خصص التقرير الاستراتيجي العربي لعام 2001 الذي يصدره مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية مساحة واسعة لرصد التفاعلات والعلاقات العربية مع دول الجوار وركز التقرير بشكل خاص على ايران وتركيا ، حيث هناك تداخل في المصالح والتهديدات المشتركة بين البلدين والنظام الاقليمي العربي. واوضح التقرير ان ايران تقترب من العالم العربي محاولة التعامل مع دوله بشكل فردي كما أنها تتجنب القضايا الخلافية وتحاول تجميدها بينما تبتعد تركيا عن العالم العربي متجهة نحو اسرائيل وذلك للتصورات المشتركة التي تجمع بين نخب تل ابيب وأنقرة. ورغم ذلك لم يغفل التقرير الاشارة الى أن الموقف التركي الرافض لضرب العراق كان كابحا مهما من كوابح سياسة واشنطن تجاه بغداد خلال عام 2001. وفيما يتعلق بايران أشار التقرير الى وجود حقيقتين تحكمانها، الأولى تتمثل في أن واقع السياسة العربية لا يسمح بالحديث عن علاقة عربية مع دول الجوار بشكل عام ولكنه يفرض وجود مجموعة علاقات وسياسات عربية متنوعة مع هذه الدول، والحقيقة الثانية تشير الى أن ايران تفضل ألا تتعامل مع العرب كمجموعة أو تكتل، بل تحبذ التعامل مع دول عربية منفردة لأن ذلك يتيح لها قدرا من التفوق أحيانا، ومن الندية في احيان أخرى، كما أنها ترفض بشدة أي محاولة لتعريب أي خلاف أو نزاع يحدث بينها وبين أي دولة عربية وتعتبر أي مساندة من جانب دولة عربية لدولة أخرى عربية في نزاعها معها موقفا عدائيا، وقد قسم التقرير التفاعلات العربية الايرانية الى ثلاثة محاور الأول محور العلاقات الايرانية الخليجية، والثاني محور الصراع العربي الاسرائيلي والأخير محور العلاقات الثنائية مع بعض الدول العربية.فيما يتعلق بمحور العلاقات الايرانية الخليجية يرى التقرير أن العام الماضي قد شهد محاولات متبادلة لاعادة بناء الثقة بين ايران ودول مجلس التعاون ولكن دون نية لطرق ابواب القضايا الخلافية الصعبة مثل قضية الجزر والوجود الأجنبي بالخليج وعلاقته بمستقبل الأمن الاقليمي، اضافة الى الموقف من مستقبل العراق ودوره الاقليمي الأمر الذي يجعل هذه الثقة محصورة في نطاقها النظري دون اطار عملي حقيقي يقود الى تأسيس هياكل ومؤسسات تعاون جماعي خليجي ايراني بما فيها مؤسسات الأمن الجماعي والتكامل الاقتصادي وان كان هنا يمكن استثناء العلاقات الايرانية السعودية حيث بدأ البلدان مرحلة جديدة من العلاقات بالتوقيع على الاتفاقية الأمنية المشتركة في طهران ابريل الماضي والحفاظ على استمرار اجتماعات اللجنة المشتركة الايرانية السعودية، وقد أظهرت هذه التطورات الايجابية في العلاقات بين البلدين نتائج مهمة على صعيد بناء الثقة بينهما من ناحية وبين ايران والدول الأخرى اعضاء مجلس التعاون بما فيها الامارات من ناحية أخرى، تمثلت في تأكيد الكويت وايران عزمهما على توقيع اتفاق مياه بكلفة ملياري دولار، وحرص الامارات على علاقاتها مع ايران على المستويين الدبلوماسي والاقتصادي مع حرص شديد على رفض أية تجاوزات بخصوص موضوع الجزر الثلاث، وحتى الآن ما زالت ايران تراهن بأن يؤدي مزيد من التقارب مع دول المجلس وبالذات السعودية الى تجميد موضوع الجزر أملا في تجاوزها كعقبة في طريق تطوير العلاقات، كما أن دول المجلس ما زالت تراهن على أن يؤدي مزيد من علاقات الاعتماد المتبادل والتعاون الى اقناع ايران بحل مشكلة الجزر مع الامارات وما زال كل من الطرفين يأمل في رهانه لكن التطورات الاقليمية الخليجية المتوقعة حتما ستفرض رهانات أخرى. أما بالنسبة للتفاعل الايراني مع العراق فقد أوضح التقرير أن هذه التفاعلات قد اختلفت في بداية العام الماضي عنها في نهايته، ففي حين شهدت نهاية العام تقاربا ايرانيا عراقيا نتيجة لتداعيات الحرب الأميركية على الارهاب والتي أدت الى هذا التقارب، كانت هذه التفاعلات تتسم في بداية العام بالكثير من التوتر وتبادل الاتهامات عند كل عملية تخريبية تحدث في أي من البلدين، وإن كانت هذه الاتهامات لم تمنع اجتماعات اللجان الفنية المشتركة لشئون الأسرى والمفقودين النازحين من تحقيق نتائج مثمرة، وقد عكس هذا التذبذب في العلاقات بين الجانبين وفقا لما جاء في التقرير عمق الأزمة التي يمثلها العراق في الخليج كله وليس لايران وحدها، وان كانت التوقعات تشير الى امكانية حدوث تطورات ايجابية على هذا الصعيد في ضوء زيارة وزير الخارجية العراقي الأخيرة الى ايران، لكن يظل هذا التفاؤل له حدوده وضوابطه الاقليمية والدولية، فضلا عن الضوابط الداخلية والتي تلعب دورا في تحجيم هذا التفاؤل والتوجهات الايرانية العراقية الجديدة ويتضح ذلك من تراجع ايران عن اتفاق استئناف الرحلات الجوية بين بغداد وطهران لنقل الحجاج الايرانيين الراغبين في زيارة العتبات المقدسة في العراق وتم تبرير ذلك بعدم ترحيب الولايات المتحدة بمثل هذا الأمر. نزع التوتر وتطوير العلاقات ولفت التقرير فيما يتصل بالمحور الثاني العلاقات الثنائية الى أنه ومنذ وصول الرئيس الايراني محمد خاتمي الى الحكم وايران تؤكد التزامها بمبدأ نزع التوتر وتطوير العلاقات مع كل الدول وفي مقدمتها الدول الاسلامية وعلى الأخص الدول العربية المجاورة، ويعد تنامي العلاقات مع دول مجلس التعاون وبالذات السعودية، والعلاقة الخاصة جدا مع سوريا والالتزامات الايرانية نحو لبنان والقضية الفلسطينية تعد كلها شواهد على صدق هذا الالتزام، وقد شهد العام الماضي نشاطا دبلوماسيا وثقافيا واقتصاديا مكثفا بين ايران ومصر عززه التقارب في وجهات النظر حول تطورات القضية الفسطينية، والمتتبع للتطورات الايجابية في العلاقات المصرية الايرانية يمكنه أن يربط بينها وبين تحسن العلاقات الايرانية السعودية، والتطورات الايجابية في العلاقات مع العراق والنجاحات التي حققها حزب الله في تحرير الجنوب اللبناني، وايضا التقارب في تقييم هجمات 11 سبتمبر وأسبابها والدعوة المشتركة لعقد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة لبحث قضية الارهاب، وان كان يمكن ملاحظة أن التردد الذي أعقب هذه التطورات جاء ضمن التعقيدات التي أخذتها قضية محاربة الارهاب ووضع أميركا ايران على قائمة الدول المستهدفة ضمن محور الشر. أما بالنسبة للمحور الثالث والخاص بموقف ايران من الصراع العربي الاسرائيلي فقد أكد التقرير على احتلال القضية الفلسطينية لمكانة خاصة في السياسة الخارجية الايرانية على مستوى منظومة القيم الايديولوجية وعلى مستوى السياسات والأدوات المستخدمة للتعامل معها، وقد كان التفاعل الايراني مع الشأن الفلسطيني مكثفا خلال العام الماضي والذي شهد وصول شارون الى الحكم واستمرارية انتفاضة الأقصى ووصول الانحياز الأميركي للسياسات العدوانية الاسرائيلية الى ذروته خصوصا بعد احداث 11 سبتمبر. وقد قسم التقرير التعامل الايراني مع الصراع العربي الاسرائيلي إلى ثلاث قضايا هي الانتفاضة والعلاقة مع السلطة الفلسطينية، والموقف من الهجمات الأميركية ضد حزب الله، بالنسبة للموقف من الانتفاضة فقد حرصت ايران على اعلان الدعم والتأييد المطلق لها باعتبارها على حد قول خامنئي «السبيل الوحيد لتحرير الشعب الفلسطيني» وقد استمر هذا الموقف طوال العام الماضي وعبرت عنه ايران من خلال ندوتين عقدتهما لدعم الانتفاضة منتصف عام 2001، في حين تراجعت العلاقات الايرانية مع السلطة في النصف الثاني من العام نفسه بعد فترة من الهدوء وذلك بسبب اتهامات السلطة لايران بتشجيع منظمات المقاومة الفلسطينية على خرق الهدنة المؤقتة التي كانت قد وافقت عليها السلطة مع اسرائيل في يوليو الماضي، وقد زاد التوتر بين السلطة وايران في اعقاب حادثة السفينة «كارين إيه» المحملة بالأسلحة التي صادرتها اسرائيل في عرض البحر والتي اعتبرها شارون دليلا على وجود علاقة بين ايران الداعمة للارهاب والسلطة الوطنية، واذا كانت ايران قد نفت أي علاقة لها بالسفينة واعتبرتها محاولة جديدة من اسرائيل لربط اسم ايران بالارهاب، فإنه على الجانب الآخر فإن تلك الاتهامات جعلت ايران فاعلا أساسيا ولو بطريق غير مباشر في التطورات المحتملة للصراع العربي الاسرائيلي الذي يضع الدور الاقليمي الشرق أوسطي لايران في دائرة واسعة ظلت تتطلع اليه منذ سنوات طويلة. انعكاسات خطيرة وحول العلاقات والتفاعلات التركية العربية أشار التقرير الى أن هناك ثلاثة تطورات أساسية فيما يتعلق بتوجهات السياسة التركية خلال عام 2001 اثنان منها ذوا علاقة بالتفاعلات العربية التركية وهما تطورات الأزمة العراقية والصراع العربي الاسرائيلي، أولا تطورات الأزمة العراقية وعنها يشير التقرير الى أن الموقف التركي الرافض لضرب العراق كان كابحا مهما من كوابح السياسة الأميركية تجاه العراق خلال العام الماضي. لقد حذر الكثير من السياسيين الأتراك الولايات المتحدة من ضرب العراق لما في هذا العمل من أخطار على الأمن الاقليمي والمصالح التركية، وكان الشائع في مثل هذه التحذيرات الاشارة الى الخسائر المالية الثقيلة التي تكبدتها تركيا بسبب حرب الخليج الثانية ضد العراق والتي قدرتها المصادر التركية بنحو 50 مليار دولار بسبب الالتزام بالعقوبات المفروضة على العراق، كما كان فيها اشارة الى المسألة الكردية إذ أن أي ضربة عسكرية ضد العراق وفقا للقراءة التركية لها يمكن أن ترسخ انفصال الشمال العراقي لصالح تاسيس دولة كردية الأمر الذي سيكون له انعكاسات خطيرة على التكامل الاقليمي والقومي لتركيا نفسها، إذ أن قيام دويلة كردية في الشمال العراقي من شأنه أن يثير نزعات انفصالية قوية لدى أكراد تركيا، فضلا عن أنها ستكون محطة انطلاق للعمليات العسكرية التي تقوم بها عناصر كردية تركية أيا كان الحزب أو الجماعة التي تنتمي اليها في مناطق جنوب شرقي تركيا، كما أن هناك تخوفات لدى السلطة التركية من احتمال تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين العراقيين الى الحدود التركية في حالة توجيه أي ضربة عسكرية. واعتبر التقرير ان هذه التخوفات تعود الى عدة أسباب أولها أن تركيا وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي كانت تواجهها خلال العام الماضي لم تكن تستطيع تحمل تكاليف ايواء هذا العدد الكبير من اللاجئين في الوقت الذي لم تكن الدول الغربية تستطيع تقديم الدعم اللازم لهذا الأمر لأنها كانت مشغولة في ذلك الحين في دعم تدفق اللاجئين من أفغانستان، وثانيها يتعلق بالأمور الأمنية والتي تتمثل في احتمالات اختفاء عناصر حزب العمل الكردستاني وسط الأعداد الكبيرة من اللاجئين العراقيين أو تسللهم الى الأراضي التركية وهو ما يؤدي الى قدر من الخلل في الضبط الأمني الحدودي بما لا تستطيع الجهات الأمنية التركية علاجه في وقت قريب وبالتالي تعود عمليات حزب العمال الكردستاني مرة أخرى الى الساحة التركية. أما ثالث الاسباب فيتمثل في أن الفوضى التي ستعم الحدود التركية العراقية ستؤدي الى عمليات تهريب واسعة للسلع والمخدرات لأن ذلك سيؤثر على تركيا في اتجاهين الأول اقتصادي يتمثل في خسارة الخزانة التركية عائدات الجمارك على السلع المصدرة عبر التهريب، والثاني أمني اجتماعي ذلك أن ارتفاع عمليات تهريب المخدرات على الحدود التركية العراقية كان سيعيد تركيا مرة أخرى الى صدارة الدول التي تعتبر محطات لتهريب المخدرات الى باقي الدول الأوروبية وهذا من شأنه التأثير على تدفق الاستثمارات الأجنبية اليها. زيادة وتيرة الاتصالات وفيما يخص السياسات التركية والصراع العربي الاسرائيلي أشار التقرير الى أن سلوك تركيا تجاه هذا الصراع خاصة في ظل البطش الاسرائيلي الواضح بالفلسطينيين وفي الوقت نفسه زيادة وتيرة الاتصالات بين تركيا واسرائيل يؤكد أن أنقرة تخلت عن سمتي الحذر والحياد النسبي اللتين كانتا تميزان سياستها تجاه هذا الصراع، فبالرغم من تأييدها مبادئ الحل السلمي للقضية الفلسطينية وتأييدها للسلطة الوطنية بصفة عامة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، إلا أن ميلها الى اسرائيل بدا أكثر وضوحا لاسيما مع زيادة التعاون العسكري والاتصالات الدبلوماسية معها، في الوقت الذي لم تستطع أنقرة أن تترجم هذا الميل الى نوع من الضغط السياسي أو المعنوي لمراعاة الحد الأدنى من التعامل الاسرائيلي الايجابي مع العملية السياسية مع الفلسطينيين. وأوضح التقرير أن زيادة وتيرة الاتصالات والتعاون بين الجانبين التركي والاسرائيلي ترجع بالأساس الى التقارب في الرؤى والتصورات بين النخبتين التركية والاسرائيلية، فهما من جهة تعتبران سوريا عدوا محتملا لدولتيهما، ومن جهة أخرى فهما تتبادلان القلق بسبب برامج التسلح في كل من سوريا والعراق وايران، كما أنهما يشتركان في الخوف من خطر انتشار التيارات الاصولية في دول آسيا الوسطى الاسلامية، وهذا التقارب التركي الاسرائيلي في الرؤى لا يقتصر فقط على ما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي انما يمتد لقضايا اخرى من بينها سياسات الاتحاد الأوروبي والخوف من أية امكانيات للتوسع الروسي المستقبلي، فضلا عن اعتقاد النخبة التركية أن تقوية الروابط بين بلدها واسرائيل هو أحد ملامح انتماء تركيا للعالم الغربي، وخاصة النخبة العسكرية التركية التي حسمت خياراتها بشأن الهوية الثقافية واختارت الهوية الغربية العلمانية في حين تتنازع الشارع التركي صراعات هوية متعددة وبالتالي فإن تعزيز التعاون بين تركيا واسرائيل والذي يأتي نتيجة لضغوط المؤسسة العسكرية هناك وبرعاية مباشرة وقوية من الولايات المتحدة، ليس متقطع الصلة بأزمة الهوية التي تشهدها تركيا منذ عدة أعوام.