الملف السياسي: الهجرة غير الشرعية الى دول الاتحاد الاوروبي كانت قائمة دائماً، كمشكلة ذات اسباب سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة الجذور، لكنها لم تأخذ هذا الحجم من الاهتمام الذي أولته لها الحكومات الاوروبية اخيراً الا بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث تحولت من مشكلة عادية تجري معالجتها بين الدول المعنية، الى مشكلة أمنية من الدرجة الأولى. ويتفق المحللون على ان هذا التحول المثير حدث تحت تأثير اعتبارات رئيسية عدة: ـ الاعتبار الاول، هو اكتشاف بعض الخلايا المرتبطة بتنظيم «القاعدة» الذي تتهمه الولايات المتحدة بأنه مسئول عن الهجمات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن، وتم اعتقال عدد من اعضائه في عدة دول اوروبية. وفي الواقع فإن هذه الاعتقالات كانت محدودة، ما يؤشر الى ان تلك الخلايا لم تكن على قدر كبير من الاتساع والفعالية. ـ الاعتبار الثاني، يتمثل في ضغوط مارستها الادارة الاميركية على معظم الدول الاوروبية، بصورة فردية وجماعية، لاتخاذ اجراءات حازمة ضد الاجانب والمهاجرين الذين يعيشون فيها، شبيهة بتلك التي تطبقها الاجهزة الاميركية حالياً للحد من تحركات ونشاطات جميع الاجانب الذين دخلوا الاراضي الاميركية لاعتبارات مختلفة. ـ الاعتبار الثالث: هو اتساع نطاق التيارات اليمينية المتطرفة في اكثر من دولة اوروبية كالنمسا وايطاليا وهولندا وفرنسا مما شكل تهديداً فعلياً للاستقرار السياسي في البيئة الاوروبية المنفتحة، حيث استطاعت عدة احزاب يمينية تحقيق مكاسب انتخابية بارزة وقد اثارت هذه التطورات مخاوف حقيقية من انعكاس ذلك على اوضاع المهاجرين الاجانب الذين باتوا يشكلون جزءاً مهماً من البنية الاجتماعية لدول عدة كفرنسا والمانيا وبعض دول اسكندنافيا. وثمة اعتبار آخر، وان كان ثانوياً وعابراً، ربما، وهو يتصل بالعلاقات المغربية ـ الاسبانية التي تشهد توتراً متزايداً منذ بعض الوقت بسبب خلافات لا علاقة لها بمسألة الهجرة، فمدريد، التي بدت في قمة اشبيلية الاوروبية الاخيرة، الاكثر تشدداً في الدعوة الى اتخاذ اجراءات رادعة ضد الدول التي لا تتعاون في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية، كانت تتميز دائماً بعلاقاتها الودية المستقرة مع المملكة المغربية لكن هذه الصورة المشرقة تغيرت فجأة في اعقاب فشل المفاوضات المغربية ـ الاسبانية الخاصة بتجديد اتفاق الصيد البحري بين البلدين، الامر الذي دفع الحكومة الاسبانية لاتخاذ مواقف حادة قصدت منها تأكيد دعمها للجزائر في خلافها مع المغرب بشأن مستقبل الصحراء الغربية كذلك حاولت اسبانيا استخدام نفوذها داخل الاتحاد الاوروبي لتأخير الافراج عن المساعدات المالية الاوروبية المقررة للمغرب في اطار برنامج «ميدان» الذي تمر المساعدات المادية عبره للشركاء المتوسطيين. وكان العاهل المغربي الملك محمد السادس اتهم اطرافاً اسبانية بالتورط في تشجيع الهجرة غير المشروعة من المغرب، بالاضافة الى تجارة المخدرات لكن وزير الخارجية الاسباني رد باتهام معاكس، حيث قال ان الشرطة المغربية تتواطأ مع مافيا تهريب المهاجرين عبر اسبانيا. كذلك كانت الحكومة المغربية طلبت من الاتحاد الاوروبي اجهزة تكنولوجية خاصة بمراقبة الحدود المشتركة مع اسبانيا في اطار الجهود المبذولة لمواجهة تسلل المهاجرين السريين، لكن اسبانيا اقترحت ان يتولى المغرب شراء هذه الاجهزة على حسابه الخاص ومن أصل المساعدات المادية التي يقدمها له الاتحاد الاوروبي، وهو ما رفضته الحكومة المغربية. ولا تقف الضغوط المتبادلة بين البلدين عند هذا الحد، اذ تتهم الرباط اجهزة الامن الاسبانية بتعمد اغراق المراكب التي تحمل المهاجرين غير الشرعيين كما ترفض تقديم المساعدة لآخرين يواجهون الموت غرقاً وفضلاً عن ذلك فإن مدريد متهمة ايضاً بمعاملة الرعايا المغاربة بقسوة شديدة في مراكز الاعتقال المخصصة لمهاجرين، الامر الذي دفع جمعيات حقوق الانسان الى اعلان احتجاجها وابداء مخاوفها من ان تتحول هذه القضية الى تصفية حسابات يدفع آلاف الفقراء والمعوزين ثمنها. المشكلة.. بالأرقام مع ذلك، فإن المشكلة تبدو حقيقية وليست مفتعلة تماماً، وذلك في ضوء الارقام المتعلقة بوجوهها المتعددة واذا كانت الهجرة الى اوروبا قديمة وتعود بدايتها الى مطالع القرن الماضي، حيث اسهمت العمالة الرخيصة في بناء الاقتصادات الغربية، الا ان الهجرة غير الشرعية تشكل ضغطاً متزايداً على الاوضاع الاجتماعية في دول الاتحاد الاوروبي وثمة تقديرات تشير الى ان عدد الاشخاص الذين دخلوا سراً الى اراضي الاتحاد الاوروبي يبلغ نحو نصف مليون شخص عام 2000 اما ارباح المافيات التي تتولى تجارة الهجرة غير المشروعة فتقدر بما يتراوح بين 5 و7 مليارات دولار في السنة. ان الكلام عن الهجرة يرتبط دائماً بمهاجري شمال افريقيا، لكن وجود المهاجرين الاسبان والبرتغاليين كان اكثر كثافة خلال الثلاثين سنة الماضية وتشير ارقام صندوق النقد الدولي الى ان المعدل الوسطي للتحويلات المالية لهؤلاء المهاجرين بلغت نحو ثلاثين مليار فرنك فرنسي سنوياً ومما لا شك فيه ان هذه التحويلات اسهمت الى حد كبير في تحسين اوضاع الاقتصادين الاسباني والبرتغالي مما أهل البلدين للانضمام الى الاتحاد الاوروبي. ومن المثير للاهتمام ان سويسرا تسجل الرقم القياسي في نسبة المهاجرين والاجانب المقيمين فيها، حيث تبلغ 19 في المئة من اجمالي السكان، مقابل 8.9% في المانيا، و6.3% في فرنسا، و3.8% في بريطانيا والسبب في ارتفاع عدد المهاجرين في كل من سويسرا والمانيا تشدد البلدين في منح الجنسية للمهاجرين، خلافاً لفرنسا وبريطانيا اللتين تعتبران اكثر تساهلاً في هذا المجال. وعلى ذلك فإن عدد المهاجرين المسجلين في المانيا يبلغ 7 ملايين شخص، مقابل 4 ملايين في فرنسا، واقل من 3 ملايين في بريطانيا. اما بالنسبة لايطاليا، التي كانت في السابق احد مصادر اليد العاملة الرخيصة الى الدول الاوروبية المزدهرة، فقد ارتفعت نسبة المهاجرين اليها في السنوات الاخيرة من 0.8% من اجمالي عدد السكان عام 1989 الى 2.1% عام 1998 وتقف ايطاليا اليوم في مقدمة الدول الاوروبية التي تطالب بوضع حد للهجرة غير الشرعية كما تشهد نمواً متزايداً للتيارات اليمينية المتطرفة بما اوحى بوجود علاقة بين الأمرين. ولابد من القول ان احد الاهداف الرئيسية للشراكة الاوروبية ـ المتوسطية تحسين الظروف الاقتصادية في الدول المتوسطية لا سيما دول شمال افريقيا التي تشكل المصدر الاساسي للهجرة الى اوروبا ويأمل الاتحاد الاوروبي بأن تؤدي السياسات التنموية المطبقة حالياً، والمدعومة منه، الى خلق فرص عمل جديدة يكون من نتيجتها الحد من هجرة اليد العاملة الى الخارج والى دوله تحديداً. بيد ان المشكلة تبدو اكبر من امكانية استيعابها والسيطرة عليها بسهولة وعلى سبيل المثال فإن تحويلات المهاجرين من المملكة المغربية تبلغ نحو 3.5 مليارات دولار سنوياً، بحيث اصبحت تحويلاتهم المالية المصدر الاول للعملة الصعبة في البلاد. ويقدر عدد افراد الجالية المغربية في المهجر بنحو ثلاثة ملايين شخص، من بينهم 2.5 مليون شخص في فرنسا وحدها، من أصل اربعة ملايين عربي تعود هجرة بعضهم الى الحرب العالمية الاولى اما ممتلكات المهاجرين المغاربة في اوروبا واستثماراتهم فتقدر بنحو عشرة مليارات دولار، خصوصاً في فرنسا التي يقوم فيها 55% من اجمالي المشاريع المغربية في الخارج تليها هولندا بنحو 12%، وبلجيكا 10%، وايطاليا 7%، والمانيا 5%، وبريطانيا 2.3%. ويؤكد وزير العدل المغربي عمر عزيمان انه لا ينبغي ان تصبح مسألة الهجرة موضوع استغلال في الانتخابات الاوروبية ويشير في هذا المجال الى ان ظاهرة اليمين المتطرف في اوروبا زادت بوتيرة كبيرة منذ احداث 11 سبتمبر الماضي، على الرغم من عدم وجود أية علاقة بين الهجرة وما حدث في الولايات المتحدة. ويذكر ان نحو 150 شخصاً من اصل عربي ترشحوا في الانتخابات التشريعية الفرنسية الاخيرة، وان مواطنة من اصل مغربي تشغل منصب وزيرة في الحكومة الفرنسية الحالية. ان تشابك المصالح، على هذا النحو بين المهاجرين والدول التي تحتضنهم ينبغي ان يؤدي الى خلق ديناميكية تعاون فعالة وليس العكس، بغض النظر عن الظروف الطارئة وهذا ما يعتقده الرئيس البرتغالي جورج سامبايو، الذي يقول انه من الطبيعي ان تعيد تداعيات احداث 11 سبتمبر اوروبا الى مركز اهتمامها الاصلي، «حيث اثبتت الاحداث مجدداً ان التعاون مع الشركاء المتوسطيين واقامة علاقات حسن جوار منوعة معهم هما وحدهما الكفيلان بانشاء منطقة للاستقرار والامن والتعاون» ويضيف «ان ذلك لن يتحقق من دون تفاهم وثيق مع البلدان المطلة على الحوض المتوسطي». موقف غير واقعي هذا الواقع يكشف بوضوح ان الموقف الذي اتخذته بعض دول الاتحاد الاوروبي، وفي مقدمتها اسبانيا وبريطانيا، باقتراح فرض عقوبات على الدول التي لا تظهر تعاوناً كافياً في مكافحة الهجرة السرية، لم يكن موقفاً واقعياً ففضلاً عن انه يتعارض مع روح واهداف الشراكة الاوروبية ـ المتوسطية، كان سيظهر اوروبا ـ في حال اعتماده ـ وكأنها قلعة حصينة موصدة الابواب، على حد تعبير خافيير سولانا منسق الشئون الخارجية والامنية في الاتحاد الاوروبي. ولذا فقد ابدى الرئيس الفرنسي جاك شيراك ارتياحه لأن القمة استطاعت تجاوز هذه المشكلة، وذلك باعتماد ما وصفه بـ «المقاربة المتوازنة والانسانية المبنية على الحوار والتشاور والتشجيع وليس على العقوبات او وضع الشروط». وكنتيجة لهذا التوجه تم الاتفاق على عقد لقاء بين الخبراء في الاتحاد الاوروبي والاتحاد المغاربي سيتم في الاسبوع الاول من يوليو الجاري في مدريد لمناقشة مشكلة الهجرة ووضع الاقتراحات المناسبة في شأن كيفية مواجهتها كما سيعقد لقاء آخر في اكتوبر المقبل لمواصلة بحث الموضوع. ويرى المحللون ان المشكلة التي تواجهها دول الاتحاد الاوروبي تتعلق بمدى تخليها عن بعض سياساتها الداخلية وقوانينها المعتمدة حالياً لمصلحة سياسات وقوانين اوروبية مشتركة خاصة بالهجرة وبرغم ان دولاً عدة تبدي تحفظات واضحة حول مسألة تغيير سياساتها الداخلية لمصلحة سياسات اوروبية مشتركة، لكن ثمة من يرى ان وسائل معالجة هذه المشكلة على اسس مشتركة ستعزز وحدة الدول الاوروبية وتشد من اللحمة فيما بينها ذلك ان الخطوات التنسيقية المتفق عليها مبدئياً ستقود تدريجياً الى توحيد التشريعات بين دول الاتحاد وجعلها اكثر ملاءمة للتعامل مع مشكلة الهجرة وافرازاتها. وهذه المسألة ستصبح اكثر الحاحاً مع اقتراب موعد توسيع الاتحاد الاوروبي بضم ثلاث عشرة دولة جديدة اليه، الامر الذي يستدعي اتخاذ العديد من الاجراءات الامنية والقانونية التي تنظم دخول الاجانب الى الدول الاوروبية. ويشار هنا الى ان توسيع الاتحاد الاوروبي، وفقاً للخطة الموضوعة، سيقربه من روسيا واوكرانيا وروسيا البيضاء، وهي كلها تشكل مهداً او معبراً للمهاجرين غير الشرعيين والجريمة المنظمة. وكانت الدول الاوروبية الخمس عشرة اقرت اخيراً توحيد اجراءات الغرامات التي تفرض على شبكات تهريب العمالة وكل من يقدم تسهيلات للاشخاص الذين يجري تهريبهم بيد ان جوانب عديدة في هذه المسألة مازالت موضع اخذ ورد بين الدول الشريكة. وفي هذا المجال تحذر المنظمات الانسانية من خطورة النتائج المترتبة على تغيير مقتضيات واهداف المعاهدات الدولية خصوصاً اذا كانت التغييرات المطلوبة تمس بحقوق واوضاع اللاجئين واولئك الذين تضطرهم ظروف قاهرة لترك بلدانهم. مصادر مغاربية اعربت عن خشيتها من ان يكون هدف بعض الدول الاوروبية المرتبطة بالولايات المتحدة، خصوصاً بريطانيا ادراج مسألة الهجرة تحت عنوان مكافحة الارهاب لان ذلك سيعد، في حال اعتماده، دخولاً اوروبياً رسمياً في آلية عمل الاجهزة الامنية الاميركية وتماشياً مع سياسات الولايات المتحدة الخاصة بموضوع الارهاب. ولعل هذه المخاوف تبدو في محلها، في ضوء الدعوة الى اشراك حلف شمال الاطلسي في الجهود الخاصة بمكافحة الهجرة غير الشرعية، ما يجعل الولايات المتحدة طرفاً اساسياً فيها. ـ كاتب لبناني