عبرت قرارات قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في برشلونة عن اتجاه ملحوظ نحو التشدد فيما يتصل بقضية الهجرة غير الشرعية. الا أنه بالنظر الى ما كان مطروحا على القمة من أفكار وتوجهات، يمكن القول أن قراراتها قد مثلت في نهاية الأمر انتصارا لصوت الاعتدال والواقعية على أصوات التطرف في الانغلاق والعزلة ودعاوى تحويل أوروبا الى قلعة عالية الأسوار، موصدة الأبواب والنوافذ باحكام في وجوه «الغرباء». الجدال الذي شهدته القمة حول الهجرة غير الشرعية وسبل التعامل معها انعكست فيه الاتجاهات الفكرية والسياسية المتصارعة في القارة العجوز. كما انعكست فيه الرؤى المتباينة للأحداث والتطورات السياسية والاقتصادية في أوروبا والعالم. فقد كان من الطبيعي، مثلا أن تفرض نفسها على الزعماء المجتمعين في أشبيلية أصداء الانتخابات التي شهدت انتصارات مهمة لليمين، وصعودا مثيرا للقلق لليمين المتطرف في أكثر من بلد أوروبي كان آخرها فرنسا وهولندا. وهي وقائع تعكس تحولات في اتجاهات الرأي العام لا يمكن للسياسيين تجاهلها، خاصة اذا كانت تنتظرهم انتخابات قريبة. كما فرضت نفسها على القمة أصداء الحرب الأميركية على «الارهاب» الدائرة بلا هوادة منذ أحداث 11 سبتمبر، بما يرافقها من هيستيريا أمنية وتصاعد محموم لأفكار «صراع الحضارات» وأمزجة عدائية تجاه دول وشعوب العالم الثالث عموما والعالم العربي والاسلامي خصوصا.. مع تزايد الحذر والمخاوف حتى من أبناء شعوب أوروبا الشرقية والبلقان، وخصوصا الأكثر فقرا من بينهم أو الأبطأ في وتائر انتقال مجتمعاتهم الى اقتصاد السوق، بعد انهيار النظم الاشتراكية فيها كالصرب والألبان والمقدونيين والمولدافيين والأوكرانيين والروس. والأمر المؤكد أن الأفكار والأمزجة والمخاوف الأميركية في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر كان لها انعكاساتها القوية على أوروبا عبر وسائل الاعلام الجبارة والحملات السياسية المستمرة. فقد ساهم ذلك في خلق أجواء أكثر مواتاة لصعود اليمين المتطرف المعروف بعدائه الأعمى للمهاجرين سواء أكانوا شرعيين أم غير شرعيين.. وكان من شأن هذا كله تعزيز الميول المحافظة والمتشددة لدى اليمين التقليدي (والليبرالي) تجاه قضية الهجرة غير الشرعية، تعبيرا عن استفحال الأفكار المحافظة والرجعية في دول العالم الرأسمالي المتقدم من ناحية، وسعيا الى قطع الطريق على زحف اليمين المتطرف من جهة أخرى، وسحبت البساط من تحت أقدامه. ولم يتأخر اليسار، وخاصة أجنحته التقليدية، عن مسايرة الركب.. بل رأينا الأحزاب الاشتراكية والاشتراكية الديمقراطية تزايد أحيانا على مواقف اليمين تجاه قضية الهجرة. ويقدم حزب العمال البريطاني والحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أمثلة بارزة في هذا الصدد. اتجاهات التشدد الموقف الانعزالي المتشدد ـ بل ويمكن أن نسميه عدوانيا ـ تجاه قضية الهجرة غير المشروعة في قمة اشبيلية تزعمت الدفاع عنه اسبانيا، البلد المضيف، وبريطانيا، والمانيا وان تكن الأخيرة دافعت عن هذا الموقف بحماس أقل. وكان من المفارقات اللافتة للنظر أن يشارك رئيس الوزراء البريطاني توني بلير (العمالي) زميله المحافظ خوسيه ماريا أزنار الحماس لاتخاذ مواقف متشددة تجاه الهجرة غير الشرعية تصل الى حد اتخاذ عقوبات ضد الدول المصدرة لهذه الهجرة، وقطع مساعدات الاتحاد الأوروبي عنها، وعن الدول التي تمر هذه الهجرة عبرها، اذا لم تتعاون مع دول الاتحاد في منع تدفق المهاجرين غير الشرعيين. كما دعا الاتجاه المتشدد الى تشكيل قوة أوروبية لخفر السواحل مزودة بالسفن الحربية والطائرات تقوم بتسيير دوريات مسلحة لتعقب ومنع قوارب المهاجرين غير الشرعيين!! وخاصة عند سواحل ايطاليا واسبانيا واليونان، وهي الدول التي تتسرب الأغلبية الساحقة من المهاجرين غير الشرعيين عبر سواحلها وحدودها، ومنها الى بقية دول الاتحاد الأوروبي. بل وتطوعت بريطانيا بعرض أن تقوم سفنها وطائراتها الحربية المرابطة في قاعدة جبل طارق بالدور الرئيسي في هذا الصدد.. وكأن الدول الثلاث ليس لديها أساطيلها البحرية والجوية الخاصة!! كما دعا أنصار الاتجاه المتشدد الى تشكيل قوة أوروبية مشتركة لحرس الحدود، تقوم بتسيير دوريات لمراقبة الحدود الخارجية (البرية) لدول الاتحاد.. علما بأن هذه الدول كلها لديها جيوش حديثة قوية، وقوات لحراسة الحدود مزودة بمعدات متطورة للنقل والرصد الجوي والبري. والواقع أن مثل هذه الأفكار والتوجهات تتجاهل الجذور الحقيقية لمشكلة الهجرة غير الشرعية، نعني التخلف الاقتصادي وما يترتب عليه من انتشار للفقر والبطالة في دول مثل بلدان المغرب العربي وغرب افريقيا وتركيا، وما يضاف الى هذه الأسباب من انعدام للاستقرار السياسي وانتشار الصراعات والحروب العرقية والحدودية والاضطهاد القومي في مناطق كالبلقان وكردستان التركية والعراقية.. والبلدان والمناطق المشار اليها هي أهم مناطق «تصدير» المهاجرين غير الشرعيين الى دول الاتحاد الأوروبي.. وبدون مساعدة هذه الدول والمناطق الطاردة للمهاجرين على تجاوز مشكلات التخلف وعدم الاستقرار، فان كل الاجراءات العقابية والبوليسية (والعسكرية) ستكون قليلة الجدوى في الحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين على أوروبا. ومن ناحية أخرى فان انفاق الأموال الطائلة على انشاء مزيد من هياكل مراقبة الحدود والسواحل هو انفاق في الاتجاه الخاطئ. فتوجيه مثل هذه الأموال لمساعدة الدول الطاردة للمهاجرين في جهود التنمية الاقتصادية من شأنه أن يساعد بصورة أفضل بكثير في الحد من الهجرة غير الشرعية. لذلك كله فان الموقف الذي تزعمت الدفاع عنه كل من فرنسا والسويد وبلجيكا في قمة اشبيلية كان الموقف الأكثر عقلانية ومسئولية واعتدالا ومن حسن الحظ أنه هو الموقف الذي انتصر في القمة. فقد رفضت قمة اشبيلية فكرة العقوبات الاقتصادية ضد الدول التي تمتنع عن مساعدة الاتحاد في منع تدفق الهجرة غير المشروعة، وبصورة خاصة رفضت القمة فكرة قطع مساعدات التنمية عن تلك الدول.. واذا كان زعماء الاتحاد الأوروبي قد هددوا «باتخاذ اجراءات» مشتركة ضد الدول المذكورة، الا أنهم لم يحددوا هذه الاجراءات من ناحية.. كما أحاطوا امكانية اتخاذ أي اجراء بضوابط مشددة من ناحية أخرى.. اذ اشترط البيان الصادر عن القمة أن تتفق دول الاتحاد الأوروبي «بالاجماع» على أن الدولة المعنية لا تتعاون مع الاتحاد، وعلى أنه ينبغي اتخاذ اجراء ما ضدها. ولما كان تحقيق الاجماع على الأمرين بالغ الصعوبة، فان هذا يعني رفض الاجراءات العقابية من الناحية العملية. ولم توافق القمة على تشكيل قوات بحرية أو جوية تقوم بتسيير دوريات لحراسة السواحل. كما لم توافق على تشكيل قوات حرس حدود مشتركة لدول الاتحاد الأوروبي واكتفى البيان بالاشارة الى «دراسة» تشكيل قوة شرطة موحدة لحراسة حدود الاتحاد الأوروبي. والفارق واضح بين دراسة فكرة ما، ودون تحديد موعد لذلك، وتنفيذ هذه الفكرة من ناحية، وبين قوة الشرطة وقوات حرس الحدود ذات الطابع العسكري من ناحية أخرى. واذن فقد أعرضت القمة عن التوجهات بالغة التشدد ذات الطابع العدائي والنزعات «العسكرية» لمراقبة الحدود والسواحل وصد المهاجرين. كما رفضت فكرة العقوبات الاقتصادية ضد الدول الطاردة لهم. وفي المقابل تبنت القمة قرارين ينص أحدهما على تقديم مساعدات للدول الفقيرة للحد من الأسباب الكامنة وراء تدفق المهاجرين، ويقضي الآخر بتقديم مساعدات مالية وتقنية للدول الفقيرة لمنع رحيل المهاجرين غير الشرعيين من ـ أو عبر ـ أراضيها، بالاضافة الى مساعدتها في استقبال المهاجرين غير الشرعيين أو طالبي اللجوء السياسي الذين رفضت دول الاتحاد الأوروبي دخولهم اليها. الاّ أن القمة لم توافق على أفكار أكثر تقدما كالتي طرحها رئيس الوزراء البلجيكي جي فير هوفستاد، والداعية الى فتح أسواق الاتحاد الأوروبي أمام صادرات دول العالم الثالث باعتبار أن تنشيط الصادرات من شأنه دعم جهود التنمية في تلك الدول، وبالتالي الحد من هجرة أبنائها الى أوروبا.. نعم.. لقد اتخذ الزعماء الأوروبيون موقفا معتدلا ومسئولا. لكن توقع السخاء منهم هو افراط في حسن الظن!! ضوابط جديدة واذا كان الموقف الأقرب الى الاعتدال والواقعية هو الذي انتصر في اشبيلية، فان هذا لا يعني أن أوروبا قد ابدت اتجاها الى التساهل مع الهجرة غير المشروعة بل على العكس كان التوجيه واضحا نحو ضبط الهجرة ووضع العقبات أمامها في كل اتجاه، ولكن بطريقة لا تتخلى عموما عن «المعايير الأوروبية».. فقد قررت القمة تشديد العقوبات على مهربي المهاجرين غير الشرعيين. كما قررت تعزيز التعاون بين قوات حراسة الحدود ومسئولي الهجرة في دول الاتحاد الأوروبي، وتشكيل شبكة من ضباط الشرطة لمراقبة عمليات الهجرة، والسعي لبدء عمليات مشتركة لمراقبة الحدود الخارجية لدول الاتحاد بحلول نهاية العام الجاري. واتخذت القمة أيضا قرارا بمراجعة قوائم الدول التي يحتاج مواطنوها لتأشيرات لدخول دول الاتحاد الأوروبي. ولاشك أن الوقائع الجديدة لعالم ما بعد 11 سبتمبر سيتم مراعاتها في هذا الصدد. ومن ناحية أخرى فقد اتخذ الزعماء الأوروبيون قرارا بشأن اللجوء السياسي يقضي بتحديد العام المقبل 2003 كموعد أقصى للاتفاق على القواعد الخاصة بصوغ سياسة مشتركة تجاه طلبات اللجوء السياسي ونعتقد أن هذا القرار ستكون له آثاره بعيدة المدى فيما يتصل بالهجرة الى دول الاتحاد الأوروبي سواء كانت هذه الهجرة مشروعة أو غير مشروعة. فالتوجه الواضح ينحو الى التشدد في هذا الصدد. وتكفي الاشارة الى أن مصادر الاتحاد الأوروبي تقدر عدد المهاجرين غير الشرعيين بنحو خمسمئة ألف سنويا.. بينما تقدر عدد طالبي اللجوء السياسي بنحو أربعمئة ألف كل عام (الأهرام ـ 22 يونيو) أي ما يقارب عدد المهاجرين غير الشرعيين! ويبدو الرقم شديد الضخامة فالمعروف عموما أن طالبي اللجوء السياسي هم قلة بطبعهم، من الذين يتعرضون للاضطهاد أو تتعرض حياتهم للخطر بسبب مواقفهم أو نشاطهم السياسي. لكن الدهشة تزول اذا عرفنا أن (جماهير) طالبي اللجوء السياسي الى أوروبا تضم آلافا مؤلفة من ضحايا التطهير العرقي في منطقة البلقان، وأبناء الشعوب والقوميات التي تتعرض للتمييز أو الاضطهاد القومي في البلقان نفسه أو في كردستان تركيا أو العراق. ولما كانت معايير «الاضطهاد» أو «التمييز» الأوروبية رحيمة بصورة لا تعرفها دول العالم الثالث، فان عدد طالبي اللجوء السياسي يتضخم بهذه الصورة الهائلة ويضم بالضرورة اعداداً غفيرة ـ ان لم تكن أغلبية ـ من «اللاجئين الاقتصاديين» في حقيقة الأمر، الذين يحصلون على حقوق الاقامة والرعاية الصحية والمساعدة المالية وتعليم أبنائهم.. الخ بما يمثل أعباء ضخمة على موازنات عدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي المضيفة لهم. لهذا كله فاننا نتوقع أن الاتجاه العام للتشدد تجاه الهجرة من جانب دول الاتحاد الأوروبي سيطال طالبي اللجوء السياسي، وسيؤثر على اعدادهم بشدة. ومن المهم هنا الاشارة الى أن وجود اعداد كبيرة من أعضاء المنظمات المتطرفة والمتهمين بممارسة أنشطة ارهابية بين طالبي اللجوء السياسي في عديد من الدول الأوروبية سيكون مبررا قويا لتوجه تلك الدول نحو التشدد في معالجة طالبي اللجوء، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، وتزايد الضغوط الأميركية على الحلفاء الأوروبيين لتسليم هؤلاء (اللاجئين) أو طردهم. وقد كانت بريطانيا بالفعل سباقة الى اتخاذ اجراءات متشددة للتضييق عليهم، والمؤكد أن الآخرين يسيرون في نفس الاتجاه، الأمر الذي سيكون له أثره الكبير على (جنة اللاجئين السياسيين) في أوروبا بغض النظر عن جنسياتهم أو توجهاتهم. صوت العقل واذن فقد انتصر صوت العقل في قمة اشبيلية.. وكان هذا انتصارا لأوروبا نفسها على أصوات التطرف والانغلاق داخلها. ولا يرجع هذا الى عقم الأساليب العقابية (والعسكرية) في معالجة الأسباب الأعمق لظاهرة الهجرة غير الشرعية فحسب. فالواقع أن التوجهات الانعزالية وانتشار هيستيريا العداء للمهاجرين الأجانب أمر لا يحقق المصالح الموضوعية الراهنة وبعيدة المدى لأوروبا. فالهجرة الأجنبية الى أوروبا تمثل مشكلة للقارة العجوز، ولكنها لا تمثل كارثة.. واذا كان لهذه المشكلة جوانبها السلبية التي يضخمها المتطرفون، فان لها جوانبها الايجابية التي تمثل وجهها الآخر. فالمهاجرون ليسوا سبب مشكلة البطالة في المجتمعات الأوروبية.. لأنها تطال قطاعات ليسوا مزاحمين فيها عادة للعمالة المحلية.. بل على العكس فانهم يقومون بأعمال أصبح الأوروبيون عادة يرفضونها في الصناعة والزراعة والبناء والأشغال العامة والفنادق والمطاعم وغيرها. هذا ما يعرفه رجال السياسة والاقتصاد والاجتماع الجادون، وان جهل العامة وتجاهله سياسيو ومتطرفو اليمين المتعصبون. والقارة العجوز أيضا مقبلة على أزمة ديمغرافية (سكانية) جدية خلال نحو عقدين من الزمان.. فسكان دول الاتحاد الأوروبي ال15 الذين كان عددهم نحو 372 مليون نسمة عام 1995 لن يزيدوا على (386) مليونا عام 2025 ستكون نسبة متزايدة منهم قد تجاوزت سن العمل.. ثم يبدأ عددهم في التناقص بسبب الانخفاض الحاد في نسبة المواليد، والعزوف عن تكوين الأسر المستقرة، ان القارة العجوز تشيخ بسرعة. وهي بحاجة الى تجديد دمائها وشبابها.. واذن فالهجرة ليست كارثة على أوروبا كما يصورها متطرفو اليمين بل انها من نواح أخرى تقدم حلولا لمشكلات عويصة. وصحيح أنها بدورها تثير مشكلات.. لكن هذه المشكلات يمكن معالجتها بضبط الهجرة من ناحية وبتطوير جهود ادماج المهاجرين في المجتمعات الأوروبية من ناحية أخرى.. وليس بتحويل القارة العجوز الى قلعة موصدة الأبواب والنوافذ. لذلك فان زعماء أوروبا انتصروا لمصالح قارتهم العجوز، في حقيقة الأمر، حينما رفضوا الخضوع لدعاوى الانغلاق وأصوات التطرف وغوغائية السياسيين المتعصبين وهيستيريا الاعلام غير المسئول. ـ كاتب مصري