمع الدولي؟ ام الامم المتحدة التي تتخذ دائماً موقفاً معادياً لاسرائيل؟». ثم يضيف الكاتب الاميركي «ولهذا جعل الرئيس بوش من شرط تشكيل قيادة فلسطينية جديدة لا يلوثها الارهاب شرطاً حازماً الا ان تحقيق هذا الشرط يعد مستحيلاً تقريباً ويعني ذلك ان الرئيس ركل علبة الصفيح الى نهاية الطريق، اي الى مسافة بعيدة الى الامام واصبح بوسعه بالتالي ان يوجه اهتمامه الى استكمال الحرب ضد الارهاب، خاصة في حلقتها العراقية». وهكذا كرر ويل قناعة نتانياهو بأن المغزى الحقيقي لبيان الرئيس يكمن في انه افسح المجال امام الادارة الاميركية لاستكمال حربها ضد الارهاب، اي ـ باختصار ـ لضرب العراق، وذلك «انتظاراً» لوقت يستكمل الفلسطينيون تنفيذ الشروط التي ألقاها بوش على عاتقهم. ويضيف ويل «قرأت مؤخراً مقالاً في مجلة «بارامترز» التي تصدرها كلية الحرب التابعة للجيش الاميركي ويقول المقال ان اعداد الولايات المتحدة يحاولون تشتيت انتباه صانعي القرار الاميركيين عن طريق تطبيق درس هندي قديم ذلك هو ان قتل النمر يستدعي تشتيت انتباهه من جوانب كثيرة اذ سيحاول وقتذاك الركض في كل الاتجاهات في نفس الوقت مما يسهل مهاجمته». ثم يستطرد «ان الحرب التي تعرضت لها اسرائيل في الآونة الاخيرة هددت بشل حركة صانعي القرار الاميركيين تجاه الشرق الاوسط وهذا الشلل هو هدف الارهابيين الذين تشكل الفوضى محور استراتيجيتهم اما الآن فقد نقل الرئيس بوش الكرة الى ملعب آخر، ليصبح هذا الملعب هو الملعب المشتت، وليفتح بذلك الباب امام ادارته للتعامل مع قضايا اخرى اكثر الحاحاً مثل قضية العراق». ولا يحتاج ما قاله ويل الى تعليق، الا ان ما لم يقله يكفي لاثارة القلق ذلك ان كلمات ويل تعني ان بوش وضع الجهود الدبلوماسية الاميركية في ثلاجة الى حين الانتهاء من الانتخابات الفلسطينية، ثم عمليات الاصلاح ثم رصد مدى تنفيذ الفلسطينيين للشروط الاميركية وقد كان ذلك على وجه التحديد مصدراً لشكوى اوروبية علنية وهي شكوى لم تتناول ما ورد في بيان بوش بقدر ما تناولت مغزاه الضمني، اي «انسحاب» الادارة الاميركية من جهود حل الازمة الفلسطينية. ولكن من يدري؟ لعل هذا الانسحاب افضل من دور كذلك الذي يريده الاسرائيليون لواشنطن. واشنطن ـ عصام عبدالعزيز: