الملف السياسي: تحت عنوان «الخطر الذي يهدد أوروبا»، بدأ الاتحاد الأوروبي في الأسابيع القليلة الماضية، كما بدأت كل دولة من دوله على حدة، نقاشا واسعا حول مواجهة الهجرة غير المشروعة الى بلدان الاتحاد الأوروبي، وحول انعكاساتها الديموغرافية على أوروبا وعلى بلدانها أساسا، ولكن ايضا حول آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومع أن القمة الأخيرة للاتحاد في ختام الشهر الماضي لم تصل الى اتفاق حول الموضوع الذي كان بندا رئيسيا على جدول أعمالها، الا ان ما أحاط به اعلاميا وسياسيا وحكوميا وحزبيا قبل القمة وفي أثنائها وبعدها، ينبئ بأن قضية الهجرة عموما ـ وليس الهجرة غير المشروعة فقط ـ ستلعب دورا بالغ الأهمية في المستقبل، وليس على مساحة أوروبا وحدها وانما على صعيد علاقاتها ـ وعلاقات كل دولة منها على حدة ـ مع العالم الخارجي وفي مقدمته العالمان العربي والاسلامي. بدأت القصة في خلال العامين الماضيين، عندما حققت الأحزاب اليمينية المتطرفة في عدد من الدول الأوروبية ـ الدانمارك والنمسا أولا، ثم هولندا برغم اغتيال زعيم اليمين فيها بيم فورتيون، وفرنسا برغم سقوط رمز اليمين فيها جان ماري لوبان في الانتخابات الرئاسية ـ تقدما في الانتخابات التي شهدتها هذه الدول سواء منها البلدية او البرلمانية. هذا التقدم تم على قاعدة الموقف المتطرف لهذه الأحزاب من المهاجرين، ومطالبة بعضها بترحيلهم الى البلدان التي جاؤوا منها. اما الخلفية فديموغرافية وثقافية من جهة بدعوى ان هؤلاء المهاجرين بدأوا يهددون هوية المجتمعات التي تستضيفهم، واقتصادية ـ اجتماعية من جهة أخرى بدعوى ان الأجور المنخفضة التي يقبل المهاجرون بأن يتقاضوها تنعكس سلبا على الأجور والتقديمات التي تطالب بها ـ وتحتاج اليها ـ الطبقة العاملة الأوروبية، اضافة الى انهم يساهمون في زيادة نسبة البطالة في العديد من هذه البلدان: البطالة بين المهاجرين انفسهم وبين العمال الأوروبيين ايضا. غير أن العامل الجديد ـ ولعله الأخطر والأكثر أهمية ـ الذي ظهر في بعض هذه الدول، بعنصرية داخلية مقيتة من ناحية، ولكن بضغوط أميركية وأطلسية وأوروبية رسمية من ناحية ثانية، تمثل في أحداث الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 في نيويورك وواشنطن، ثم ما جرى بعدها في الولايات المتحدة وعلى امتداد العالم، ولا يزال يجري عمليا للآن تحت شعار «الحرب على الارهاب». وقد كان للحملة البشعة التي شنتها الادارة الأميركية على العرب والمسلمين في بلادها، بمن فيهم الذين يحملون الجنسية الأميركية منذ وقت طويل، ثم عليهم في كل مكان من العالم وخاصة في أوروبا بحجة ان منفذي عملية الحادي عشر من سبتمبر كانوا يتنقلون من وقت الى آخر بين بعض العواصم في أوروبا والولايات المتحدة، وبذريعة أنهم حتى تلقوا تعليمات وأموالا من قواعد لهم في هذه العواصم، دور كبير جدا في التحريض على كل ما هو عربي أو مسلم، ليس في الشارع الأوروبي ولدى أحزابه العنصرية واليمينية المتطرفة فقط وانما لدى بعض الحكومات الأوروبية ايضا. لا تتحدث أي من دول أوروبا صراحة عن هذا العامل الجديد، عامل سبتمبر وما تلاه من حرب شاملة على «الارهاب»، الا أن الاجراءات التي تتخذها أو تهدد باتخاذها ضد المهاجرين ـ الشرعيين منهم وغير الشرعيين في وقت واحد ـ تتحدث عن نفسها. بين هذه الاجراءات، على سبيل المثال، اقتراح وزير الداخلية البريطاني اصدار بطاقات هوية للسكان لأول مرة في تاريخ المملكة المتحدة، وبينها انشاء مراكز تسجيل للمقيمين سواء بصورة دائمة او مؤقتة او حتى بصفة زيارة في الدول التي لا تملك مثل هذه المراكز، وبينها أخيرا فرض عقوبات اقتصادية على الدول التي يأتي منها المهاجرون غير الشرعيين ولا تقوم هذه الدول بالتعاون مع دول الوصول للحيلولة دون استمرار تدفق المهاجرين الى أوروبا. بدلا من ذلك تتحدث أوروبا عن الهجرة غير الشرعية فقط (تقدرها بحوالي نصف مليون مهاجر في العام)، ومن خلال مسربين هما ايطاليا التي ينفذ منها مهاجرو دول اوروبا الشرقية بما فيها البوسنة والهرسك وكوسوفو وبولندا، واسبانيا التي يفد منها مهاجرو افريقيا وبالذات دول شمالي القارة أي المغرب والجزائر وموريتانيا وتونس. كما أنها تتحدث عن وجهات نظر متباينة بين الصناعيين ورجال الأعمال الأوروبيين المستفيدين من العمالة الرخيصة، واتحادات العمال التي تشكو من البطالة وانخفاض الأجور والتقديمات. كذلك فهي تتحدث عن «خجل» أوروبي، كما تقول «الايكونوميست»، من سؤال أي مهاجر شرعي او غير شرعي عن دينه او عن عرقه او حتى عن لونه، برغم ان لون البشرة غالبا ما يكشف طبيعة البلد الذي يأتي منه المهاجر. الابعاد الخفية لكن خلف الحديث العلني، كما يبدو واضحا، يختبئ حديث هامس ولكن جدي جدا هدفه العمل على تخفيض عدد المهاجرين من أصول عربية او اسلامية، سواء منهم الذين يمكن ان يفدوا الى أوروبا في السنوات المقبلة او الذين يقيمون فيها فعلا ولكنهم لم يكتسبوا بعد جنسيات البلدان التي يعيشون فيها منذ زمن. ولعل نتائج الاستفتاءات التي أجريت في بعض البلدان الأوروبية ونشرتها مجلة «تايم» الأميركية في عددها (6/4/2002) تكشف جانبا من «الحديث السري» في هذه البلدان، وربما ايضا في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل. من هذه الاستفتاءات، التي لا تميز كما يبدو واضحا بين المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين، يتبين ما يأتي: 40% من الايطاليين يعتقدون ان المهاجرين يشكلون خطرا على السلامة العامة. المعنى هنا الأمن، أي أميركيا وأوروبيا نقيض «الارهاب». 47% من البريطانيين البيض أي غير السود، وطبعا غير السمر يعتقدون ان بلادهم تضررت كثيرا نتيجة الهجرة اليها في خلال الأعوام الخمسين الماضية. 46% من الهولنديين في ما بين ال18 والـ 30 من العمر لا يريدون في بلادهم مستقبلا أي مهاجرين مسلمين. 50% من الألمان يرون ان عدد المهاجرين في بلدهم يجب ان ينخفض. أكثر من ذلك، يكشف «الحديث الهامس» عن نفسه عندما يأتي الكلام على الموقف الذي صدر عن قادة أوروبا في قمتهم في تامبيري بفنلندا قبل حوالي عامين ونصف العام حول انتهاج سياسة مشتركة بخصوص اللجوء والهجرة. ففي معاهدة امستردام للعام 1999 كانت هذه السياسة تقوم على مبدأ جعل أوروبا «منطقة للحرية والعدل والأمن» في خلال خمسة أعوام، الا انه حاليا تبدوالحرية أقل أهمية من السابق، ويبدو العدل مثاليا في مواجهة الحاجة الى تطبيق القانون وتوفير الأمن. وهنا بالذات يقول مسئول اسباني رفيع اشترك في التحضير لقمة سيفيل ـ أسبانيا نهاية الشهر الماضي ان في اذهان قادة أوروبا ان يتخذوا اجراء سريعا يظهر ان بالامكان وقف الهجرة غير الشرعية. وبعد ذلك فقط يمكن الانطلاق الى مواقف تامبيري والى مبادئ امستردام. وكل ما يتسرب من أوروبا بشكل عام، ومن هولندا والدانمارك والنمسا بشكل خاص وصولا حتى الى بريطانيا وربما فرنسا، يشير الى ان قضية الهجرة غير الشرعية، وحتى الهجرة الشرعية، الى هذه البلدان ستكون ساخنة في السنوات وربما الشهور المقبلة. ولعل سخونتها تكمن في أنها قضية أوروبية داخلية ـ لوجود عدد كبير من حاملي جنسياتها من المهاجرين ـ أكثر منها قضية بينها وبين الدول التي ليس لديها ما «تصدره» الى أوروبا سوى هؤلاء المهاجرين. ـ كاتب لبناني