دائما أشعر وأنا المعتاد على مجاورة القيادة المصرية منذ عهودها الثلاثة، والتأثر بها، والاهتمام بمقايسة مواقفها السياسية، ان هذه القيادة صعب التوقف عند هجرانها بمجرد أداء اللقاء الأول. كذلك صعب الادعاء ان ما وصل اليك منها من معارف كان كافياً، بمعنى التزود بالمعلومة الاستراتيجية والتي تأخذ في العادة حجم المرجع الذي يُتمّ فهم السياسات الآنية التي تبذل في مراحل الاستراتيجية حتى بلوغ الأهداف البعيدة.. القيادة المصرية ليست هكذا، بمعنى تحجر الموقف وتصديه لقوانين التحول والتبدل التي تفرزها الأوقات السياسية والظروف، وربما لهذا السبب تراني أطلب قيادة الرئيس المصري حسني مبارك، وأشعر اني أطلبها في كل لحظة خوف أرى فيها ان النظام العربي العام يمشي في غير طرق النجاة. ومنها طرق فهم وقراءة الثوابت والمتحولات في هذا الكون الفسيح. ومدى تأثرنا بها وتأثيرها علينا. من زمان وأنا أشعر ان قيادة الرئيس حسني مبارك قلبت مفاهيم العداوة المألوفة، مفاهيم العلاقات التي كانت تدرج في سياق المحرم، ومفاهيم العوامل والعناصر التي يجب أن تحكم وتقود العلاقات العربية البينية، وانها عوامل تتصل بالمصالح وربطها، مصالح الشعوب وصلتها بالرفاه والتقدم والازدهار الاقتصادي. من زمان وأنا أشعر ان الرئيس مبارك يكتب في المشهد العربي مفردات العصر الجديد. دون أن يتنكر للقيم الاعتبارية العائدة الى التفاخر بالماضي وإعلاء شأن الموروثات التاريخية رغم رؤيتنا ان الحاضر العربي لم يتقدم الى كتابة شيء مما سبق وكتبه أيام الممالك العظمى، وأيام غيمة السماء التي لا يخشى عليها أين ستمطر لأن خراجها راجع الينا. من كثرة رحابة الأرض، وثراء الملكية الجغرافية، بمعنى لا أشعر ان حسني مبارك يتواصل مع الشعار التعبوي، بل مع الدور الفاعل، ولا يتواصل مع روح الهتاف العالي الدعائي، بل مع الصمت المعتمد على أحاديث النتائج والانجازات. وفي معركة حضارية من هذا القبيل، حيث تستبدل مفاهيم بأخرى، وتصاغ شخصية عربية معبأة بطاقة الابحار الى المستقبل لابد من جولات لحسني مبارك ولابد أن تأتي اليه لتطمئن منه عن نتائجها، وتسأله أين وصلت وأين وصل العرب معك، ومن هنا يأتي الاقتراب المطلوب والمتواصل، وفي المواعيد المناسبة مع قيادة الرئيس مبارك كونها قيادة متحركة وصاحبة مشروع، ولديها مهمة رسالية شديدة الأهمية تضع هذا العالم العربي الساكن في داخله، وفي قلب العالم وحركته. يفهم، ويتكلم، ويشارك، ولا يعلن العداء السلبي على أحد، وطبيعي لمصر، المكان والمكانة والدور، أن تلقى المجادلة من الفكر المتحجر، ومن أصحاب الهتاف العالي والخطاب التعبوي المخادع، الكثير من شلالات الاتهام والقليل القليل من وقفات المناقشة من أجل الفهم والتفاهم، وهنا لا ينفع قول هؤلاء ان مصر أصبحت خارج الهم العربي منذ ابرامها معاهدة السلام مع اسرائيل. ولا ينفع القول انها بهذا القول الموهوم أصبحت بمنأى عن التأثر الأمني، والتأثير في الآخرين. وهذا الادعاء هو الذي أراه يتكسر كل يوم على أهمية التواجد المصري الدائم في المشهد العربي والدولي، وعلى المعقولية الدامغة لهذا التواجد، حيث يثبت كل يوم ان أمن مصر من أمن العرب والعالم وان مصير النظام العربي وقضاياه من مصير مصر أو مرتبط بقيادتها. ما وراء حدود مصر، كما فهمت من الرئيس مبارك يرتبط بمصر وأمنها. الوضع الفلسطيني الراهن بكل تداعياته يؤثر على أمن مصر، المجهودات الدبلوماسية المبذولة في واشنطن تتلاقى فيها جهود مصر ومبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله، والتي أصبحت مبادرة عربية، لكونها تتعامل مع قضية تجاور حدودها الجغرافية والسياسية في آن معاً. الوضع السائد بين الدول العربية الذي يفتقد لسياسات التكامل الاقتصادي والسعي الى قيام سوق عربية مشتركة يؤثر على الأمن العربي، ومصر في صلبه، تقوده ـ الوضع ـ نحو هذا التكامل ونحو ضرورات قيام المصالح المشتركة المرتبطة. هذه المرة وجدتني على مفترق عربي مهم، مفصلي وخطير، قياساً للمواضيع العملية المدرجة على أجندة الرئيس الأميركي جورج بوش، وردود الأفعال والمواقف العربية منها. ابتداء من الضغط الأميركي على سوريا ولبنان من أجل القضاء على منظمات الارهاب «وفي طليعتها حزب الله» وانتهاء بمستقبل السلطة الفلسطينية ورئيسها عرفات، ومعه مستقبل القضية برمتها، الى جانب افراط شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي في استخدام القوة العسكرية ضد الفلسطينيين وحياتهم ومؤسساتهم دون أن يملك لذلك أي افق سياسي. واذا أضفنا لذلك مصير ضرب العراق واقتلاع صدام حسين فإننا نكون أمام حاجة ماسة للعودة الى الرئيس مبارك، بكل ثوابته ومتحولاته وتجاربه، وواقعيته ومرونته، على الأقل من أجل أن نعرف ومن أجل أن نطمئن ومن أجل أن نكتشف أين تقف مصر وسط هذا المشهد السياسي الصاخب. الرئيس حسني مبارك وجدته في صالون منزله العائلية شديد الاطمئنان، وانه يمتلك أوراقه اللازمة للتعامل مع هذه الوقائع الساخنة، وجدت أكثر انه من خلال واقعيته، وتحرره من أي موقف شعاراتي مسبق، قادر بفهم ومنطق على التعامل بما يلزم مع خصومه وخصوم العرب، وفي مقدمتهم شارون، من خلال افشال توقعاتهم، القائمة على فهم السيكولوجية العربية القديمة التي تساعد من يفهمهم على مخادعتهم وعلى جرهم الى مقاتلتهم، ودفعهم الى الانتحار السياسي والعسكري، وجدته، وخصوصاً بعد عودته الأخيرة من أميركا، انه يضع العالم بين يديه، ويراه بكل تفاصيله وكأنه ينظر في بللورة الأساطير السحرية.وأول ما خطر لي أن أبدأ معه من الداخل المصري، وتحديداً من المظاهرات الشعبية التي اندلعت في شوارع القاهرة والاسكندرية تأييداً لانتفاضة الشعب الفلسطيني، وتعاطفاً مع آلامه وشهدائه وبيوته المهدومة فوق رأسه.. هذه المظاهرة، ما مدى قوة تأثيرها السياسي على سياسة الدولة، وعلى مستقبل عهودها ومواثيقها؟ الرئيس مبارك لا يتفاجأ من الطرح، بل ولا يعتبر ان المجتمع المصري يعاني من ثنائية سياسية، سياسة الدولة وسياسة الشعب، في هذا المجال يقول ان من تظاهروا شباب، يتسم بالبراءة، والعواطف النبيلة، وما قاموا به كان تعبيراً عن الشعور العام الذي ساءه أن يتعرض أشقاؤه الفلسطينيون لتلك الأعمال الوحشية التي تخالف كل الشرائع والمواثيق، ولم يكن في هذا وحده، فالمظاهرات لم تعم العواصم العربية وحدها، بل امتدت الى الكثير من العواصم العالمية تعبيراً عن رفض الضمير العالمي وليس المصري والعربي فقط لسياسات اسرائيل القمعية البائسة. على العموم، كنت متفهماً لأبعاد تلك التظاهرات، حيث كانت بمثابة تعبير عن الشعور العام الرافض لتلك السياسات الاسرائيلية التي أدانها الرأي العام العالمي في كل مكان حتى في الولايات المتحدة، الناس هنا عبروا عن شعورهم بالاستياء من السياسة الاسرائيلية، هذا كل ما في الأمر، وهو جيد، ولا يجوز تحميله أكثر من هذه الأبعاد النظيفة والنقية. ـ أسأل عن المتظاهرين، هل لجأوا الى استخدام العنف، هل خرجوا عن الأصول القانونية في التعبير النظيف؟ ـ الرئيس مبارك يعطيك ابتسامة العارف، والمشفق في آن واحد ويقول ان المتظاهرين لم يجنحوا الى العنف، اللهم إلا في الاسكندرية، حيث أقدمت قلة محدودة على تكسير بعض المحلات، واحراق عدد من سيارات أساتذة الجامعة. كسروا محلات وجبات غذائية على ما أعتقد «كنتاكي».. ليه مع ان الاسم مجرد رخصة، أما المحل فمصري مئة في المئة، رأسماله مصري، العمال الذين يعملون فيه مصريون، المواد المستخدمة فيه مصرية، وبالتالي المحل مش أميركي عشان يكسروه، ولكن اندس بينهم المحرضون، على العموم الناس قد تخطيء في البداية حتى يعوا ما يفعلون، وبعدين حيفهموا، وعبروا بعد ذلك دون تجاوز، عرفوا مصلحة بلدهم، والقضاء أفرج عنهم تقديراً لمشاعرهم وحسن نواياهم الوطنية. المسئولية تفرض الحكمة وتجنب الاثارة ـ ويأتيني الخاطر هنا، ألم يشعر الرئيس مبارك بالخوف من حركة في الشارع تحرج سياسته ومواقفه وقد تغريه بالمسايرة على اتخاذ مواقف انفعالية ضد اسرائيل؟ ـ وبلغة المطمئن أيضاً يقول لي الرئيس انه لم يخف شيئاً من ذلك. فالتظاهرات لم تمنعه من اجراء اتصالاته المطلوبة حول الموضوع الفلسطيني، الاتصالات مع كل الأطراف المعنية، ويتذكر الرئيس انه في فترة سابقة أخبروني ان اسرائيل تحشد قوات على حدودنا، طلبت من وزير الدفاع التحقق من الأمر فأكد لي «ما فيش حاجة اطلاقاً». وبعدها سألت الأجهزة المختصة فقالوا لي «ما فيش» وبعدها سألت نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق وكان هذا الأمر قد تم في عهده، فنفى وقال لي أؤمر من تشاء يركب طائرة هليكوبتر ويأتي ليتأكد بنفسه، لو كنا قد صدقنا هذا الخبر واندفعنا وراءه، وأدخلت قوات لمقابلة هذه الحشود المزعومة لانفجر الموقف برمته في المنطقة كلها بكل ما يحمله هذا من تداعيات على قضيتنا الأولى، القضية الفلسطينية، أقصد بذلك ان المسئولية تفرض الحكمة والتروي وتجنب الاثارة. لا أملك ترف الانفعال حفاظاً على الصالح القومي ـ تساءلت بيني وبين نفسي، ترى هل هناك جهات «تشحن» الجبهة الداخلية المصرية وترفع من درجة سخونتها؟.. لم اكتم السؤال طويلاً وأطلقته بلا تحفظ. ـ الرئيس مبارك يقول بوجود هذه الجهات ويصفها بأنها قلة محدودة. ويضيف: أنا لا أملك ترف الانفعال حفاظاً على الصالح الوطني والقومي، الشعوب في النهاية تريد أن تعيش حياة كريمة، لو اتخذت كرئيس ائتمنني الشعب قراراً خاطئاً انطلاقاً من التجاوب مع العواطف وأحياناً المزايدات فالنتائج ستكون وخيمة، الحرب ليست لعبة أو نزهة، الأمور لابد أن تخضع لحسابات دقيقة تضع في اعتبارها الأوضاع العالمية والاقليمية ومصالح الشعوب، وبغير ذلك نكون قد جلبنا الخراب على بلادنا، وأقول كل بلادنا، بل والقضية الفلسطينية ذاتها، ومع انني صاحب القرار في نهاية الأمر، فأنا لا أتخذ قراراً إلا بعد سلسلة شاقة من المشاورات والمداولات، وعلى كل حال الرأي العام المصري ازداد وعياً، وفهماً، نحن نعيش في عصر السماوات المفتوحة، والكل يتابع ويدرك ويعي ولا يخفى عليه أي شيء، وأسلوبنا في معالجة أي موقف يعتمد على الشرح والتوضيح لنصل معاً بالقناعة كلها الى القرار السليم، والرأي العام المصري أشعر بنبضه ووعيه لكل الأبعاد التي تحكم القرار. المقاطعة عمل سلبي قد يضر ـ يبقى ما يراود النفس حول موضوع المقاطعة، مقاطعة أميركا، تجميد العلاقات مع اسرائيل، المبادرة بالاجراءات الانفعالية الشعبوية. ـ الرئيس مبارك في هذه الناحية يقول: يقولون لك قاطع، والسؤال أقاطع إيه، وأقاطع مين، لا ضرر في حوار بين الرأي والرأي الآخر، ولكن في نهاية الأمر المقاطعة عمل سلبي قد يضر بالاقتصاد القومي، المصلحة العامة للشعب تأتي في المقام الأول، نحن نستورد التكنولوجيا من الشمال المتقدم، لنحقق التقدم المنشود لشعوبنا، والمقاطعة تغلق أبواب التعاون والتنمية تقوم على التكنولوجيا، والمقاطعة لا تتجزأ. المقاطعة النفطية كانت تنفع زمان ـ وتتطور مراودة الأفكار الى ملامسة موضوع المقاطعة النفطية. ـ الرئيس مبارك في هذه الناحية له رأي واضح وواقعي، حيث يؤكد ان المقاطعة النفطية «كانت تنفع زمان»، كانت مؤثرة في وقتها، لكن علينا أن نضع في الاعتبار العالم اختلف والقرار في هذا الشأن للدول صاحبة المصلحة في المقام الأول دون فرض العالم المتقدم اختلف أصبحت لديه بدائل، الدول طورت نفسها في موضوع تأمين احتياجاتها من الطاقة، لو قطعت النفط سيتأثر دخل الدول المنتجة، وتتراجع قدراتها على تطوير اقتصادها، العالم الآن أصبح قرية صغيرة، وأهم شيء أن تسأل نفسك ما تأثير اجراءات المقاطعة على المواطن في دول البترول، على موازناتهم، على التزاماتهم واقتصادهم، على لقمة العيش، على مشروعات قائمة وجارية، على أمنهم القومي ومصالحهم، والمبدأ الذي يحكم القرار اختلفت مقوماته. نحن في زمن السماوات المفتوحة، وزمن الحريات، وعندما تريد أن تأخذ قراراً في هذا الزمن فعليك أن تفكر جيداً أين تقع مصلحة شعبك. أثق ثقة مطلقة في الشعب ـ تعود المراودة من جديد حول الجهات التي أرادت تسخين الجبهة الداخلية المصرية، وهل هي جهات قوية، وكان يحسب لها حساب؟ ـ يؤكد لك الرئيس مبارك ان هذه الجهات قلة محدودة، والصوت العالي سهل، المظاهرات في كل مكان، الموقف في مصر مختلف، وأثق ثقة مطلقة في الشعب، فالشعب بحسه العميق يدرك أبعاد المصلحة الوطنية، والحقيقة ان الأسرة المصرية وأساتذة الجامعات كان لهم دور إيجابي تفاعل مع مشاعر شبابنا من الطلاب بالشرح والايضاح والتوعية، ليتبين الشباب البريء النقي ان تخريب أي منشآت عامة يضر بمصلحته الشخصية، وان الاضرار بالصالح العام يؤثر حتى على فرص عمل مطلوبة وبالحاح للشباب. مصر لم تعد متوعكة.. أخذنا بنسلين ـ يبقى ما يقلق البال والخاطر، هل مصر متوعكة وكيف هو وضعها الصحي الآن؟ ـ يضحك الرئيس مبارك ويطلق دعاباته اللطيفة، ويقول لك لا «أخذنا بنسلين»، وكل حاجة عندنا موجودة، أما التوعك الاقتصادي، ظاهرة الركود والكساد، فموجودة في كل الدول، لكن دعني أقول ان هناك قوى لا تريد لمصر خيراً وربما لا يسعدها أن يتعافى الاقتصاد المصري، وتركز مهمتها على هذه الغاية الخبيثة وتراها تسخن الرأي العام، وتشحنه، لكنها لا تدري ان الرأي العام المصري أصبح عنده الوعي الكافي ولم تعد تخدعه «المزايدة بتاعة الفضائيات»، ذات يوم وصلت أسيوط، سألني هناك أحدهم ما رأيك في كذا وكذا؟ قلت له لم أسمع شيئاً مما قلت، أجابني، لقد سمعت ذلك قبل ساعات عبر الاذاعات والفضائيات، وكما ترى الناس تسمع وتشاهد، وتتابع كافة القضايا التي تهمها وبدرجة عالية من الوعي، والأهم ان الشعب بحسه الوطني يقدر انجازاته، ويتطلع الى المزيد منها. تركت الجنيه يتحرك فكل العملات ترتفع وتهبط ـ وفي مجال التوعك والاطمئنان، يطرأ في البال القلق على الجنيه، ومقابلته للدولار؟ ـ الرئيس مبارك لا يرى ما يستدعي القلق، قال لسلطاته المالية اتركوا الجنيه يتحرك، كل العملات العالمية تصعد وتهبط، الدولار يصعد ويهبط أمام المارك الألماني، وكذلك اليورو بعد ذلك، والين الياباني، كلها بين صعود وهبوط قبل اليورو وصل الدولار إلى ما يساوي السبعة فرنكات فرنسية، ان طبيعة الاقتصاد العالمي طبيعة متشابكة ونحن لا نعيش بمنأى عن المتغيرات العالمية، وتحرك سعر الجنيه أمر طبيعي، المهم عندي هو ثبات الاحتياطي النقدي من العملات الصعبة الذي لا أسمح بأن تمتد اليه الأيدي، وهو مازال عند حدود ال14 بليون دولار، وقد حذرت ومنعت سياسة الضخ من الاحتياطي للحفاظ على سعر الدولار، وعلى العموم لا ننسى ان مصر عمرها ما كان عندها احتياطي من العملات الصعبة لعقود طويلة. ثورة يوليو كانت ضرورة تاريخية ـ شهر يوليو في مصر شهر حنين، شهر انفجار نوستالجيا سياسية على شتى أنواع الأيام، في هذا الشهر، تكون خمسون سنة قد مرت على ثورة 23 يوليو. أو على انقلاب يوليو كما يسميها البعض، هل مازال الاعتقاد سائداً انها كانت ضرورة تاريخية لمصر؟ ـ الرئيس مبارك يتخذ هنا جانب رجل التاريخ المنصف ويؤكد ان «ثورة يوليو» كانت ضرورة تاريخية، في ضوء المناخ السائد قبيل قيامها، حيث كانت البلاد قد وصلت سياسياً واجتماعياً واقتصادياً الى الحضيض، وأصبح المواطن المصري غريباً في بلده، وأعظم شاهد على نجاحها ذلك التأييد الشعبي الجارف ومنذ اللحظة الأولى لأهدافها وبرامجها. قبل قيام الثورة كنت ملازم ثان بأحد الأسراب في قاعدة ألماظة، وطلبوا منا التبرع بخمسة جنيهات من رواتبنا لشراء هدية بمناسبة عيد ميلاد الملك. وأذكر اننا رفضنا جميعاً التبرع، الموقف كان على حافة الانفجار، والأوضاع كانت بالغة السوء وكانت تلك مشاعرنا كشباب لهذا البلد. لا رجعة عن الديمقراطية وحرية الصحافة ـ الكلام هنا يذكر بالديمقراطية وان النظام الديمقراطي يقوم على حكم قوي وشعب واعٍ؟ ـ في هذا الجانب المهم يؤكد لك الرئيس مبارك انه لا رجعة عن الديمقراطية وحرية الرأي، وحرية الصحافة، دولة المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية أصبحت واقعاً ملموساً، ونعيش مناخ الانفتاح سياسياً واقتصادياً. ـ من جانبي كنت أشعر انه مازال هناك تماس، اذا لم نقل تشابكاً مع النظام الاشتراكي القديم، ونلاحظ ان ذلك الأمر موجود حتى ولو ساهمت الحكومة بحصة ضئيلة من اقتصاد البلد. ـ الرئيس مبارك له موقف اجتماعي في هذه الناحية فهو يقول انه لن يسمح لأحد بأن يلعب بمقدرات الشعب، وان كل القرارات الاقتصادية تضع في اعتبارها البعد الاجتماعي، وسيظل للدولة دورها الخاص لحماية مصالح الطبقات محدودة الدخل، وفي ظل الاقتصاد الحر نرى دولاً كبرى لا تتخلى عن دورها الاجتماعي، ولابد من دور للدولة في بعض القطاعات وخصوصاً فيما يتعلق بالبنوك الرئيسية فنحن لا نستطيع أن نترك مدخرات الشعب في أيد أجنبية، وللعلم في فرنسا هناك بنوك حكومية، وفي ألمانيا، وفي انجلترا هناك بنوك حكومية أيضاً. كذلك فكل مرحلة لها أوضاعها ومقتضياتها، وعندما ننتقل من مرحلة اقتصادية الى أخرى، نعيد الدراسة لنحدد ملامح المرحلة الجديدة معطياتها ومقتضياتها. اقتصادنا لديه كل مقومات الاستقرار ـ يبقى الاقتصاد المصري، وضرورة السؤال عن أوضاعه؟ ـ الرئيس يرى ان اقتصاد بلاده «لديه كل مقومات الاستقرار» انما نحن نتأثر بما يدور في العالم، الأزمة الاقتصادية التي عانت منها دول الشرق الأقصى في مرحلة ما أثرت فينا، عندما وقعت أحداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن تأثرنا، أيضاً السياحة تراجعت، ونسبة العبور في قناة السويس انخفضت، كل هذه الأحداث تؤثر فينا، مصر غير مستثناة، نحن نتعامل مع العالم كله، نؤثر ونتأثر، لا نريد شعارات النمور الاقتصادية، نريد اقتصاداً قوياً وراسخاً قادراً على أن يتعامل مع المتغيرات. ـ القطاع الخاص، دوره، حجم أعماله، وعلاقته بالقوانين وفرص التحفيز؟ ـ يؤكد الرئيس مبارك ان أغلبية مشاريع التنمية في مصر يقوم به القطاع الخاص، ومساندة الدولة للقطاع الخاص ودعمها له ليست موضع نقاش حيث يقوم بدور مهم ونتوقع أن يأخذ دوراً أكبر في الفترة المقبلة. أرفض الانفراد بصنع القرار ـ ودور الرئيس وسط هذه الورشة الانمائية؟ ـ هناك اجتماعات دورية تعرض فيها كل وزارة أو قطاع البرامج والاستراتيجيات، الهدف تحقيق أوسع حوار حول القضايا والمشروعات يشارك فيه الوزراء والخبراء، وتطرح فيه كل الآراء، وهذا يمثل أفضل قاعدة لاتخاذ القرارات السليمة.. علاوة على المتابعة المستمرة لكافة محاور العمل الوطني وتطويرها اما بتعظيم ايجابياتها وانجازاتها أو بمعالجة أي سلبيات تظهر عند التطبيق، مبدئي المشاركة في صنع القرار، أرفض الانفراد، وأدعو كل المسئولين والخبراء من خارج الرسميين، واستمع وأناقش وأتعرف حتى يمكن أن نصل الى أفضل قرار. لا أحد فوق القانون والمساءلة ـ هناك أحاديث عن فساد إداري وأحياناً يجري تضخيمها وتصوير الفساد على شكل يتجاوزه وأكبر منه؟ ـ يرى الرئيس مبارك ان البعض يضخم الحديث عن الفساد، ربما من أجل ترويج بيع الصحف، في أي قضية فساد ترى الجرائد تتابع وتلاحق، ليس هناك من هو فوق القانون أو المساءلة، عندنا وزراء ومحافظون قدموا للمحاكمة وصدرت بحقهم أحكام بالسجن، والموضوع عندنا عائد للقضاء، ونحن لا نتدخل في عمله انما في الواقع الكل عندنا يقرأ المانشيت المثير والكل بالتالي يشتري الجريدة ومثل هذا الفساد الاداري موجود في كل مكان حتى في الدول المتقدمة، المهم ان الدولة لا تتستر على أي فساد ولا تحمي مفسداً. والجميع، بصرف النظر عن مواقعهم، سواسية أمام القانون والقضاء الذي نفاخر باستقلاليته ونزاهته. لا أسمح لأحد بالاقتراب من الاحتياطي النقدي ـ الوضع الاقتصادي، برغم كل شيء يتقدم، وهل الرئيس مرتاح من تقدمه؟ ـ يؤكد الرئيس انه ليس قلقاً من الوضع الاقتصادي، أنا آخذ الأمور بهدوء وأتابع بهدوء وأبحث في المواضيع وأعرف كل قضية وما وراءها، أنا أقلق عندما لا يكون عندي «احتياطي نقدي» أو بدائل للاصلاح والمعالجة، لذلك لا أسمح لأحد بالاقتراب من هذا «الاحتياطي»، والقروض أصبحت تخضع لمتابعة شخصية مني، ولا أسمح اطلاقاً بالاقتراض إلا اذا كانت الجهة الطالبة قادرة على السداد ذاتياً ولا تتحمل الدولة التسديد نيابة عنها كما كان في الماضي، وأي قرض لا يجاز إلا بقانون. المهم الدين الخارجي ثابت ونقوم بتسديد التزاماتنا من أقساط وأعباء في مواعيدها وآجالها المقررة بشهادة المنظمات الدولية. أتذكر اننا أمضينا عاماً بكامله في تحديد الديون ومعرفة حجمها، لذلك كان القرار لا اقتراض إلا بقانون، وعندما عرضوا علي مؤخراً اتفاقية قرض صغير يخص التعليم العالي قلت اياكم أن يخصص شيء من هذا القرض للصرف على المكافآت، لابد من تحديد أوجه الصرف، لا أريد أن أحمل الدولة ديوناً تنفق على الاستهلاك والمكافآت أو ما شابه ذلك. همومنا جميعاً كعرب واحدة ـ نشعر ان هموم الرئيس العربية تأخذ من وقته لمكافحة الهموم الداخلية؟ ـ الرئيس يؤكد باصرار في هذه الناحية ان الهم العربي هو هم مصري داخلي، همومنا جميعاً أصبحت واحدة، ان تحركاتنا الخارجية الدولية والعربية هي لصالحنا جميعاً ولصالح الأمة العربية، وعلى العموم اطمئن فأنا لا أرتاح إلا عندما أعود الى بلدي وجولاتي في الخارج من أجل قضايانا واستقرار المنطقة الى جانب تسويق بلدنا اقتصادياً. رفضت طلب شارون ترتيب لقاء له مع الأمير عبدالله ـ في مفصل آخر من مفاصل الدولة نبوح بما تناهى الينا بأن هناك وقفة نفس، بين الرئيس المصري وولي العهد السعودي حول المبادرة التي أبقت لمصر بعض الدور وهي تريده كله؟ ـ يضحك الرئيس مبارك قائلاً بحكمة ان حقيقة الأمر عنده ان بعض الدوائر تختلق مشاكل وتروج لاختلافات بين البلدين لا وجود لها، القضية الفلسطينية ليست حكراً على مصر بل هي قضية كل العرب، والحقيقة انه عندما أعلنت المبادرة السعودية عبر لقاء صحافي مع أحد الصحافيين الأميركيين وعندما كنت في الولايات المتحدة سئلت في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس بوش عن المبادرة، وكانت اجابتي هذه خطوة مهمة جداً فالمملكة العربية السعودية تعلن هذا القول للمرة الأولى وهي انها تعرض التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل، هذا حدث كبير يجب أن تبنوا عليه وعندما وصل الخبر الى المملكة السعودية حدثني الأمير عبدالله وقال أنت من جعلت من تصريحاتي مبادرة، شارون اتصل بي بعد ذلك وطلب مني محاولة ترتيب لقاء بينه وبين الأمير عبدالله ليفهم منه المبادرة فقلت له هذا مطلب صعب تحقيقه، لكن من جانبي سأبعث برسالة الى الأمير عبدالله رغم ان المبادرة واضحة ولا تحتاج الى شرح. في زيارتي الأخيرة للولايات المتحدة حاول بعض أعضاء الكونغرس اغرائي بجائزة نوبل، إذا لبيت رغبتهم وذهبت الى القدس وان ذلك يحقق اختراقاً لجدار الأزمة من أكبر دولة، قلت لهم أفكر، ويضحك الرئيس متهكماً جائزة نوبل أصبحت تعطى للجميع وأحياناً يقتسمها أكثر من شخص ويتعجب الرئيس من الطلب ويقول: رفضت زيارة بلا هدف، بلا نتيجة أو رؤية، أو حل نهائي يحفظ الحقوق، زيارة في ظل احتلال للأراضي الفلسطينية وقتل ودماء ـ كيف يفكر هؤلاء؟ اسرائيل روجت «خبر كاذب» وحذرت بوش من اقصاء عرفات ـ ماذا عن الزيارة الأخيرة لأميركا والتداول الهاديء في منتجع كامب ديفيد الشهير؟ ـ الرئيس مبارك يقول ان الزيارة جاءت بناء على طلب من الرئيس بوش، بعد أن كنا قد تبادلنا الكثير من الرسائل شرحت له فيها الوضع الحقيقي في المنطقة، اسرائيل استغلت المناسبة وقالت انني اتفقت مع الرئيس بوش على خلع «أبو عمار». هذا الخبر كاذب، بل العكس هو الصحيح حيث أكدت له خطورة المساس بعرفات أو محاولة اقصائه وأهمية الاستفادة من خبرته الطويلة في المفاوضات المقبلة، وقد تعمدت أن أتحدث بالعربية في المؤتمر الصحافي المشترك منعاً للتأويل والاختلاف في الترجمة حتى لا يساء فهم ما طرحته من آراء وأفكار على الرئيس الأميركي عرضتها في بياني أمام الصحافة العالمية. اشترطت مجيء عرفات إذا أراد شارون لقائي ـ هل طرح بوش فكرة لقاء الرئيس مبارك بشارون في الولايات المتحدة، وهل اشترط الرئيس مبارك حضور عرفات لاتمام اللقاء مع رئيس الوزراء الاسرائيلي؟ ـ أيضاً قال الرئيس لا، لم تطرح هذه الفكرة من قريب أو بعيد، ولكن أتذكر انني اشترطت مجيء عرفات عندما أراد شارن أن يلتقيني في القاهرة، لأنه صاحب القضية التي سنلتقي حولها، خصوصاً وانه لا توجد مشاكل ثنائية بين مصر واسرائيل لمناقشتها. وبالمناسبة يبدو ان هناك ثأراً قديماً بين شارون وعرفات، منذ حصار بيروت عام 1982، ويؤثر ذلك على ما يبدو في تعامل كل منهما مع الآخر. ـ الزعامة العربية مكانة ودوراً كيف تفسر الحال العربي الراهن؟ ـ الرئيس مبارك يؤكد ان هناك تنسيقاً أفضل بين الدول العربية حيال القضايا المشتركة، وانه من جهته حريص على عدم وجود خلافات، مؤكداً ان من مصلحتنا أن نكون يداً واحدة. التنمية أساس قوة العرب ـ الوضع العربي، حسب ما نرى، إلى أسوأ أم الى أفضل؟ ـ طبيعي أن يتمنى الرئيس أن يكون الوضع العربي الى أفضل، انما ما يشغله هو كيف نصل، كعرب، الى التنمية في هذه الأجواء «المضطربة»؟ هل سيكون هناك سلام، أم لن يكون هناك سلام؟ انما يجب على العرب أن يستمروا في التنمية لصالح مواطنينا وشعوبنا وألا نسمح للظروف المحيطة بنا في المنطقة بتعطيل مسيرة التنمية، علينا ألا نهتز لأزمات سياسية عابرة طالما نتصرف بالحكمة والعقلانية اللازمة، تنمية مجتمعاتنا هي أساس قوة دولنا، والركيزة التي تعطي للموقف السياسي العربي فرصة التحرك بثبات وثقة وقدرة. التكامل الاقتصادي لصالحنا جميعاً ـ تعود أحداث 11 سبتمبر الى مجرى الحديث، فهي خلقت من العرب والمسلمين «كمفهوم طاريء» أعداء للغرب وللحضارة الغربية، والمفروض في ضوء هذا المفهوم أن تغادر أموال عربية طائلة من أميركا وتعود الى صناديق بلادها؟ ـ الرئيس يوافق على هذا «الواقع الطاريء» مؤكداً اننا نملك من القدرات ما يهييء لنا مكانة وموقعاً أفضل على الساحة الدولية، ويبدي الرئيس مبارك استغرابه من استمرار العالم العربي في استيراد 90% من احتياجاته، بينما لا يزيد حجم التجارة البينية العربية على 10%، ويضيف الرئيس مبارك ان تنمية الاقتصاد القومي لكل بلد أمر حيوي والتكامل الاقتصادي بالغ الأهمية ويمهد لقيام السوق العربية المشتركة. التكامل الاقتصادي لصالحنا جميعاً، ويتيح مزيداً من أبواب الرزق لمواطنينا ويقضي على البطالة، وباختصار يعطي الأمة العربية مزيداً من القوة. ـ هنا تبرز الحاجة الى تطوير القوانين؟ ـ الرئيس مبارك يرى ان بعض الدول بحاجة الى تطوير قوانينها من أجل التسريع في مشاريع الخصخصة، الدول المتشابهة في اقتصادها تبدأ بالتعاون مع بعضها لكن بشفافية، فلا نضارب على صناعات بعضنا البعض، قد تكون البدايات صعبة، خصوصاً فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية، ولكننا على المدى الطويل سنصبح أقوياء والبطالة عندنا ستنخفض الى أدنى مستوى. ـ وفي الموضوع نفسه هل يراقب الرئيس الاقراض الداخلي؟ ـ الرئيس مبارك يؤكد ان الاقراض الداخلي يتم في الحدود الآمنة ولأغراض التنمية واستكمال البنية التحتية واستثمارات التعمير. ـ في السياق ذاته نسأل عن الموازنة العامة للدولة ومدى تلبيتها للطموح وتغطيتها للمطلوبات؟ ـ الرئيس مبارك يؤكد انه لا توجد موازنة دون نسبة عجز أو نقص في السيولة أو عجز دفتري، يتساوى في هذا الكل سواء كانت دولاً غنية أو صناعية ولكن كل على قدر حجمه. ما حدث في 11 سبتمبر لم يكن يخطر على بال أحد ـ ثمة من قال ان مصر نبهت من أحداث 11 سبتمبر قبل وقوعها؟ ـ الرئيس مبارك كان صريحاً في هذه الناحية، قال ان المعلومات التي كانت في حوزتنا تفيد ان هناك شيئاً يدبر ضد مصالح أميركا، شيء ارهابي، لكن ما هو هذا الشيء؟ لا أحد يعرف، كنا نحيط الأميركيين بما يتوافر لدينا من معلومات، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن يخطر على بال ان طائرة ركاب مدنية تجارية تتجه نحو برجي التجارة في نيويورك وتنفجر بهما، عندما رأيت الحدث على التلفزيون تسمرت في مكاني، ولم أصدق ما أراه، لقد تصورت ان ما يعرضونه ربما كان لعبة أطفال افتراضية، لكن عندما تحققت مما حدث أصبت بالدهشة، أحداث 11 سبتمبر تفرض التعامل بحكمة مع العالم، التعامل بعنف سيولد عنفاً مضاداً. أميركا يجب أن تكون حذرة، وتصرفها محسوب في تصديها للارهاب، وعدالتها في التعامل مع القضايا حتى تجنب نفسها تكرار مثل هذه الأحداث الخطيرة، لقد حذرنا من الارهاب عندما كان الارهاب يضربنا وكانوا يتفرجون، وأكدنا انه ظاهرة عالمية لا تعرف ديناً ولا تعترف بحدود معينة، كما حذرنا من ايواء العناصر الارهابية ومنحها حق اللجوء ولكن الغرب بصفة عامة لم يأخذ تحذيراتنا في حينها على محمل الجد. لا يوجد «لوبي» عربي موحد في أميركا ـ أميركا هذه كيف نكسبها الى جانب قضايانا؟ ـ هذه المرة يضحك الرئيس مبارك بآسى ويقول بشجاعة، لدينا قصور في العالم العربي، لا يوجد لنا «لوبي» في أميركا، كل واحد منا فتح «لوبي» لحاله، لابد أن نستثمر التجمعات العربية ونجعل منها نواة «للوبي» عربي مؤثر، نحن في حاجة الى «لوبي» عربي موحد يمثل سنداً ودعماً لكامل السياسة العربية. ـ والرئيس بوش ماذا يريد؟ ـ الرجل يحاول جاداً الاقتراب من الأزمة في منطقتنا وتفهمها، وأعرفه منذ سنوات وقبل توليه الرئاسة، ولكن علينا أن نعرف ان السياسة الأميركية ليست هي جورج بوش فقط، هناك الادارة الأميركية بكل مؤسساتها التي تشارك في صنع القرار، ونحن نحاول اقامة جسور الحوار مع كل هذه المؤسسات، كل المطلوب جهد عربي مشترك وموحد، لإقامة لوبي عربي، وكذلك تأسيس مركز دراسات عربي هناك يكون ركيزة لشرح وجهات النظر العربية لدوائر صنع القرار. الاستغناء عن عرفات خطأ سيندم عليه الجميع ـ جيد جداً، وماذا عن مصير عرفات، يرحل أم يبقى في مكانه؟ ـ الرئيس مبارك يرى ان الاستغناء عن عرفات سيكون خطأ كبيراً سنندم عليه جميعاً، والرجل بخبرته وبدوره يلتف حوله فلسطينيو الداخل والخارج. اذا كانت اسرائيل تريد سلاماً فلتعد مزارع شبعا ـ وسوريا ماذا تريد؟ ـ بشار الأسد عايز سلام، كما يقول الرئيس مبارك، اسرائيل تروج لعكس ذلك مرددة مزاعمها بالحديث عن حزب الله والمنظمات الأخرى الفلسطينية المعارضة، المنطق يقول اذا كانت اسرائيل تريد نزع الفتيل فليعيدوا مزارع شبعا الى لبنان فتتوقف أعمال «حزب الله». ـ ما أهداف شارون الحقيقية؟ ـ في رأي الرئيس مبارك ان الاجتياحات لا تنهي القضية، والحروب العسكرية لم تنه مشكلة في كل تاريخها، الجلوس الى طاولة المفاوضات هو الخيار الوحيد لانهاء كل المشاكل. نصحت عرفات عدم حضور قمة بيروت ـ وطالما الأمر كذلك، لماذا غاب قائد مصر عن القمة العربية في بيروت؟ هل كان متحسباً من الوضع الأمني كما قيل؟ ـ الرئيس مبارك يقول لم يكن متحسباً من الناحية الأمنية، تجمعت لدي أشياء كثيرة ومنها ان شارون يريد اطلاق عرفات من حصاره، وبخبرتي وعلاقاتي حسبت الخطوة. لو ذهبت الى القمة قد يشجع ذلك عرفات على المجيء وأغلب المشاركين في القمة كانوا سيقنعون أميركا واسرائيل بأهمية حضوره، لو حدث هذا وخرج عرفات فإن شارون لم يكن ليعيده أبداً إلى رام الله، كنا كقادة عرب سنواجه موقفاً بالغ الدقة والخطورة، لهذا اتصلت بعرفات يومها ونصحته بألا يحضر الى بيروت قبل توفير ضمانات أميركية واسرائيلية مؤكدة بعودته، ولأجل ذلك قرر أن يوجه خطابه متلفزاً من رام الله الى القمة، ان عدم حضوري الى قمة بيروت كان ضماناً لعدم حضور عرفات اليها، لأنه لو حضر فقد لا يعود لقد أنقذت بغيابي الأمة العربية من ورطة مجيء عرفات وعدم عودته الى جانب اني تغيبت حتى لا يقال ان مصر هي التي ضغطت على عرفات للحضور.. أردنا أن نخرس المزايدات. الأمير عبدالله صديقي ـ هل سبب التغيب هو فقط هذا السبب، أم لتجنب الاحتكاك بالأمير عبدالله الذي أطلق مبادرته في القمة وأصبحت مبادرة عربية؟ ـ وكان الرئيس مبارك يضحك من السؤال، اذ سارع الى القول: الأمير عبدالله صديقي، البعض أطلق هذه الاشاعات وصدقها على ما يبدو. التنكيت على عبيد لتسلية الناس ـ بالعودة الى الشأن المحلي الداخلي تبرز ملاحظة مهمة، وهي ان «التنكيت» على رئيس الوزراء عاطف عبيد تراجع؟ ـ هنا أيضاً يضحك الرئيس مبارك ضحكة صادقة وصافية ويقول: الرجل يقوم بعمله، وأداء الحكومة تحسن كثيراً، بس لازم يعملوا «كاريكاتيرات علشان الناس تتسلى».. أن أتابع أداء الحكومة وأضع القضية الاقتصادية نصب عيني. أما عن التغيير فأنا لا أقدم عليه إلا اذا كان للصالح العام، أن أتابع كل شيء من الساعة السابعة والنصف صباحاً وحتى ساعات متأخرة من الليل، لا أتوقف عن المتابعة والاتصال بجميع المسئولين وبكل الجهات، لقد تعرض عاطف صدقي رئيس الوزراء الأسبق للنهج نفسه من النكت والكاريكاتير، وهو رجل له اسهاماته التي لا تنكر على مستوى تطوير الاقتصاد المصري، فقد أشرف على أهم وأخطر مراحل الاصلاح الاقتصادي. ـ وماذا عن دفع الشباب الى واجهة الحزب الحاكم؟ ـ الرئيس يؤكد هنا على الحقائق، ما فيش حد يبقى الى ما شاء الله، يجب أن نعد للمستقبل ويجب أن يكون وراءنا أجيال مؤهلة. ـ نعرف ان تشجيع التصدير كان من هموم الرئيس الكبيرة؟ ـ قلت انها قضية حياة أو موت، إذا أردنا تشجيع التصدير فإننا لابد وأن نعمل على تكامل الحلقات بداية من الانتاج المناسب للتصدير والمطلوب للأسواق والمنافس سعراً وجودة وطبقاً للمواصفات العالمية ويصاحب ذلك رؤية جديدة للتسويق من خلال شركات عالمية متخصصة يكون لها باع في السوق الخارجي، أما الاعتماد على التسويق الحكومي فلا طائل من ورائه. ضرب العراق سيكون مأساة ـ يبقى صدام حسين.. يُضرب أو لا يُضرب؟ ـ رأي الرئيس مبارك انهم يخطئون لو وجهوا ضربة للعراق وان ما يهمنا هو الشعب العراقي، والمنطقة لا تتحمل مزيداً من الأزمات ولا نريد اضافة المزيد من التوتر. ـ كل العرب يقولون لا تضربوا صدام حسين، ولو ضربوه ولم يستمعوا لكم فماذا ستفعلون؟ ـ الرئيس مبارك يؤكد انها ستكون مأساة ستخلق وضعاً صعباً للغاية. ـ وماذا عن الحرب ضد الارهاب وهل هي حرب طبيعية؟ ـ يقول الرئيس مبارك، لو سمعوني من زمان ما كان حصل ما حصل، لقد طالبت بعقد مؤتمر دولي لمكافحة الارهاب، وقلت لهم لا تعطوا حق اللجوء السياسي للارهابيين، لأنكم ستكتوون بنار الارهاب، لكن لم يتجاوب أحد، وما نراه الآن يؤكد صحة وجهة نظرنا. نريد تكاملاً اقتصادياً مع دول الخليج ـ والعلاقات مع دول الخليج؟ ـ العلاقات جيدة، واقتصادياً لابأس، لكن يفترض أن تكون أحسن وأكثر لمصلحتهم ومصلحتنا، يجب أن نتكاتف ونفتح آفاقاً جديدة للتعاون، مصالحنا متشابكة، والتعاون والتنسيق لصالح شعوبنا كافة، نريد تكاملاً صناعياً واقتصادياً بيننا وبين هذه الدول، الفرص كثيرة وكبيرة ومتاحة، فلماذا أموالنا في المصارف الأجنبية وتتعرض لتقلبات سعر الصرف، ولتضخم العملة وتقلبات السوق؟ المردود الربحي يتحقق عندما يكون هناك تكامل اقتصادي وصناعي، ومردود ربحي عالي المعدلات. ـ أشعر بالوقت لا يكفيني واني لست صاحبه، لكن الفسحة لاتزال قائمة لاستفسار جميل حول من يريد تعكير صفو المياه المصرية السعودية، ويريد للعلاقات بين البلدين الشقيقين ألا تكون محكومة بالود والتلاحم. ـ الرئيس مبارك يعود للابتسام الهاديء، ويقول: مصر والسعودية دولتان مهمتان وتشكلان قلب العالم العربي، ونقطة الثقل فيه، وقيادتا الدولتين تعرفان مكانة وأهمية بلديهما، لابد لهما وأن تكونا أمينتين على كل ما يفترض انه شأن عربي واسلامي وقومي، ويتصل مباشرة بقضايا شعوب المنطقة وقضايا نموها وتقدمها. أجرى الحوار: أحمد الجار الله
حسني مبارك في حوار عند مفترق مفصلي وخطير تنشره «البيان» و«السياسة» الكويتية: البعض في الكونغرس حاول اغرائي ب«نوبل» ورفضت زيارة بلا هدف الى اسرائيل
