تبدو علاقة الدول الأوروبية بظاهرة الهجرة غير المشروعة اليها اشبه بقصة جحا الذي اراد ان يبعد عنه صغارا تجمهروا حوله ساخرين منه، فأوهمهم أن زفافا يقام في مكان قريب، ويقدمون خلاله الحلوى. فهرع الواحد تلو الاخر ، الى الحفل المزعوم. ولما لم يعد امام جحا احد من الصغار صدق هو نفسه اكذوبته ولحق بهم طمعا بالحلوى! لا يعني ذلك ان الظاهرة غير موجودة كمشكلة باتت تبدو مستعصية على الحل، وتفرز نتائج ذات نوعين الأول سلبي: ومنه تحول التهريب الى أوروبا الى تجارة بشرية، تنفذها مافيات دولية، وتأثير الموروث المنقول سلبا على المجتمعات المحلية، وما شابه. والنوع الثاني ايجابي ابرز ما فيه ان الهجرة تكسب المجتمعات والدول الأوروبية خبرات وايادي عاملة وافدة، بأبخس الاثمان. يشكل التصنيف بداهة ساذجة. لأن الهجرة «حتى المشروعة منها» لا تتحول الى قضية وطنية وقومية تقلق الدول الآتية اليها الا اذا تحولت الى كتلة اسهم في بورصة التجاذبات السياسية المحلية، او اذا كان طرح هوية المهاجرين وجنسياتهم يصب في خانة الحقد العنصري الاعمى ضد هؤلاء من العرب والمسلمين، مثلا. انعقدت القمة الاوروبية مؤخرا في مدينة اشبيلية ليس لتناقش ما يلزم لمواجهة الهجرة «وهو جدول الاعمال الاساسي لها»، بل لتؤكد عجز الاتحاد الأوروبي عن توحيد القوانين المنظمة لعمليات الهجرة الى داخل دوله. لا جديد في ذلك. يقول الخبير في شئون الهجرة من مجلس التعاون الاقتصادي والتنمية «مقره في باريس»، جان بيار غارسون: «لم ألاحظ في الفترة الأخيرة اي تحولات مهمة تطرأ على كبرى حركات الهجرة الى القارة». ولكن من الناحية السياسية، كان لظاهرة الهجرة اثرها في سياسة أوروبا. فهي قد ساهمت في خلق سلسلة من التحولات الملحوظة على مستوى القارة قبل عامين ونصف العام عندما التقى زعماء الاتحاد الأوروبي في «تامبيري» «فنلندا» وادرجوا موضوع الهجرة والنفي في صدارة مداولاتهم. ولكن تباحثهم في الأمر كان مبهما وسطحيا بعض الشيء. فهم اكتفوا مرة اخرى بتأكيد التزامهم بأحد ابرز بنود معاهدة «امستردام» العائدة للعام 1999 والخاصة بهذا الموضوع الذي ينص على تحويل الاتحاد الأوروبي الى «واحة من الحرية، الامان والعدالة لقاصديها» خلال السنوات الخمس الاولى من توقيعها. وجهة نظر ألمانية فماذا حصل في قمة اشبيلية؟ الى اي مدى «يتفاءل» القادة الاوروبيون بنجاح خطوات المعالجة «تعبير دبلوماسي يقصد المكافحة والمحاربة اللتين تنطلقان من دوافع عنصرية في اغلب الاحيان في ظل شبه اجتياح اليمين الاوروبي لمعظم مواقع السلطة والقرار»، خاصة وأن أية خطوة تتخذ في مواجهة مد الهجرات غير الشرعية جاءت متأخرة جدا؟ ثمة وجهة نظر المانية تعكسها «للملف السياسي» الصحافية الالمانية المقيمة في بيروت كرستينا فورش التي تجيب عن سؤال حول ابرز نتائج قمة اشبيلية في «معالجة» تلك الهجرات فتقول: يمكن الجزم بأن القمة الاخيرة لقادة الدول الاوروبية، في مدينة اشبيلية الاسبانية، لم تتوصل الى اتفاق ملموس في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية التي كانت من بين المواضيع الأساسية على جدول أعمال القمة، لقد تم التوصل الى اتفاق على محاربة العصابات التي تجني الاموال من تهريب المهاجرين، وابدى الزعماء الأوروبيون رغبتهم في اعتماد خطة للحراسة المشتركة للحدود. ومن الواضح ان اوروبا، في حال اتخاذها اجراءات مشابهة، تثبت ارادتها في اقفال حدودها بفاعلية اكبر من تلك المتوافرة حاليا، اقله على المستوى العملي، برغم ذلك، لم تخرج القمة بأي اتفاق على المستوى السياسي في هذا المجال. ويبدو مستبعدا اقرار قانون اوروبي موحد ينظم الهجرة واللجوء الى دول الاتحاد الأوروبي، فاذا كانت محاولات تعديل قانون الهجرة على المستوى الوطني تفشل، في الغالب، كيف يمكن ايجاد حل على مستوى أوروبي ـ دولي؟ هل ترى الهيئات والاحزاب ان ما اتخذته حكومات الاتحاد الأوروبي جدير بالتصدي لأسباب الهجرة غير المشروعة ونتائجها؟ وهل من موقف اوروبي موحد أساسا في التعاطي مع هذا الأمر؟ تقول فورش مجيبة بالتوقف عند بعض نقاط التباين في المواقف الأوروبية ـ الاوروبية حيال ذلك، معلوم ان ما بين دول الاتحاد الاوروبي، يتميز تعاطي اسبانيا وايطاليا مع الهجرة غير الشرعية بالحدة ـ يشكل البلدان بوابة المهاجرين من المغرب وافريقيا ودول اوروبا الجنوبية، خصوصا البانيا، اما بريطانيا، فترغب في «معاقبة» الدول مثل «بولندا وتركيا» اقتصاديا، عبر قطع المساعدات الأوروبية عنها، اذ لم تعمل على وقف تدفق مواطنيها. السويد وفرنسا، من جهتهما، تتخذان موقفا اكثر تراخيا وتفضلان زيادة المساعدات الاقتصادية الاوروبية للدول الفقيرة من اجل محاربة اسباب الهجرة غير الشرعية، فيما تقف المانيا في موقع متوسط بين الفريقين، ومن دون ان ينفي ذلك موقف المستشار غيرهارد شرويدر المائل نحو اقفال اكثر فاعلية للحدود واجراءات ترحيل اسرع للمهاجرين غير المرغوب فيهم. الى ذلك، لا ننسى ان الوقت في المانيا وقت انتخابات، ومن الافضل عدم التطرق الى المواضيع الحامية مثل الهجرة واللجوء. في نهاية الأمر اقر القانون بعد جدال حاد، لكنه فشل، في الاساس لم يكن هناك اصلاح حقيقي في القانون، اذ انه لم يتضمن سياسة محددة للتعاطي مع الهجرة الشرعية وغير الشرعية، كما لم يتضمن معايير للتحكم بالهجرة الشرعية، والحال نفسه بالنسبة الى اللجوء. اكثر ما تم التوصل اليه خطة من اربع نقاط: تشجيع الهجرة من دول الاتحاد الأوروبي! الى المانيا، والسماح للموظفين ذوي المواصفات العالية بالعمل في البلاد، والسماح لرجال الاعمال بالدخول الى المانيا شرط ان يستثمروا فيها 100 مليون يورو على الأقل ويخلقوا عشر وظائف جديدة، واخيرا وضع نظام معايير تتيح للمهاجرين تقديم طلباتهم للحصول على اقامة في ألمانيا كما هي الحال في الولايات المتحدة، وهذا امر مستبعد تطبيقه في السنوات المقبلة. عالم متحرك ـ بذلك المعنى يمكن القول باختصار ان قمة اشبيلية لم تنجح في المراد منها؟ ـ فورش: الواقع انه يظهر بوضوح ان اي خطوة ملموسة لم تتخذ، لا في المانيا ولا على المستوى الاوروبي لحل مسألة الهجرة غير الشرعية. الحدث الاهم في المانيا كان اعتراف السياسيين بأن البلاد لم تعد ملك الالمان حصرا، بل اصبح هناك اجانب يشاركونهم اياها، خصوصا الجيلين الثاني والثالث من «العمال الضيوف». في نهاية الامر، نعيش اليوم في عالم متحرك واكثر شمولية والهجرة واحدة من نتائج هذا التحول.. ينبغي، الآن، الاسراع في وضع قوانين تشرع الهجرة الى أوروبا، لأن هناك حاجة الى نسبة معينة من المهاجرين في العقود المقبلة. واخيرا وليس اخرا، ليس اغلاق الحدود الأوروبية سوى معركة خاسرة في كل الاحوال. تجنب الهجرة غير الشرعية وغير المرغوب بها لا يمكن ان يتم بغير تقليص عواملها التي هي الفقر والنزاعات والظلم الاجتماعي والاقتصادي، وهي تحديات تواجه عالم اليوم اكثر بكثير من الهجرة غير الشرعية. عنصرية سوداء لكن اراء فورش تلك تبدو احادية الزاوية، لربما كون صاحبتها أوروبية تحاول امتطاء جواد الموضوعية. فمواقفها المبنية على ان أية «خطوة اوروبية ملموسة» لم تتخذ بعد، لا في قمة اشبيلية، ولا قبلها، ولن يكون بعدها، في تقديرها المسبق، تبدو مواقف غير دقيقة لأنها تصب في خانة تهميش المطروح أوروبيا، سواء من ناحية المضمون او النقاش وتوجهاته، او النتائج وتوجيهاتها. هذا ما تراه الكاتبة السياسية اللبنانية في الشئون الدولية سحر بعاصيري التي ترى ان المناخ والتوقيت الراهنين اللذين تطرح فيهما مسألة الهجرة غير المشروعة الى اوروبا، يشكلان بحد ذاتهما «الخطوة الملموسة» التي حصلت والتي لم تستوقف الاعلامية الالمانية فورش. كيف يمكن تقييم هذه الخطوة ضمن سياق المواجهة الاوروبية الجدية، هذه المرة اكثر من أي وقت مضى؟ تجيب بعاصيري بقولها: رغم الاختلافات، تبدو المخاوف في أوروبا متشابهة وكذلك الموضوعات الرئيسية: خوف من تنامي ظاهرة المهاجرين وصل الى حد العداء لهم واحيانا الرفض الهستيري لهم. خوف من العولمة والطغيان السياسي لأميركا على أوروبا وكذلك الخوف على الوظيفة وعلى الاقتصاد عموما. خوف على السياسة الوطنية من مفاعيل الاتحاد الاوروبي، يضاف الى هذا ان انهيار الشيوعية وضع الاحزاب التقليدية في أوروبا تحت المجهر، فانكشف فسادها او عجزها عن وضع برامج تجتذب الناخبين او تستجيب لمخاوفهم وطموحاتهم، وفي المقابل وجود احزاب مستعدة لتلقف الخائبين والتعبير عن تطلعاتهم. ـ هل من اتجاهات أوروبية جديدة في التعاطي مع ذلك؟ ـ بعاصيري: ذلك يشكل بعض الجوانب مما يتردد في انحاء أوروبا، خاصة لجهة الدعوات التي باتت تكتسب شعبية تدريجيا، وتختلف اصوات مطلقيها لكنها كلها تدفع في اتجاه سياسات جديدة معادية للمهاجرين وللاجانب، داعية الى تشدد السياسات الاقتصادية مثل تخفيف الضرائب على الارث والضرائب على الدخل، وتشدد في السياسات الاجتماعية مثل تقليص دور الدولة الرعائية، وتشدد امني مثل توسيع السجون واعادة العمل بعقوبة الاعدام، وتشدد في الحريات مثل الحد من حرية الاقليات والاجهاض وغيرها. واكتسب هذا التيار دفعا اضافيا بعد هجمات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن واعلان الرئيس الأميركي جوج بوش حربه على الارهاب. فقد تعززت المشاعر العنصرية وهستيريا العداء للهجرة والاجانب في أوروبا، الامر الذي ينعكس في النتائج التي يحققها اليمين المتطرف في هذه المرحلة. على ضوء ذلك ممكن القول باختصار، ان الاحزاب التقليدية الاوروبية ولا سيما منها الديمقراطية الاشتراكية واليسارية عموما تقف في مواجهة تحديات كبيرة لاعادة تعريف نفسها وبرامجها، فيما تخيم على أوروبا كلها غيمة من العنصرية السوداء. تطويق الاسلام اذن قضية المهاجرين الى أوروبا تكبر او تصغر وفق مدى السواد في هذه العنصرية. وينطبق الامر على الولايات المتحدة الاميركية ايضا. وفي الحالتين الاميركية والأوروبية يجري تسخين الحقد ضد المهاجرين المسلمين. وارتفعت هذه الوتيرة منذ تفجيرات 11 سبتمبر الماضي، حيث اتضحت حقيقة ان المقصود ليس المهاجرين بحد ذاتهم، بل في حال كانوا مسلمين. هكذا يقول الباحث الاستراتيجي، رئيس رابطة الخريجين اللبنانيين من الجامعات الفرنسية الدكتور وليد عربيد الذي يضيف: «هناك تساؤلات» تدور حول ما اثير عن «صدام الحضارات» فهل كان ذلك من اجل تطويق المد الاسلامي في المجتمعات الغربية؟ فاليوم يتحدثون عن ثمانية ملايين مسلم في الولايات المتحدة الأميركية. هؤلاء وصلوا عبر الهجرة. وهم قد يصبحون بعد فترة 18 مليونا. ومن الممكن ان يكتسب الاسلام عبر تسامحه ارضية جديدة. وفي الاتحاد الأوروبي هناك 17 مليون مسلم نتيجة الهجرة الوافدة من الخارج الى المجتمعات الاوروبية التي تضم 350 مليون نسمة. ـ لكن عدد المسلمين غير كبير؟ ـ عربيد: لكن رقم 17 مليون مسلم يمثل حالة في الاتحاد. ثم ان الديانة الاسلامية هي الثانية في فرنسا بعد الكاثوليكية من حيث الاتباع. وبالتالي فان السبعة عشرة مليون مسلم قد يتضاعفون ثلاث مرات في فترة من الزمن بحيث يصبحون قوة فاعلة داخل المجتمعات الغربية. من هنا يرد السؤال: هل ما يجري تطويق لهذا الوجود أو ان هناك سعيا لايجاد اسلام باستطاعته التعاطي مع الغرب؟