الملف السياسي:أ وروبا التي اتسمت بالتعددية والتسامح في حيرة من أمرها، فهي بدأت تشيخ وتترهل وتتآكل وتعاني مأزقاً ديموغرافيا رهيباً، إلا انها خائفة مذعورة من المهاجر القادم، فأحزاب اليمين غدت تفرض أجندتها على الواقع السياسي لتصف القادم الجديد بأنه يتسلل الى حضارتها لتدميرها وتلوينها بألوان سمراء عوضاً عن ألوانها الشقراء التي ظلت تميزها زمناً طويلاً. ومع ان خبراء السكان والمعاهد الوطنية للاحصاء الاوروبية في تقاريرها السنوية للعام 2001، أفادت بأن ارتفاع معدلات الهجرة الى هذه البلدان وخاصة خلال السنتين الأخيرتين يتيح لها تعويض الوفيات والنقص الحاد في الولادات، وان الهجرات تمثل طوق نجاة ديموغرافياً واقتصادياً، إلا ان هذه البلدان مازالت بعيدة ومشتتة من معالجة قضايا الهجرة ومراقبة الحدود الخارجية بطريقة عقلانية ومرضية، وهو ما عبرت عنه قمة الاتحاد الاوروبي الأخيرة في مدينة اشبيلية الاسبانية والتي فشلت حسب رأي الاعلام الايطالي بوضع سياسات مشتركة وفعالة لتنظيم عملية قبول المهاجرين واللاجئين السياسيين. في ايطاليا انخفض عدد السكان الحالي خلال السنوات الخمس الأخيرة الى 56 ونصف مليون نسمة في آخر عملية احصاء تمت نهاية العام الماضي (نحو مليون أقل عن احصاء عام 1991)، وتوصل خبراء السكان الي ان العدد سوف يصبح في مطلع عام 2044 أقل من 44 مليون نسمة، بمعنى ان حاجة البلاد الى 18 مليون مهاجر خلال النصف الأول من القرن الحالي وهذا يعني ان حاجة البلاد تتمثل بدخول مئة ألف مهاجر كمعدل سنوي الأمر الذي يؤدي من جانب آخر الى تزايد معدل الناتج القومي الايطالي بنسبة تزيد على 3% على ضوء تزايد عدد الذين يدفعون الضرائب من المهاجرين الجدد. هستيريا عنصرية ايطاليا ومعها عدد من دول الاتحاد الاوروبي، تحاول نسيان ماضيها القريب بكونها واحدة من أكبر بلدان العالم تصديراً للمهاجرين، لتنقل مسرح التمييز والازدراء للقادمين الجدد، ولترتفع أصوات العنصرية لدى شرائح واسعة من ناسها ليعبروا عن تنامي شعور عام من الكراهية، أصبح يشكل ظاهرة مرضية يطلق عليها «الاسلاموفوبيا» في اقصى تجلياتها تبلورت في معظمها عن اعتبارات سابقة تغذت بهجمات 11 سبتمبر، أو عن الخوف المتنامي الذي تغذيه التيارات اليمينية التي تتبنى ايديولوجيا متطرفة مستوحاة بشكل خاص من التجربة الفاشية الايطالية، والذي تبنته احزاب سياسية أثبتت حضورها السياسي في ايطاليا كحزب التحالف الوطني (الفاشية الجديدة) سابقاً والذي يقوده جانفر انكو فيني نائب رئيس الوزراء الحالي، حيث وظف الحزب هذا النهج وبقوة على صناديق الاقتراع في انتخابات العام الماضي ليحقق فوزاً كبيراً. ووسط مناخات سياسية محتدمة تعيشها ايطاليا في الوقت الراهن، تكشف ظاهرة العنصرية المقيتة عن وجهها لتمتد وعلى نحو سريع في بعض نواحي المجتمع الايطالي الذي عرف بالتسامح، حيث تنفجر أعمال العنف العنصرية في العديد من المدن الايطالية على نحو غير مألوف راح ضحيتها عدد من المهاجرين العرب والافارقة الهاربين من جحيم الفقر والمهانة. ويرتفع الصوت اليميني المتطرف، المعادي للهجرة الاجنبية، وبالذات المهاجرين العرب الذين اضطرتهم ظروف بلدانهم القسرية، السياسة والاقتصادية والطبيعية، الى البحث عن فرص آمنة وراء الحدود طلباً للحرية ولفرص العمل المجزي. وتبالغ محطات الضخ الإعلامي العنصري التي ترمي الى مضاعفة وتمجيد ثقافة التفرقة العنصرية، في التحدث عن الحصار الذي يفرضه العالم الثالث على القلعة الاوروبية التي لم تعد حصينة بعد ما بدأت بالزحف (غير المقدس) عليها كما وصفته وسائل إعلامها اليمينية، جحافل العالم الفقير. وتتصاعد مع هذه الجوقة الإعلامية المبحوحة والمسموعة من كل مكان، تصريحات لقادة سياسيين ورجال دين، كتلك التي أدلى بها اسقف مدينة بولونيا الكاردينال جياكمو بيفي العام الماضي، ولاقت تأييداً واسعاً، بل مزايدات في الأوساط اليمينية، التي رأت فيها تشديداً على حق ايطاليا في الدفاع عن هويتها الثقافية والدينية التي يتهددها الاجتياح الاسلامي، إذ دعا هذا الكاردينال العنصري الى وقف تدفق المهاجرين المسلمين وتشجيع المسيحيين من اميركا اللاتينية والفلبين وافريقيا على الهجرة الى ايطاليا، بحجة ان (المسلمين غريبون عن انسانيتنا، يأتون الى بلادنا مصممين على البقاء غرباء عن جوهر حضارتنا، رافضين التأقلم والتكيف بانتظار ان يقبل الآخرون على مبادئهم ويعتنقوها). الانتهاز السياسي هذه السياسة الكاذبة التي يروج لها اليمين، ولا تجرؤ الحكومة على الجهر بها مباشرة، تعكس للناس بأن المهاجرين ينتزعون الوظائف من العمال الايطاليين، بل انها تذهب الى أكثر من ذلك، من خلال لجوئها الى مسايرة الاحزاب والروابط العنصرية في مشاعر العداء للأجانب، والى تقييد الهجرة مما دفعها للانتقال الى السرية، فأصبحت غير شرعية، فأصبحت معضلة داخلية، اقتصادية وسياسية وثقافية، خصوصاً بعدما أصبح الرأي العام يقول كلمته فيها عبر صناديق الاقتراع. وقد دأب العلماء والاكاديميون الايطاليون منذ سنوات على التحذير من مشكلة خطيرة تتمثل في تناقص عدد سكان البلاد في وقت ترتفع نسبة المعمرين والمتقاعدين، كما أوضحوا بأن «فقراء العالم يهاجرون في اتجاه الدول الغنية على أمل تحسين أوضاعهم المعيشية، فإن الدول الغنية في حاجة ماسة ومتزايدة لاستجلاب طاقات انسانية شابة أكثر خصوبة من أجل اكساب مجتمعاتها قدرة على التواصل». وعلى الرغم من خطورة هذه الظاهرة على مستقبل البلاد، فإن المسئولين لم يعيروا المشكلة أهمية تذكر. إلا ان مطرقة الضرورات الاقتصادية تحاول اجبار السلطة السياسة بضرورة سد النقص في العديد من المصانع الايطالية التي تقدم أصحابها بعشرات الطلبات الى المسئولين يعلنون فيها حاجتهم العاجلة للأيدي العاملة الأجنبية على ضوء عدم رغبة العاطلين عن العمل من الايطاليين بمغادرة مدنهم وقراهم الجنوبية للنزوح الى مواقع العمل الجديدة في الشمال الصناعي، وكذلك عدم رغبتهم في ممارسة الأعمال الشاقة، فهم يحبذون العمل كموظفين بدوائر الدولة القريبة من بيوتهم. فهذا الذي يصفونه بـ «الطاعون» القادم الذي ينافسهم في سوق العمل ويقلل الفرص المتاحة أمامهم، لا يجب الهرب منه، بل مطاردته والقضاء عليه بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، سواء وصل محظوظاً الى الشواطيء ولم يبتلعه البحر، أو سلم من الاختناق داخل حافلات النقل، ليسقط بين أيدي خفر السواحل، أو هرب ليسقط بين أيدي مافيات السخرة في مزارع الطماطم في الجنوب، وهناك من يعتقد بأن على الناس التفكير في الهجرة من ناحية الفوائد الاقتصادية وليس من ناحية المشكلات الاجتماعية. وقد اكتشفت ايطاليا بأن سياسة «الهجرة صفر» التي كانت تتبعها منذ ثلاثين عاماً لم تعد ملائمة للضرورات والاحتياجات الاقتصادية المتعاظمة، ويدل على ذلك النقص المتزايد الذي تعلن عنه العديد من المصانع الايطالية في الأيدي العاملة والذي يقدر بأكثر من 150 ألف مهاجر. ونجحت الرابطة الشمالية العنصرية التي يقودها اومبيرتو بوسي وزير التعديلات الدستورية في حكومة الائتلاف الحالي، والذي هجر شعار استقلال بادانيا المستقلة عن ايطاليا ليرفع شعار «الحرب الصليبية» على الوجود العربي في عموم مدن الشمال الايطالي، بالجهود التي تبنتها في حمل حكومة اليمين التي يقودها رجل المال سيلفيو بيرلوسكوني على تبني قانون متشدد حيال الهجرة يفرض اجراءات أكثر صرامة تجاه المهاجرين. فقد صادقت الحكومة على قانون يسمح بترحيل المهاجر إذا ما طرده رب العمل، وهو الأمر الذي يزيد من ضغوط أرباب الأعمال على العمال المهاجرين، كما يسهل القانون الجديد طرد المهاجرين من البلاد إذ ان تصاريح العمل للأجانب في ايطاليا لن تمنح إلا لأولئك الذين يملكون عملاً داخل البلاد ولمدة عامين، حيث سيتم طردهم في حال فقدانهم لأعمالهم قبل انتهاء فترة تصريح الاقامة، كما يفرض القانون الجديد على الأجانب وجوب اعطاء بصماتهم للحصول على وثائق رسمية، ويضيق القانون على ما يسمى بـ «الانضمام العائلي» الذي كان يسمح لعائلة المهاجر بالانضمام اليه، ويخول الاجهزة العسكرية البحرية بتدمير السفن التي تستخدم في نقل المهاجرين غير الشرعيين، وكذلك السفن التي يأمر القضاء باحتجازها، ومازال المرسوم الذي يفرض حال الطواريء في ايطاليا حتى ديسمبر المقبل ساري المفعول. غياب المعايير يسلك المهاجرون غير الشرعيين رحلة شاقة للوصول الى غايتهم عبر طرق محددة ومحطات معروفة في الجنوب الايطالي الذي تمتد سواحله الى مئات الكيلومترات، بعضه معروف جيداً من قبل الاجهزة الأمنية مما يعني ان إحكام المراقبة على العديد من هذه المناطق يأتي بنتائج ايجابية في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية، إلا انه يعني ايضاً إجبار المهاجرين على دخول البلاد من الأبواب الخلفية، وهو ما يعني حرمانهم من أي حقوق تتعلق بالخدمات والمعاملة التي تنص عليها القوانين الدولية. أجهزة مكافحة الهجرة الايطالية تعلم بالطرق التي يسلكها المهاجرون، وهي على معرفة دقيقة بالطرق والامكانيات التقنية الالكترونية المتطورة للمهربين، وعلى علم بالتسعيرة المفروضة من قبل رجال المافيا وشبكات تهريب العمالة السرية، كما ان السلطات تعلم بأن عصابات المافيا والكومورا التي أوجدت تعايشاً متبادلاً بينها وبين المهاجرين الراغبين طوعاً في الانتقال من بلدانهم الى أوروبا، بنت شبكات منظمة تدر عليها أرباحاً خيالية من خلال وضع المهاجر كبضاعة. المشكلة الديموغرافية في ايطاليا السائرة نحو الشيخوخة المتفاقمة لا يمكن حلها داخل واقع لا يقدم أية حوافز مادية ومعنوية بينها التسهيلات الضرائبية والدعم المالي، وحماية الامهات من مخاطر البطالة أثناء فترات الحمل والحضانة، كما ان المشكلة تظل مستعصية ما دامت الحكومات لم تهييء المستلزمات الأساسية بتبني سياسات تنطوي بعدم ربط وادماج «البرابرة الجدد» كما يطلق عليهم السنيور بوسي الذين يتربصون برخاء أوروبا داخل المجتمع الجديد، وانه لا يمكن تحويل المهاجرين الى كبش فداء للتغطية على فشل الوعود والبرامج الحكومية الانتخابية. من جانب آخر، يتحتم التأكيد على ضرورة فضح السياسات الانتهازية التي يسلكها زعماء أوروبا المحاصرون بين شقي الرحى ما بين اعترافهم بحاجة بلدانهم لأيد عاملة جديدة، وبين حرصهم لارضاء مشاعر شعوبهم في معاداة المهاجرين سواء من الشرعيين أو غير الشرعيين. ويتوجب في المقابل وبالقدر نفسه الذي توليه الدول والمنظمات العالمية، أن تبدي بلدان المنشأ وبالذات الدول العربية وجامعتها العتيدة، قدراً من الاهتمام بهذه المشكلة الناجمة عن قصور اقتصادي وقمع سياسي واجتماعي، وان يكون هناك حرص مماثل لوضع معايير دولية لحماية مهاجريها من شتى الانتهاكات والممارسات المضرة بهم وبأسرهم، وان تسعى هذه الدول لخلق علاقة سوية بالطاقات والأدمغة البشرية التي تضطهد وتهمش وتهان وتساء معاملتها في المهاجر البعيدة. ـ كاتب عربي