الملف السياسي: اختلفت الآراء ووجهات النظر حول ملف الهجرة غير الشرعية، وتباينت وجهات النظر حتى حول من هم الممكن اعتبارهم مهاجرين غير شرعيين، هل هم اللاجئون للدول الغنية بحثا عن عمل وحياة افضل من الموجودة في بلادهم الاصلية، والذين يطلق عليهم اللاجئون الاقتصاديون؟ ام ضحايا عصابات المافيا التي تهربهم في مقابل المال؟ ام من يقيم بدون تصريح اقامة رسمي في أوروبا؟ والبعض يرى ان الفقير له حق الهرب للدول الغنية، اما حكومات دول الاتحاد الاوروبي فلها وجهة نظر اخرى، دعمتها المتغيرات الدولية مؤخرا، مثل ملف الارهاب وغيره من التطورات التي اثارت القلق السياسي والهاجس الامني في كثير من دول العالم. وقد قفز ملف الهجرة غير الشرعية مؤخرا الى طاولة القمة الأوروبية وافرز صدور اجراءات جديدة ضد الهجرة غير الشرعية.حول هذا الموضوع التقى «الملف» بالدكتور فريك ساندرس خبير شئون الاقليات في هولندا، في حوار نستوضح منه بعض جوانب تلك القضية. ـ ما هي أسباب قفز ملف المهاجرين غير الشرعيين للاجندة السياسية للاتحاد الأوروبي؟ ـ لا.. هذا الملف لم يقفز فجأة كما يعتقد البعض.. وقبل كل شيء يجب ان نعترف بأن مشروعية هجرة الفقراء ساهمت بالامس في بناء وتطور دول الاتحاد الاوروبي، حيث فتحت «دول السوق الأوروبية المشتركة» الاتحاد الأوروبي بشكله الحالي، في بداية الخمسينيات، ابوابها علي مصراعيها بعد الحرب العالمية الثانية للاجانب، للعمل والمشاركة في اعادة اعمار ما دمرته الحرب، اما اغلاق الابواب الآن فهي سياسة علنية اوروبية جديدة ترفض المهاجرين الجدد.. ولا نخفي وجود اجندة ذات بنود خفية لتقليص اعداد العرب والمسلمين الاجانب في اوروبا، التي لم تعد في حاجة الآن للايدي العاملة من خارج أوروبا، حيث تريد سد احتياجاتها من الدول الاوروبية التي ستنضم مستقبلا لعضوية الاتحاد، وذلك لاسباب اجتماعية واقتصادية وأمنية. خلفيات وأبعاد ـ اذن ما هي خلفية ذلك اذا لم يكن ملفا جديدا؟ ـ ان دعوة أوروبا لاغلاق أبوابها امام اللاجئين الجدد «خاصة العرب» وتوجهها نحو حث الدول العربية الغنية على توفير الأمان للاجئين من دول الجوار بدأت في يونيو عام 2000، وتعلل الاتحاد الأوروبي في حينه بانتشار حوادث الشغب، ونمو ظاهرة المشاكل الاجتماعية والنفسية للاجئين، واختلاف عاداتهم وتقاليدهم «خاصة العرب والمسلمين» عن سلوكيات الشعوب الأوروبية، وعمل تقارير امنية بالحوادث الفردية استدلت بها على دعوتها السياسية، كما شهد عام 2000 ايضا تحركات دؤوبة في عواصم دول الاتحاد الأوروبي، واجتماعات رفيعة المستوى لوزراء العدل والداخلية من اجل التوصل لسياسة أوروبية موحدة للتعامل مع ملف اللاجئين. ـ لكن لم ترق هذه المساعي او الدعوة لمستوى القرارات السياسية على عكس ما حدث في قمة اشبيلية الأوروبية مؤخرا.. فلماذا الآن بالذات؟ ـ توجد خلفيات لهذا الملف، واذكر في هذا الاطار الاجتماع الشهير الذي عقده «فيتورينو» المفوض الأوروبي لشئون العدل، واللقاءات المتعددة التي نظمها مع مختلف الادارات السياسية الأوروبية المعنية بقضايا الهجرة واللجوء، التي ارتكزت اهدافها على عدة من المحاور الاساسية كان اهمها الترويج لأجندة جديدة تحت عنوان «على طريق سياسة اوروبية موحدة للاجئين». وقد تضمنت هذه الاجندة الخطوط التي ينبغي على دول الاتحاد الأوروبي العمل داخلها في المستقبل، اضافة الى انه في شهر يوليو عام 2000 تسرب تقرير أوروبي كشف الخطوط العريضة لتوجه الاتحاد الأوروبي في هذا الملف تمثلت في: ـ عقد اتفاقية اوروبية موحدة. ـ تحجيم الهجرة الاقتصادية لدول الاتحاد الاوروبي. ـ حث الدول العربية الغنية على توفير الامان لابنائها من الدول المجاورة. وهذا قد تحقق في القمة الأوروبية الاخيرة باسبانيا. ليست سياسة جديدة ـ وهل توجد اسباب اخرى دعت اوروبا لاتخاذ الاجراءات الجديدة وتغاضت عن التزامها الادبي تجاه الدول الفقيرة؟ ـ بالطبع.. توجد أسباب أمنية واقتصادية، فعلى الرغم من معرفة الحكومات الأوروبية بضرورة الالتزام بسياسة موحدة، الا ان حرب كوسوفو كشفت عن وجود اختلافات بين الدول الاعضاء في الاتحاد الأوروبي في التعامل مع ملفات اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، خاصة بعد التدفق الكبير للاجئين من البانيا وكوسوفو وقبلهما البوسنة والهرسك. وتؤكد التقارير الامنية الأوروبية حدوث مشاكل وبعض الاضطرابات من طرف المهاجرين كان من الممكن تلافيها، وتذكر منها الحادث الذي شهدته «دوقية لوكسمبرج» في عام 2000 حينما قام شاب جزائري باحتجاز اطفال في دار حضانة، وارتكابه عملية اغتصاب لواحدة من مربيات الدار، اضافة لقيام 4 من العراقيين اللاجئين بالسيطرة على قسم شرطة في هولندا، وهددوا باشعال النيران في انفسهم، حال عدم تلبية طلب احدهم في عودة زوجته التي هربت منه لدار حماية الزوجات من التعذيب. ـ وهل هذه اسباب مقنعة؟ كل دولة في العالم تحدث فيها مثل هذه الحوادث الفردية؟ ـ لو كان ذلك يختص بمرتكب حادث هولندي او بلجيكي لاختلف الامر، فمن وجهة نظر السلطات الأمنية الأوروبية ان حكومات الاتحاد الاوروبي ليست معنية باصلاح سلوكيات غير ابنائها، واكرر ان الملف ليس بجديد، فعلى الرغم من اتفاق قادة وزعماء الاتحاد الأوروبي في قمة خاصة في شهر اكتوبر عام 99 بفنلندا على سياسة موحدة للاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، وكذلك نصوص اتفاقية امستردام التي تقضي بالبدء في سياسة موحدة للاجئين يسري العمل بها عام 2004، ويكون للجنة الأوروبية في بروكسل صلاحية وضع خطة بشأنها ومراقبة تنفيذها من قبل الدول الاعضاء، الا ان الحوادث التي شهدتها بعض الدول الاوروبية مؤخرا قد عجلت بالتحرك السريع، وادت لعمل اضافات جديدة في هذا الملف، اهمها حث الدول العربية الغنية على توفير الامان لابنائها من الدول المجاورة، ولا انكر ان هذا الامر يخالف اتفاقية جنيف لحقوق الانسان، حيث ان اللاجئ المهاجر له حرية اختيار البلد التي يريد اللجوء اليها، وحتى لو كان لاسباب اقتصادية فالبحث عن العمل والطعام حق طبيعي للانسان، كفلته المواثيق الدولية. وما نراه الآن هو بداية حقيقية لغلق الأبواب الاوروبية امام قدوم لاجئين جدد ومهاجرين غير شرعيين خاصة من الدول الفقيرة، وهم ما يطلق عليهم باللاجئين لاسباب اقتصادية، وتتعلل الدول الأوروبية بأن سقوط حائط برلين فجأة عام 1989، وتفشي ظاهرة التهريب التي تقوم بها عصابات منظمة تجلب مواطنين من افريقيا لأوروبا مقابل المال، ومن ناحية ثانية تستند على ان اتفاقية شنجن لعام 1985 التي بموجبها تم ازالة الحدود بين الدول الاعضاء في الاتحاد الأوروبي، وحرية التنقل داخل هذه الدول، تم استغلالها من قبل هذه العصابات في اعمال غير شرعية. ـ هل توجد دول بعينها داخل الاتحاد الأوروبي حركت ملف المهاجرين غير الشرعيين؟ ـ بلجيكا وألمانيا وهولندا وبريطانيا هي اكثر الدول استقبالا للاجئين، وهي ذات الدول التي بدأت بالفعل في تشديد اجراءات قبول اللاجئين لاراضيها، حيث كانت بريطانيا من اولى الدول التي اصدرت قانونا جديدا وافق عليه مجلس العموم البريطاني بسرعة مذهلة، ويقضي بأن يتقدم من يريد اللجوء بطلب للسفارة البريطانية او من يمثلها في بلده الاصلي، وفي هولندا ايضا بدأت اجراءات جديدة تفرض على شركات الطيران التأكد من القادمين اليها على متن الطائرات من حصولهم على تصريح دخول، اما بلجيكا فقد اصدرت عفوا عاما منذ عدة اعوام منحت بموجبه اقامات شرعية للموجودين على اراضيها من الاجانب، وكان ذلك تمهيدا لغلق حدودها امام قدوم مهاجرين جدد، اما في المانيا فبدأت سلطات الهجرة في فرض شروط قاسية على طالبي اللجوء. سياسة المصالح ـ ما هو دور منظمات حقوق الانسان في هذا الاطار؟ ـ للاسف انه دور محدود يقتصر على تقديم النصح والمشورة للاتحاد الأوروبي او الرفض في اقصى صوره، لكن هذه المنظمات ليست سلطات تنفيذية وآلياتها ضعيفة، ولنا في تصريحات «ماري روبنسون» مفوضة الامم المتحدة العليا لحقوق الانسان مثال، حيث صرحت في شهر يونيو هذا العام في كوبنهاجن بأن ساسة الاتحاد الاوروبي يتخذون من اثارة التخويف والقلق قاعدة لتمرير القوانين الخاصة بتحجيم الهجرة لأوروبا، واكدت بأن أوروبا استفادت كثيرا اقتصاديا من المهاجرين، الى غير ذلك من التصريحات والادانات، لكن ما هي النتيجة؟... صفر، حيث تصدر الاجراءات والقوانين الأوروبية دون ان يعبأ احد بكلامها. ـ هل يسعى قادة الاتحاد الأوروبي لارضاء اليمين المتطرف على حساب المهاجرين؟ ـ ليس بهذا التفسير كما طرحت سؤالك.. فقد اوضحت لكم ان الملف في اوروبا يعود لعام 99، وفي ذلك الوقت كان اليسار ويسار الوسط هو المهيمن على الاتحاد الأوروبي تقريبا، لكن لا انفي وجود مؤثرات تلعب دورا، اتصور انه محدود، اما الاقرب للحقيقة فهو ان ملف الارهاب يعتبر واحدا من الاسباب القوية التي عجلت بوضع ملف الهجرة غير الشرعية على الاجندة السياسية الساخنة للاتحاد الأوروبي، وهو الذي ادى لما صدر من قرارات في اجتماع قمة اوروبا في اشبيلية بأسبانيا مؤخرا. ـ هل من العدل ان تسمح أوروبا للمهاجرين غير الشرعيين بالعمل على اراضيها وقت الاحتياج لهم وتلفظهم عند زوال الحاجة؟ ـ ليس من العدل.. لكن السياسة والمصالح لا تعرف مثل هذه المفردات، بالفعل كانت المانيا وبلجيكا وهولندا تغض الطرف عن وجود مهاجرين غير شرعيين، وتتركهم للعمل في المزارع والمصانع لمزاولة الاعمال دون المستوى والقاسية، تلك التي يرفضها الشباب الأوروبي، لكن الوضع مختلف في عصرنا الراهن، وكم هو مؤسف، لكنها سياسة المصالح التي تحكم أخيرا