الملف السياسي: صحيح ان المشكلات السياسية المتعلقة بالهجرة كانت تشغل حيزاً مهماً من التفكير الأوروبي، إلا ان احداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة شكلت تحولاً مهماً في قضايا الهجرة إلى أوروبا سواء تلك المشروعة أو حتى غير المشروعة منها. والواضح ان الولايات المتحدة شغلت العالم بقضاياها وفرضت أيضاً نوعاً خاصاً من التفكير الأوروبي، سواء على المستوى الرسمي أو المستوى الشعبي. وبالتأكيد هذا ما دفع الاتحاد الأوروبي لكي يبلور سياسة جديدة في قمة اشبيلية التي عقدت مؤخراً في اسبانيا. رغم ان رئيس الوزراء الاسباني كان يرغب ان تجري الامور على غير ذلك المنحى نظراً لمحاولته المستمرة في التخلص من الهيمنة الأميركية من جهة وبلورة سياسة خاصة له في معالجة القضايا من جهة أخرى، لكي يكون شخصية مستقلة سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي أو على المستوى الاسباني الداخلي، ولكن ما حصل كان عكس ذلك. يمكن اعتبار مسألة النفوذ المتداخلة في الاتحاد الأوروبي ذات منحيين، الأول خارجي وهو بالطبع يتمحور حول النفوذ الأميركي، والثاني داخلي يتفرع بعدة اتجاهات ترتسم على الخارطة السياسية الأوروبية.ولقراءة هذا الواقع لابد من وضع مسألة الهجرة باطارها السياسي، فاسبانيا لم تستطع على الاطلاق النجاح بمحاولاتها الساعية الى التخلص من الهيمنة الأميركية من جهة ومن حساباتها الانتخابية من جهة اخرى. لذلك لاحظنا ان الاهتمام المبالغ فيه بموضوع الهجرة أتى بعد الاتصالات الأميركية المكثفة مع رئيس الوزراء الاسباني الذي تجاوب مع التفكير الأميركي بسرعة كبيرة، وبالطبع مع تنامي الشعور اليميني الذي يجتاح أوروبا والذي قد يؤثر كثيراً على الانتخابات بشكل عام، وكذلك الأمر كان بالنسبة الى سيلفيو بيرلسكوني رئيس الوزراء الايطالي الذي يحاول اكتساب أصوات اليمين الذي بدأت تياراته واتجاهاته تتعدد وتتسع، ولسنا ببعيدين عن الفوز المفاجئ الذي حققه جان ماري لوبن زعيم الجبهة الوطنية في المرحلة الأولى من الانتخابات الفرنسية على ليونيل جوسبان زعيم الحزب الاشتراكي ، ولم يقتصر الأمر على ذلك فحتى جاك شيراك الرئيس الفرنسي قد ركز في خطبه الانتخابية على هذا الموضوع حينما كرر أكثر من مرة انه يتفهم شعور اليمين الفرنسي. ولا ننسى هنا أيضاً الانتخابات التشريعية الهولندية التي تغيرت مساراتها أيضاً بفوز لائحة اليمين المتطرف «بيم فورتورين». أزمة النفوذ إذن وبشكل عام يبدو ان مسارات اليمين الأوروبي قد أثرت بشكل واضح على القرار الأوروبي، سواء داخل البلد الواحد أو في اجتماعات قمة اشبيلية باستثناء معارضة «جوران بيرسون» رئيس وزراء السويد الذي رفض اعتبار الهجرة موضوعاً رئيسياً في القمة الأوروبية، وبالمقابل السريع دعا رئيس الوزراء الايطالي لاستخدام سلاح الحربية لإيقاف سفن المهاجرين، وأعلن توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الموجه أميركياً عن مشروع عسكري لحماية حدود أوروبا من المهاجرين تتمكن فيه الطائرات الحربية من لعب دور رئيسي في التصدي للظاهرة!! بل ان التأثير الأميركي على أوروبا في هذا المجال دعا وزير خارجية اسبانيا الى القول: «ان دور اسبانيا في محاربة الارهاب يكمن أساساً في محاربة الهجرة السرية». وفي الواقع فإن الولايات المتحدة ما زالت تغمز بأن الذين قاموا بتفجيرات سبتمبر قد نظموا أنفسهم في أوروبا، مما يوجب على دول الاتحاد اتخاذ اجراءات اكثر تشدداً في قضايا الهجرة واللجوء المشروع وغير المشروع. والواضح هنا ان واشنطن تضرب عصفورين بحجر، الأول محاصرة المهاجرين خاصة المسلمين منهم، والثاني اشغال الرأي العام الأوروبي بهذه القضية بدل الانشغال الذي ظهر مؤخراً بالقضايا التي ترعاها الولايات المتحدة ومنها العولمة أو محاربة الارهاب أو حتى مشروع الدرع الصاروخية الذي يشكل تهديداً لأوروبا ذاتها أو حتى القضايا المناخية وعدم توقيع الولايات المتحدة على معاهداتها. ظاهرة التخوف الأوروبي من الهجرة بدأت تأخذ شكلاً مرضياً ولكنها في واقع الأمر لا تستحق الكثير من هذا الاهتمام، إذا أبعدت المسألة عن الاستغلال الأميركي وعودة اليمين المتطرف ونمو الشعور العنصري، لأن الواقع يشير الى ان هذه الظاهرة ليست بالحجم الذي تخصص من أجله قمة أوروبية والأرقام تدل على ذلك، كما انها تشير في الوقت نفسه الى القلق الشعبي الأوروبي. ففي ألمانيا يشكل المهاجرون ما نسبته 9% من عدد السكان، وفي هولندا والدنمارك حوالي 4%، وفي اسبانيا حوالي 3%، أما بالنسبة لسكان ايطاليا فإن المهاجرين يشكلون 2.2%، وفي بريطانيا فإن عدد الأقليات يبلغ 4 ملايين نسمة نصفهم مسلمون يتكلمون مئة لغة وهم من 56 بلداً. وفي واقع الأمر ان ما يثير القلق ليس هذا الأمر بل التفكير الشعبي الجديد بالمهاجرين، ففي استطلاعات للرأي أجراها مركز «موري» الأوروبي المتخصص أظهرت النتائج ان 21% من سكان أوروبا يعتبرون قضايا الهجرة واللجوء السياسي هي أهم ما يشغلهم، وجاءت هذه القضية في المرتبة الحادية عشرة من مجموع قضاياهم وأتت بعد قضايا مثل النظام والأمن وتلوث اللحوم وجنون البقر.أ ما في بريطانيا فتشكل ظاهرة الهجرة اهتماماً واسعاً، فرغم ان أولوية مناقشة هذه الظاهرة بلغت 19% الا انها أتت في المرتبة الرابعة من حيث انشغالهم بها بحيث جاءت بعد التربية والبطالة والصحة، وبطبيعة هذه الاشكالية الاحصائية فإن الواقع السياسي بدأ في المرحلة الأخيرة يفرض نفسه بشكل واسع خاصة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر ومطالبة الولايات المتحدة اعتبار مسألة الارهاب من المسائل التي يجب ان تنظر اليها أوروبا ضمن أولوياتها السياسية، كما طالبت بالتوسع في ملاحقة المتطرفين وخاصة الاسلاميين، وهذا ما انعكس بشكل واضح على المفهوم الداخلي الأوروبي لمحاربة الهجرة والتشدد بقضاياها. ويمكن أن يزداد بدوره في المجتمع الأوروبي في ظل تنامي العداء للأجانب وظهور العنصرية الجديدة التي ما زالت ترى في التفوق العنصري ظاهرة قوة أوروبية رغم تعدد قومياتها في الواقع. وبطبيعة الحال فإن هذا الانعكاس أتى نتيجة مجموعة من الاشكاليات أولها فقدان الأيديولوجيات الحديثة في ظل تنامي أيديولوجيات جديدة خاصة في العالم، سواء تلك الناهضة في الولايات المتحدة متجلية في العولمة وانعكاساتها على أوروبا أو الصاعدة في اليابان والصين مع غياب الفكر الشيوعي الذي كان يرعاه الاتحاد السوفييتي. مكامن الخوف لذلك فإن أوروبا باتت ترى ان العودة الى الأمجاد لا تتم إلا عبر استعادة الفكر الامبراطوري الاستعماري الذي كان سائداً، وهذا التفكير في واقع الأمر يتغذى من أقنية متعددة منها الاتهام الأوروبي ان عدد المهاجرين المتزايد يرتبط بشكل عام مع ارتفاع نسبة الجريمة وارتفاع معدلات البطالة. ولكن في الواقع فإن بعض التقارير الأوروبية تشير الى ان أوروبا ما زالت بحاجة الى 44 مليون مهاجر في مهن مختلفة كي تحافظ على نموها الاقتصادي، أما الإجابة عن ربط الهجرة بتزايد البطالة فإنها تنشأ من خلال نمط التفكير الأوروبي ذاته، فالتميز ما زال ضمن مجموعة من الاشكاليات أولها ان الأوروبي ذاته ما زال مفضلاً عند رب العمل، وإذا ما اختير المهاجر فلعدة اسباب منها تدني اجور المهاجرين بالنسبة الى الأوروبيين أو العمل في المهن المهمشة التي لا ترضي غرور الأوروبي أو أن يكون المهاجر عقلية مميزة في جانب من جوانب العلوم بشكل خاص، أما بالنسبة الى ارتفاع نسبة الجريمة إذا ما كان هذا الكلام صحيحاً فإن ذلك غالباً ما يكون نتيجة ردة فعل على العنصرية التي تمارس ضد المهاجرين. ويبدو ان الإعلام يلعب دوراً كبيراً في تنمية روح العداء للمهاجرين، خاصة ان الاعلام الأوروبي اتجه مؤخراً الى التعامل مع طريقة الاعلام الأميركي غير الموضوعية، وسواء كان هذا الإعلام أوروبياً أو أميركياً فإنه بدأ يتهم المهاجرين بمجموعة جديدة من القضايا تبرز منها بشكل واضح حالياً قضية الارهاب، أو حتى اتهامهم بأنهم سبب في الحمى القلاعية وانها أتت عبر اللحوم الأفريقية، وهناك اتهامات غريبة جداً موجهة للأفارقة بشكل خاص، وهي عودة إلى نظرية لم تثبت ادعت ان أصل مرض الايدز من الحيوانات الأفريقية أو حتى الإنسان الأفريقي!! إن أوروبا تنسى أو تتناسى ان للمهاجرين دوراً رئيسيا في بنائها خاصة انها استقدمت بعد الحرب العالمية الثانية الكثير منهم وحينها لم تفكر على الاطلاق الا باستغلالهم، كما قامت باستغلال العبيد على مر القرون حتى ان «لجنة التعويضات الأفريقية واستعادة الحقيقة» قدرت أن دين الغرب للأفارقة يبلغ حوالي 777 تريليون دولار كتعويضات عن الظلم والاستغلال والاضطهاد التي لاقاها الأفارقة من قبل الأوروبيين عبر القرون الماضية، ولكن يبدو ان أوروبا تتناسى حتى أبسط الحقوق الغائبة للمهاجرين، بل ان طرح موضوعهم في مؤتمر كبير سينمي في واقع الأمر روح العداء بين الطرفين ويجعل مشكلة الانتماء مشكلة ذات أبعاد خطيرة، لأن هذه الجاليات ما زالت تشعر ضمن الواقع الحالي انها مواطن من الدرجة الثانية أو حتى العاشرة أحياناً وهي تقوم بردود فعل قد تكون دموية رداً على العنصرية التي تمارس ضدها. وهذا الواقع سيخلق مشكلات كبيرة في المجتمع الأوروبي الذي ما زال بحاجة الى المهاجرين، بل سيخلق عنصرية متبادلة تجعل اليمين الأوروبي يتزايد عدداً وتطرفاً وتجعل من المهاجرين أنفسهم مجموعة تكتلات إثنية لا تستطيع الاندماج في المجتمع وتبقى عدوة له. وفي كل الاحوال فإن هذا الطرح في القمة الأوروبية الأخيرة وفي هذا التوقيت، يضع الكثير من اشارات الاستفهام حول الديمقراطية الليبرالية التي تدعي اوروبا انها حاميتها والتي تمارس واقعياً التفرقة الواضحة داخلها تجاه الأجانب الذين لم يكونوا إلاّ في جزء بسيط منهم عالة على المجتمع الأوروبي، وهم أولئك الذين ما زالوا يعيشون على المساعدة الاجتماعية. أما الأكثرية فهم قد ساهموا ويساهمون في بناء المجتمع الأوروبي، حتى ان اندماجهم كان أسرع من الأوروبيين انفسهم الذين لا يتكلمون على عبقرية ما ظهرت بين المهاجرين بقدر ما يتفاخرون بأنها ولدت وانتمت لهذا البلد الأوروبي أو ذاك، والمثال البسيط على ذلك اختيار لاعب كرة القدم زين الدين زيدان ولأكثر من عام وبأكثر من مناسبة كرجل أول في فرنسا ومن ثم استقدامه الى أهم اندية اسبانيا التي تتمنى ان يكون في منتخبها، ولا يقتصر الأمر على زيدان بل ان العقول المهاجرة الى أوروبا قد ساهمت بشكل واضح في بنية المجتمع الأوروبي وبناء علمه واقتصاده. ولكن يبدو ان المسألة تكمن في لحظات الحضور الثقافي أو الديني لهذه الجالية أو تلك التي تريد ان تمارس طقسها أو عبادتها أو حتى طريقتها في اللباس، فتأخذ اشكالية المهاجرين منحى جديداً لا يظهر الا حالة بعينها لا ترغب أوروبا بوجودها، وتغذي عدم الرغبة هذه الولايات المتحدة التي باتت تقيس كل شيء على مقياسها في مكافحة الارهاب. ـ كاتب فلسطيني