الملف السياسي: عرفت اوروبا على طول تاريخها الحديث بالعقلانية، وتغليب الدوافع العملية وعلى رأسها الدوافع الاقتصادية، على حساب اي دوافع اخرى ايدولوجية او دينية او قومية، وقد صيغت الدوافع الايدولوجية نفسها في صياغات عقلانية مادية رأسمالية صرفة اصبحت تمثل هوية المجتمعات الغربية لكن فيما يبدو فإن الانسان الاستهلاكي الغربي بعد ان غرق في الترف ونعم بالأمان الاقتصادي الشامل، ما عاد يأبه بأبجديات حضارته، التي صيغت مفرداتها على اسس الاقتصاد، وغدا يتطلع لاشباع خوائه الروحي بتقمص الايديولوجيات القومية الشوفينية الحادة. وفي وجه تلك النزعات تعالى اخيرا صوت العقل يمثله رومانو برودي رئيس المفوضية الاوروبية، الذي اكد ان العداء للهجرة القانونية الى اوروبا لا مبرر له، لان قدوم افواج المهاجرين الشباب الى اوروبا ضرورة لا مندوحة عنها، وذكر في مؤتمره الصحافي الذي عقده بسنغافورة خلال عطلة نهاية الاسبوع الماضي، ان الشباب الاوروبي يرفض ان يعمل في القطاع الزراعي بسبب مشقة العمل في الحقول، وضعف العائد المادي من ذلك واذا استمر ذلك الشأن فمن هو الذي سيطعم اوروبا، هل سيكون الخيار الافضل ان تستورد اوروبا الغذاء من الخارج ام تجلب عمالة خارجية لتعمل في حقولها؟ وذكر رئيس المفوضية ان الشباب الاوروبي اصبح يأنف ايضا من العمل في اعمال الخدمات والقطاع العام بسبب ضعف المرتبات، ومشقة العمل هناك واستخدم رئيس المفوضية عبارات جافة في توبيخ الشباب الاوروبي عندما قال: لايوجد شاب الماني او ايطالي او فرنسي، من شباب الجيل الجديد، يرغب في العمل في الدوام المسائي في المستشفيات، فهل نغلق المستشفيات في الامسيات بسبب عدم وجود العمالة الصالحة لخدمة المستشفيات في تلك الاحيان؟!. كان ذلك هو صوت رئيس المفوضية الاوروبية، وهو حسب طبيعة مسئوليته كان لابد ان يتحدث من منطق عقلاني اقتصادي كذلك، اما السياسيون المنتخبون فلهم عقلانيتهم التي تختلف في منطلقاتها عن عقلانية رومانو برودي، انها عقلانية تجارية سلعتها التي تضارب فيها سلعة فريدة غير تلك السلع والخدمات التي يتحدث عنها برودي، ان السلعة التي يضارب فيها المسئولون المنتخبون ديمقراطيا هي اصوات الناخبين، فلابد ان يكونوا صدى لتلك الاصوات ولابد ان يلبوا مطالبها مهما كانت غير عقلانية المهم ان تكون الاصوات كثيرة وعالية وذات تأثير جارف على المشهد الانتخابي، وقد كان الامر كذلك في كثير من الاقطار الاوروبية حيث حلت المشاعر القومية المتطرفة واوصلت زعماء الى السلطة، وهددت زعماء اخرين في السلطة، فكان لابد لمن فازوا ولمن اصبح الفشل يتهددهم في المرات المقبلة ان يصغوا لأصوات المتطرفين وان يستجيبوا لدواعيه، فتلك هي عقلانية السياسيين المنتخبين، وتلك هي احدى سلبيات الديمقراطية، التي استحقت بسببها ان تنال شجب وازدراء وسخرية افلاطون! ومهما يكن فان زعماء اوروبا ماضون في خطهم «العقلاني» غير مصغين «لعقلانية» برودي ولا لاي منطق اقتصادي عادي، واخذ بعض اولئك الزعماء يغالون في ترديد صدى اصوات الناخبين فنادوا بفرض عقوبات اقتصادية على الدول الفقيرة التي لا تبذل اقصى جهودها لمكافحة ظاهرة الهجرة عنها، ولم يسأل اي واحد منهم نفسه في هذا الاطار لماذا تقوم الدول الفقيرة بوقف الهجرة عنها؟ وما هي مصلحتها في ذلك؟ وحتى على فرض انها تريد ان توقف امواج الهجرة فهل لها من الوسائل ما يمكنها ان تكبح به تلك الامواج واكثرها مخاطر عازم مصمم على المضي قدما حتى يبلغ هدفه بأي سبيل؟ ولم يسأل احد نفسه ما هي «شرعية» او «اخلاقية» فرض عقوبات على الفقراء لزيادة ضنكهم وتعاستهم. ولم يسأل احد نفسه تلك الاسئلة، ولكن اهتدى مندوبو لوكسمبورغ وفنلندا وبلجيكا الى حيلة يخاطبون بها غرور الكبار قائلين بأن فرض عقوبات مثل تلك تضر بسمعة الدول الغنية وبتلك الحيلة التي دغدغوا بها مشاعر الخمسة عشر الكبار تخلوا ـ مؤقتا ـ عن فرض تلك العقوبات، واثروا ان يقدموا مكافآت رمزية للدول التي تبدي عزما على منع مواطنيها من الهجرة الى الشمال. ان العقاب او الثواب قد لايجديان، فطالما ان هناك فرص عمل متاحة في الغرب لا تجد من يشغلها، في ظل ضآلة او انعدام فرص العمل في بعض الاقطار النامية، فإن امواج الهجرة الى الغرب لن تنقطع، ولا يبدو ان الاجراء المقترح بتكثيف دوريات الحدود سيكون حلا ناجعا لان اكثر المهاجرين لا يتسللون وانما يأتون بطرق قانونية او متحايلة على القانون، وتحتاج السلطات الاوروبية وهي تتمسك بتقاليدها القانونية العريقة الى ان تقدمهم الى محاكمات مطولة، حتى تتم ادانتهم ويتعين ابعادهم على حساب الدولة الاوروبية كل ذلك من التكاليف والخسائر ما يفوق ما ينجم من ضرر ـ ان وجد ـ السماح لهم بالبقاء وممارسة تلك المهن الهامشية لخدمة شعوب العالم الاول. هوية المهاجرين وثمة عامل آخر للمشكلة التي تؤرق المجموعة الاوروبية حاليا بخصوص المهاجرين، وربما كان ذلك العامل هو الاهم في غمرة اشتعال العاطفة بعد حوادث سبتمبر وارتفاع اصوات دعاة صراع الحضارات، هذا العامل هو الذي يتصل بالدين ذلك ان قسما كبيرا من المهاجرين الى اوروبا لاينتمون الى ديانة الغرب الاساسية، وهؤلاء هم العرب المسلمون المهاجرون من شمال افريقيا، والاتراك المهاجرون عن قرب وقد ابدى قطاع كبير من هؤلاء عن تصميمهم على التميز وعدم الاندماج فلو كان هؤلاء يندمجون بالكامل كما كانوا يفعلون في الماضي اذن لرحبت بهم اوروبا ايما ترحيب، ولكن الحفاظ على الخصوصية هو الذي يزعج اوروبا، ويزعجها اكثر اشهار هؤلاء لديانتهم، واشتهارهم بالسلوك الاجتماعي الحسن، الذي دفع بكثير من الاوروبيين لاعتناق الاسلام، ومن هنا يمكن ان نفهم سر الضجة العظمى التي اثارتها فرنسا بمنعها لدخول كتاب «الحلال والحرام» للدكتور يوسف القرضاوي الى فرنسا ان كثيرين عجبوا لماذا اختارت فرنسا ذلك الكتاب بالذات لتمنع توزيعه في مكتباتها ولكن اذا اتضح ان الكتاب الف خصيصا للحفاظ على الهوية الاسلامية في خارج العالم الاسلامي لبطل العجب، وقد كتب القرضاوي ذلك الكتاب من نحو اربعين عاما استجابة لهدف تنوير الاقليات الاسلامية بمسائل الحلال والحرام في الدين، حتى يظلوا محتفظين بولائهم الصحيح للاسلام. ان تميز هؤلاء بديانتهم الحضارية هو الذي يثير عليهم الغيظ والشحناء من اقطاب اليمين الشوفوني، وقد لحق بهؤلاء مؤخرا بعض اقطاب اليسار الجديد من امثال اوريانا فلاتش، وطارق علي، فأوريانا التي كانت مثار اعجاب عام لدفاعها عن شعوب العالم الثالث منذ الستينيات غدت تقول عن العرب ومسلمين في كتاب لها صدر اخيرا «انهم كلهم في افضل احوالهم متطرفون وفي اسوأ احوالهم كل فرد فيهم كأسامة بن لادن ولذلك فيجب ان يعلن الغرب الحرب عليهم جميعا، والا ينجر الى التمييز بينهم ليقال هذا حسن وهذا سييء، انهم كلهم سيئون ومتطرفون وقتلة ومتخلفون وأميون» وسباب مثل ذلك لتخلف شعوب العالم الاسلامي بثه الكاتب البريطاني ذو الاصل الهندي طارق علي بعد ان عمل على تمييز نفسه من المسلمين بعقد فصلين في كتابه الاخير، هما الفصل الاول والخاتم، عن سبب الحاده الذي ثابر عليه كما يقول منذ ان كان في الثامنة من العمر. تتضافر اسباب غير ذلك للتضييق على مهاجري العالم الثالث الى اوروبا ربما كان من بينها غيرة بعض الاوروبيين من همة بعض المهاجرين ونجاحهم في الترقي من المهن الوضيعة الى مهن يفضل الاوروبيون الا ينافسهم فيها احد، ان كثيرا من المهاجرين على بؤسهم البادي هم اصحاب طموحات كبرى جشمتهم مشاق الهجرة واموالها، وكثيرون منهم اصحاب شهادات علمية جيدة تحتاج فقط الى مزيد من الصقل في الغرب، وهؤلاء يقضون عادة بضع سنوات يجمعون قدرا من المال يكفي لحضورهم بعض دراسات اضافية وبعض التدريب العملي لينطلقوا في مجال مهني جديد يخولهم جمع الثروات ومضاهاة الغربيين في الوضع الطبقي. في هذا المدى يتفوق الاميركيون بلا ريب على الاوروبيين فالاميركيون اكثر عقلانية، واقل تعصبا سواء من الناحية الدينية او العرقية فمن الناحية العقلانية يقر الاميركيون بأثر التجربة وضخامة العائد على مجتمعهم سواء تقنيا او اقتصاديا من اثر المهاجرين ان نسبة كبيرة من البحوث والاكتشافات ينجزها هؤلاء المهاجرون، الذين سرعان ما يكتسبون الجنسية الاميركية، وكذلك يقر الاميركيون بلا مغالطة بالجدوى الاقتصادية الضخمة للعمال المكسيكيين وغيرهم من يقومون بخدمة الانسان الاميركي الذي يترفع عن القيام ببعض تلك الاعمال. اما من الناحية العرقية والدينية فالاميركيون ذوو احساس عميق بأنهم كلهم مهاجرون، وان الكثيرين منهم هاجروا اتقاء للاضطهاد الديني في بعض اقطار اوروبا وبالتالي فانه لا يجدر بهم ان يمارسوا الاضطهاد الديني على احد، صحيح ان الاضطهاد العنصري كان شائعا في اميركا الى قبل عقدين ولكنه اصبح الان من القضايا التي لايتورط فيها الا الحمقى من افراد ميليشيات البيض المتطرفة، وقد اصبح المجتمع الاميركي اعظم مجتمع تعددي من الناحيتين العرقية والدينية في العالم في هذا العصر، واصبحت تلك الناحية فيه من اشد مثيرات نعرة صراع حضارات عند المتطرفين اليمينيين لكن من غير ان تترك صدى لا في دوائر الهجرة ولا اسواق العمالة كما هو الحال الان في اوروبا. ان اوروبا لا تتأثر في هذا الشأن بأميركا فان الذين تزعموا الهجوم على المهاجرين في اميركا من امثال باث بوكانين، لم ينالوا إلا الأدنى من اصوات الناخبين، اما في اوروبا فاعداء المهاجرين اسقطوا بأصواتهم حكومات عديدة لم تحسن الاصغاء اليهم ولذلك فهي تنصت السمع جيدا الان لكل هذه الاصوات. ـ كاتب مقيم بالولايات المتحدة الاميركية