الملف السياسي: لم يكن سرا أن هدف قمة أشبيلية الأوروبية الأخيرة كان تحويل «استراتيجية الهجرة الى سياسة خارجية أوروبية»، خصوصا بعد أن ضجت دول أوروبية كثيرة من زحف أبناء الجنوب شمالا بحيث بلغ عدد المهاجرين غير الشرعيين سنويا نحو نصف مليون شخص! وكان الطموح أن تختتم أسبانيا دورتها الرئاسية للاتحاد الأوروبي بتحقيق اتفاق «عام وتام» حول الموقف من الهجرة السرية، لكن لم تأت الرياح الأوروبية بما يشتهي خوسيه ماريا أزنار رئيس الحكومة الأسبانية الذي حث زملاءه من قادة أوروبا في بداية الاجتماعات على أن تكون الرسالة التي ينبغي أن تصل الى الشعوب الأوروبية هي أن قضية الهجرة تحظى بالأولوية.. لكن الاحباط كان لأزنار بالمرصاد عندما انقسم قادة أوروبا الى قسمين حول الخطة التي اقترحها وتتعلق بمعاقبة الدول المصدرة للهجرة والتي لا تبدي تعاونا في مكافحة شبكات تهريب المهاجرين، عبر ربط المساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لبعض هذه الدول بدرجة استعدادها للتعاون من أجل مكافحة الهجرة السرية. وقد أخذت فرنسا والسويد الموقف المناوئ للخطة الاسبانية وانتقد الرئيس شيراك بنودها مؤكدا أنها تؤدي الى مضاعفة أعداد المهاجرين لأن وقف المساعدات سيؤدي الى مزيد من تدهور الوضع الاقتصادي في هذه البلدان. واذا علمنا أن السبب الاقتصادي يأتي على رأس الأسباب التي تدفع مواطني العالم الثالث الى النزوح والهجرة، لتبين لنا أن الخطة الاسبانية ستؤدي الى عكس ما ارادت. صحيح أن المانيا وبريطانيا أيدتا الاقتراحات الخاصة بالتشدد مع المهاجرين، وطرد غير الشرعيين منهم إلا أن الاتجاه الغالب والذي عبرت عنه بلجيكا كان الميل الى المرونة ومعالجة أسباب المشكلة، فاغلاق دول الاتحاد الأوروبي أسواقها - كما يقول رئيس وزراء بلجيكا - أمام دول العالم الثالث هو أحد أسباب نزوح أعداد كبيرة من مواطني هذه الدول الى أوروبا. تعقب المهاجرين أما توني بلير فعاد وكرر اقتراحه بأن يقوم الأسطول الملكي البريطاني بدوريات في مضيق جبل طارق لتعقب القوارب التي تقل أفواج المهاجرين السريين المتجهين نحو الحدود الأوروبية. ولقد استهجن بعض قادة أوروبا هذه الفكرة مشيرا الى أن الهجرة السرية تأتي من كل صوب، ومن كل المداخل برا وبحرا وجوا، بل أن هناك رحلات تأتي بطريق مشروع، ثم يمكث أفرادها داخل أوروبا، ويرفضون العودة. وفي محاولة اسبانية لاستقطاب أي اجماع أوروبي على بعض أفكارها بشأن الهجرة تحدث خوسيه ماريا أزنار على ما أسماه بسياسة العصا الغليظة، وطالب بأن تبدأ كل دولة أوروبية بتنظيف بيتها من الداخل على أن يتم لاحقا وضع سياسة أوروبية موحدة لاستئصال جرثومة الهجرة السرية وصولا الى حلم «الهجرة صفر». وفي هذا الاطار أوضح أزنار أن السلطات الاسبانية قامت بترحيل 17 ألفاً و290 مهاجراً غير شرعي في الأشهر الستة الماضية من بينهم أربعة آلاف و686 مغاربياً، وقال ان هذه الأعداد تشكل نسبة 160% بالمقارنة مع من تم ترحيلهم في العام الماضي. وليس خافيا أن أوروبا تعاني بالفعل من طوفان المهاجرين الذين سدوا عليها كل المنافذ. فالاحصاءات تذكر أن دول الاتحاد الأوروبي ال15 بها نحو 19 مليون أجنبي أي ما يعادل نحو 5% من اجمالي السكان، وأن البطالة تضرب أطناب المجتمعات الأوروبية، بحيث يزيد حاليا عدد العاطلين عن 18 مليون شخص من مختلف الأعمار، ولذلك بدت «الهجرة» تحديا اقتصاديا بالدرجة الأولى.. لكن فوز اليمين السياسي المتطرف في عدد من دول أوروبا مثل فرنسا، وهولندا، والدانمارك والنمسا كان بمثابة ناقوس الخطر الذي شد انتباه القوى السياسية الأوروبية محذرا من وقوع ربوع أوروبا تحت وطأة اليمين المتطرف، لذلك ومن قبيل المناورات الانتخابية - كان طبيعيا بل وضروريا وهذا ما شددت عليه الأحاديث الجانبية في دهاليز قمة أشبيلية - أن تسحب قوى الوسط السياسي والاشتراكي البساط من تحت أقدام اليمين المتطرف بتبني مقولاته بشأن الهجرة والمهاجرين. ورقة انتخابية ويذكر تاريخ الانتخابات في فرنسا ـ على سبيل المثال ـ مقولة شهيرة لعنصر اشتراكي بارز هو ميشيل روكار ـ الذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد الرئيس فرانسوا ميتران ـ يرفض فيها طوفان المهاجرين واللاجئين من دول العالم الثالث وصرخ في محدثه يوما قائلا: إن فرنسا لا يمكن أن تكون مرتعا لبؤساء العالم الذين يأتون اليها سرا وعلانية. وليس خافيا أن روكار كان يريد أن يقطع الطريق أمام جان ماري لوبن زعيم حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف الذي يرفع شعار: فرنسا للفرنسيين وليس للأجانب والمهاجرين. وشئ كهذا حدث في جولة انتخابية للرئيس جاك شيراك عندما تحدث للمحيطين به عن شعوره بالتقزز من رائحة طعام المهاجرين عندما يجد نفسه مضطرا للسير في الأحياء التي يسكنونها في باريس! وعلى الرغم من هذا النفاق الانتخابي فإن مثل هذه التصريحات المعادية للمهاجرين من كافة ألوان الطيف السياسي في أوروبا تعني شيئا واحدا هو أن قضية الهجرة قفزت لتحتل بالفعل مكانا بارزا في البرامج الانتخابية، وأن قادة أوروبا بدأوا يعترفون بأن هذا الملف يشكل «صداعا» في رؤوسهم لابد من معالجته.. ومن هنا تأتي مبررات الطرح الأسباني الذي يرتكز على أربعة عناصر هي: ضبط موجات الهجرة، والمعاملة المنصفة لرعايا الدول غير الأعضاء، والتعاون مع البلدان الأصلية للمهاجرين وأخيرا سن قوانين أوروبية للاجئين تتطابق مع فضاء الحرية والديمقراطية الذي تفخر به أوروبا الليبرالية. وكان وزراء داخلية أوروبا في اجتماع سابق مباشرة لقمة أشبيلية ناقشوا اقتراحا أسبانياً حول إنشاء وحدة لحماية أمن المطارات الدولية وتكوين خلية لموظفي الاتصالات، والبحث عن صيغ ملائمة لاقامة تعاون مرن، ومكثف بين أجهزة الشرطة والقضاء. وبدورها تقدمت بلجيكا باقتراح تأشيرة واحدة وبطاقة هوية مشتركة لكل دول الاتحاد مع تشديد الاجراءات الأمنية على الحدود الخارجية لمراقبة دخول الأشخاص الى دول الاتحاد. أما نيكولا ساركوزي وزير الداخلية الفرنسي فقد تحدث عن توحيد تدريجي للاجراءات، واقامة مشروع ادارة مشتركة للحدود، وتوحيد القواعد والمعلومات للأشخاص وانشاء ادارة لمكافحة شبكات الهجرة السرية، وعمليات الترحيل القسري. وأبدت المفوضية الأوروبية في بروكسل تفهما كبيرا لكل الطروحات على أن تتولى مهمة اقتسام التكاليف المالية بين الدول ال15. وضمن القمة دعت أسبانيا - انطلاقا من اقتراحها الخاص بأن تنظف كل دولة بيتها من الداخل - الى احداث تعديلات جوهرية في قواعد الاقامة وحقوق المهاجرين المقيمين بصفة رسمية ومنها تخفيض الحد الأقصى للأولاد الذين يتم استدعاؤهم بمقتضى قانون لم شمل العائلة ليصبح 16 عاما بدلا من 18 عاما. وتحدثت أيضا عن تغليظ العقوبات للقائمين على شبكات تهريب المهاجرين لتكون ثمانية أعوام سجنا بدلا من خمسة أعوام. مرارة الفشل أما ما ألح عليه خوسيه ماريا أزنار فهو ما أسماه بسياسة تصفيح أبواب أوروبا الجنوبية بحيث يصبح العبور من خلالها صعبا في بعض الدول مثل المغرب التي تعتبر «بؤرة تصديرية» أساسية للمهاجرين الذين يأتونها من كل فج عميق، ثم ينطلقون منها باتجاه حدود دول الشمال. وأمام انقسام قادة أوروبا حول الوثيقة التي تقدمت بها اسبانيا حول الهجرة والمهاجرين سعى خوسيه ماريا أزنار الى تخفيف مطالبه التي كان يود أن تتبناها أوروبا كسياسة عامة - وهو ما لم يحدث على كل حال - وتقدم بمشروع جديد يكلف مجلس أوروبا - بمقتضاه - بأن يتضمن أي اتفاق تعاون أو شراكة مع الاتحاد الأوروبي فقرة حول الادارة المشتركة لتيارات الهجرة، وأن يتولى المجلس تقويم العلاقات بين دول الاتحاد ال15 والدول الأخرى التي ترفض أو تتقاعس عن مواجهة الهجرة غير الشرعية. اللافت للانتباه أن اسبانيا خرجت من قمة أشبيلية بمرارة تملأ الفم لعجزها عن اقناع قادة أوروبا بخطتها الخاصة لمكافحة الهجرة السرية.. كما أن خوسيه ماريا أزنار رئيس الحكومة الاسبانية بدا أمام مواطنيه «بالفاشل» لأنه - بحسب صحيفة البايس الاسبانية - لم يحقق من أجندة الطموح الأسباني إلا النذر اليسير.. فعلى مدى ستة أشهر ترأست فيها اسبانيا الاتحاد الأوروبي من يناير حتى نهاية يونيو 2002 لم يف بما سبق أن وعد به وهو تكريس سياسة خارجية موحدة للاتحاد، وتحويل استراتيجية الهجرة الى سياسة خارجية أوروبية. صحيح انه نجح نسبيا في اعطاء دفعة لمسيرة التعاون الأورومتوسطي في اجتماعات فالانسيا، ودفع بخطوات الى الأمام مفاوضات الانضمام وتوسيع الاتحاد الأوروبي، إلا أنه فشل على صعيد ملف الهجرة المرتبط بالملف الأمني بشكل مباشر، كما لم يتمكن من فرض أي دور لأوروبا خارجيا في مناطق الصراع الملتهبة وخصوصا الشرق الأوسط . باختصار، لقد كانت ورقة الهجرة هي آخر الأوراق التي كانت أسبانيا تتمنى أن تربح بها داخليا وأوروبيا، لكن ليت المطالب بالتمني! ـ كاتب مصري