«اخترت الطريق الصحيح لانه عبادة وتقرب الى الله حتى اعانق حبل المشنقة وقد تبين لي الحق فاتبعته». كانت تلك كلمات حركي اسلامي مصري، ينتظر تنفيذ حكم قضائي بالاعدام شنقا.. فيما يعد دلالة الى ان مبادرة وقف العنف ، التي اعلنتها الجماعة الاسلامية صدرت عن قناعة حقيقية ومراجعة الذات.. وليست نتيجة تتويب امني.. ولا رغبة في دنيا. تعد الجماعة الاسلامية اكبر تنظيم راديكالي في مصر يقدر البعض عدد اعضائه بنحو مئة ألف.. في وقت من الاوقات كان نحو ثلثهم وراء قضبان السجون. نفذت عناصر الجماعة الاسلامية وحدها نحو 90% من احداث العنف التي وقعت في عقد التسعينيات، بدءا من اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب المصري السابق بطريق الخطأ خلال اكتوبر عام 1990 وانتهاء بمذبحة الدير البحري الدامية في الاقصر والتي وقعت في نوفمبر عام 1997. وما بين التاريخين حدثت مآس كثيرة.. اغتيالات ومحاولات اغتيال لكبار المسئولين وضباط الشرطة.. تنفيذ عمليات ضد سياح.. اعتداءات على كنائس.. نهب لاموال وفرض اتاوات.. احراق محال فيديو.. تفجيرات في بنوك ومقاه.. وعلى الجانب المقابل عشرات الالاف من المعتقلين، تأميم المساجد، القبض لمجرد الاشتباه، اطلاق النار في الصدور قبل الاعتقال.. مطاردات في زراعات القصب وشعاب الجبال.. في المطارات والموانيء والعواصم الباردة.. والعواصم المقفرة.. تيتم اطفال.. وترميل نساء.. وارتواء للارض بالدماء حتى جاء من وهبه الله نور البصيرة ورأى ان من مصلحة مصر ومصلحة الجماعة الاسلامية الوقوف في وجه هذه المفاسد رجاء ثواب الله وطمعا في فضله ونعمته.. لعل ذلك يكون بداية لتخفيف المعاناة عن اعضاء الجماعة وعن ممثلي السلطة من ضباط وجنود ومخبرين.. ولعله ايضا يمنح فرصة لمشاركة عملية في هموم مصر ويرفع عنها المعاناة. مبادرة وقف العنف التي اظهرت الحكومة المصرية في الآونة الاخيرة بوادر استجابة لها تكتسب اهمية قصوى ليس على صعيد الوضع في مصر وحدها وانما يمكن ان يمتد تأثيرها لكل حركات الاسلام السياسي التي تعتبر العنف وسيلة مشروعة على امتداد الوطن العربي. فلأن دعوة المراجعة منطلقة من مصر ومن اكبر تنظيم فيها فانه يتوقع ان يدفع ذلك تنظيمات اخرى الى وضع تجاربها تحت مشرحة النقد على هذا النحو الواضح، ودون نظر الى اعتبارات الذات او خوفا من اراقة ماء الوجه.. ويزيد من اهمية التوقيت ان رسالة الاسلام نفسها باتت تتعرض لعدوان خارجي يستهدف الارض والعرض.. الثقافة والارادة.. والاصل في مشروعية الجهاد هو دفع العدوان الخارجي.. وليس الاقتتال الداخلي على النحو الذي جرى في مصر والجزائر وغيرهما والذي كانت تغذيه اصابع خارجية لها مصلحة في ان يكون هناك من يلعب بالنار وان تكون هناك سلطة تتعامل بلا تعقل ولا حكمة.. فتزيد النار اشتعالا مهددة باحتراق البلد او اضعافها على نحو يحقق اطماع الخارج. لعلها المرة الثانية التي تمتلك فيها حركة اسلامية الشجاعة الكافية لمراجعة مسيرتها وتصويب اخطائها فقد سبقت الجماعة الاسلامية في هذا المجال حركة النهضة في تونس، غير ان هذه المراجعة بدت تحولا وانقلابا في حالة التنظيم المصري. مبادرة الجماعة الاسلامية في مصر لن تسلم من المتشككين ومن مثقفين اشبه بحفارى القبور، يوم عيدهم يوم يكثر الموتى.. كما ان هناك مسئوليات تلقى بها المبادرة على كاهل الدولة حتى يكتب لها النجاح وتكون نموذجا قابلا للتعميم. البداية على حد تقدير الكثيرين فان هزيمة يونيو 67 كانت سببا مباشرا في نشوء تيارات العنف الديني على امتداد الوطن العربي.. فالهزيمة لم تكن مجرد معركة عسكرية خاسرة بقدر ما كانت انكسارا لحلم.. وتعبيرا عن فشل مشروع سياسي يتدثر بعباءة القومية العربية، ويرى فيها خروجا من ازمات وقوة بعد ضعف كرسه التمزق وتجزئة الوطن العربي الى دويلات رسم المحتلون الغربيون حدودها، وقبلها اهل تلك الدويلات في سياق قبول عام لكل امر واقع. وفي الحالة المصرية ساعدت المعاملة القاسية التي لقيها افراد جماعة الاخوان المسلمين في سجون صلاح نصر وحمزة البسيوني (وليس سجون عبدالناصر) على تخليق جيل يرى في الخروج على المجتمع وسيلة وحيدة لتغييره تعددت اشكال هذا الخروج بين تكفيره والاغتراب عنه وحمل السلاح في وجه السلطة التي تحكم المجتمع ثم حمل السلاح في وجه المجتمع نفسه. هذا هو المناخ الذي وضعت فيه البذرة الاولى لتنظيم الجماعة الاسلامية.. كان ذلك خلال النصف الاول من السبعينيات في جامعة اسيوط على يد المهندس صلاح هاشم ورفيقه اسامة حافظ. نشأت الجماعة كحركة دعوية سلمية وذلك قبل ان تجرفها الاحداث.. وتسحبها الامواج الى معركة ليست معركتها.. ولكنها ظلت تتذكر ماضيها الدعوى عبر مؤسسها صلاح هاشم الذي ظل مصرا على عدم التحول الى العنف.. ولذلك لم يرد اسمه في اي من قضايا الجماعة.. والغريب ان هاشم اعتقل مؤخرا بعد المبادرة التي حمل لواءها وسعى الى اصدارها عبر سنوات طويلة وذلك بسبب تبادل رسائل الكترونية مع قياديين اسلاميين بالخارج ابدى فيها بعض الملاحظات حول كتب المراجعات الفكرية في سياق محاولة لاقناعهم بها! وفي السنوات الاخيرة من السبعينيات حدثت صدامات بين اعضاء الجماعة الاسلامية وبين الحكومة.. سبب الصدامات كان التدخل الامني لمنع الجماعة من اقامة مؤتمراتها. ولان معظم قيادات الجماعة كانوا في ذلك الحين شبابا يغلب عليهم الحماس ويفتقدون الى مرجعيات عاقلة وليس لهم تجربة سابقة في العمل السياسي فقد ارتكبوا سلسلة من الاخطاء.. وبالنظر الى اعمار القيادات المسجونين حاليا (منتصف الاربعينيات) يتضح لنا ان اعمارهم لم تكن تتجاوز 24 عاما عام 81 وهي السنة التي انفجر فيها العنف ضد الحكومة بشكل سافر وبطريقة تحمل قدرا من التحدي عبر اغتيال الرئيس المصري السابق انور السادات. وقتها كانت قيادات هذا التيار اما لايزالون طلابا في جامعة اسيوط او انهم تخرجوا منها قبل سنوات قليلة. تمثلت هذه الاخطاء في تفسير مغلوط للحسبة والمحتسب، فقد اخذوا في التصدي لممارسات تعتبر عادية ولا تتناقض مع الشرع منها مثلا التشدد في الفصل بين الطلاب والطالبات في المدرجات واستيقاف كل شاب وشابه يمشيان معا في الطريق للسؤال عن بطاقتهما الشخصية للتأكد من انهما زوجان والقاء ماء النار على الفتيات المتبرجات.. كما سيطرت الغوغائية على بعض التصرفات فمجرد ان يتكلم احد في المسجد عن مخالفات شرعية او افعال محرمة ترتكب داخل احد بيوت القرية او المدينة.. كان الجميع يخرجون ويطرقون باب البيت للبحث عن المعصية متصورين بذلك انهم يغيرون المنكر ومصورين لاجهزة السلطة انهم يشكلون دولة داخل الدولة. افكار اعتمد الجيل الاول للجماعة على افكار سيد قطب (التي ضمنها كتابة معالم في الطريق) وابو الاعلى المودودي وابن تيميه فيما اعتمد الجيل الثاني والثالث على كتابين تم اعتبارهما بمثابة دستور للجماعة اولهما كتاب «ميثاق العمل الاسلامي» والذي الفه ناجح ابراهيم وعاصم عبدالماجد وعصام درباله عندما كانوا طلبه لاتتجاوز اعمارهم 21 عاما وثانيهما كتاب «حتمية المواجهة» للقيادي كرم زهدي وهؤلاء الاربعة هم انفسهم يمثلون نصف من وقعوا على كتب المراجعات التي تمثل انقلابا على افكارهم السابقة تلك التي كانت تمثل الاساس الشرعي من وجهة نظر افراد التنظيم لممارسة العنف. الجماعة من ناحيتها تؤكد ان حملها للسلاح لم يأت الا بعد مصادرة الدعوة ووقف نشاط المساجد والحكومة ترى ان هذه الجماعات بدأت تمثل خطرا حقيقيا عليها وقوة ضاربة يحسب لها حسابها بعد ان نجحت مجموعة منها في اغتيال الرئيس السادات والمراقبون يرون ان سبب الخلاف هو صفقة بين الحكومة والتيارات الاسلامية تمثلت في القضاء على المد الناصري واليساري الذي بدأ خطره خلال انتفاضه 18 و19 يناير وان الحكومة استهدفت ذلك من دعم التيار الاسلامي، فلما تم لها ما ارادت اصبح التيار الجديد عبئا عليها ولذلك كان لابد من الاصطدام به. وهناك اعتقاد على نطاق واسع بان الحكومة هي التي بدأت حربا ضد الجماعة بعد هدوء دام سنوات عقب اغتبال السادات سوغت لها فيما بعد ان تقتل السياح وتحاول اغتيال المسئولين وتفرض الاتاوات وتعتدي على الكنائس وتزهق الارواح. فشرارة البداية وقعت في شارع الطالبية بمنطقة الهرم بالجيزة حينما اقدم مجهول على اغتيال الدكتور علاء محيى الدين الناطق باسم الجماعة الاسلامية مستخدما مسدسا مزودا بكاتم صوت.. اعتقدت الجماعة ان هذا المجهول ليس سوى احد افراد جهاز امن الدولة لذلك دبرت للثأر عبر التخطيط لاغتيال اللواء محمد عبدالحليم موسى وزير الداخلية الاسبق. ولان الاعمار بيد الله وحده فقد شاء قدر الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب ان يسلك نفس الطريق الذي كان مقررا ان يقطعه موكب وزير الداخلية وقبل دقائق قليلة من مرور الاخير.. وتصور منفذوا العملية انهم يهاجمون عبدالحليم موسى غير انهم اكتشفوا ودم الرجل لايزال ساخنا على ارضية سيارته انهم قتلوا مسئولا آخر ليس طرفا معهم في صراع. وبدأت طاحونه الدماء وحدث شبه هروب جماعي للحكومة من المواجهة السياسية والاجتماعية للأزمة.. ترك الجميع الملف بأكمله في يد الامن ووزارة الداخلية لتتعامل معه بطريقتها دون رؤية سياسية او فكرية واضحة.. ومثلما ارتكب اعضاء الجماعة الاسلامية اخطاء بشعة في حق المجتمع المصري.. ارتكبت اجهزة الامن اخطاء لاتقل بشاعة.. فقد بدت ممارساتها في بعض الاحيان وكأنها تصب الزيت على النار كما ان اداء هذه الاجهزة لعملها شابه قصور كثير دفع الرئيس المصري حسني مبارك لاقالة اربعة وزراء داخلية متعاقبين هم احمد رشدي وزكي بدر وعبدالحليم موسى وحسن الالفي.. وهو امر لم يحدث في اي وزارة اخرى ولا في تاريخ مصر. وساطات لم تنبت المبادرة الاخيرة من فراغ.. فالقياديون في الجماعة بدأوا مراجعة انفسهم وافكارهم منذ فترة طويلة.. كما لعب عدد من اولى الفضل من العلماء دوراً في ذلك.. ففي عام 1988 حاول الشيخ محمد متولي الشعراوي اقناع اجهزة الدولة وقيادات الجماعة بالتدخل لادارة حوار بين الطرفين.. وكان رد اجهزة الدولة عليه اننا نقدر علمك وفقهك ومكانتك لكن هؤلاء الشباب ارتكبوا جرائم في حق الوطن ونحن نخشى من ان يصدر منهم ما ينم عن عدم توقير لك او اعتراف بما تستحق من فضل. اما قيادات الجماعة فقد انقسموا ما بين مؤيد للتصالح مع السلطة ومقدر لمبادرة الشعراوي. وما بين مشكك فيها ومعتبراً اياها دليلاً على ضعف اجهزة الامن.. وما بين معتبر للشيخ واحداً من علماء السلطة الذين يفترض ان تحاربهم الجماعة لانهم يقومون باضفاء شرعية دينية على ممارسات النظام.. وما لبث ان حدث هروب لثلاثة قياديين من السجن بزعامة عصام القمري.. ما اقفل باب التصالح. لم ييأس العلماء من اصلاح ذات البين.. فبعد نحو خمس سنوات اخرى تكونت لجنة مصالحة ضمت المشايخ الثلاثة الكبار الشعراوي والغزالي والقرضاوي، كما ضمت شخصيات اخرى من بينها الدكتور احمد كمال ابو المجد وزير الاعلام الاسبق، واحمد فراج الاذاعي الشهير.. وفهمي هويدي الكاتب الاسلامي والدكتور محمد سليم العوا استاذ القانون وآخرين. عقدت اللجنة عدة لقاءات، ولقيت تجاوباً في البداية، غير ان جهودها جوبهت بحالة رفض اعلامي شديد حركته اطراف في السلطة وخاضت معركته اقلام ليست فوق الشبهات ربما كانت ترى في التصالح ووقف التطاحن خطراً على نفوذها ومصالحها وارتباطاتها، ولم تكن هناك نتائج غير اقالة وزير الداخلية الذي تحمس لهذه اللجنة وبدأ حواراً مفيداً معها كان يمكن ان يؤدي الى وقف حمام الدم غير انه اتهم بادارته من وراء ظهر اجهزة الدولة. وفيما كان القياديون في السجون ينتظرون بوادر انفراج جاءتهم خيبة الامل والاحباط مع خبر اقالة وزير الداخلية. هذه المرة لم تيأس قيادات الجماعة وانما بدأت عملية مراجعة للذات على مهل ودون انتظار لمقابل تقدمه السلطة. وفاجأ الجميع بيان ألقاه أحد اعضاء الجماعة ويدعى محمد عبدالعليم كان يحضر كمتهم احدى جلسات المحكمة العسكرية التي كانت تنظر قضية تفجير البنوك والمتهم فيها 97 من اعضاء الجماعة. دون تنسيق مسبق مع الامن او معرفة من طرف اي شخص وقف عبدالعليم في قفص الاتهام يوم 5 يوليو 97 والقى بيانا يعلن وقف جميع العمليات القتالية للجماعة داخل مصر وخارجها من جانب واحد دون قيد أو شرط. خلق البيان الذي وقعه ستة من القادة التاريخيين حالة من الذهول.. تعاملت معه وزارة الداخلية باعتباره نوعاً من الخداع او الألاعيب فلم تعره اهتماماً كبيراً في البداية خاصة وان وزير الداخلية في ذلك الحين كان يرفع شعار «ارهاب الارهاب» كما انه رأى سلفه وهو يغادر مقعده بسبب ميله الى الحوار مع الجماعة بدلاً من اطلاق الرصاص. في ذلك الحين كانت السلطات الامنية مستخدمة طائرات الهليوكبتر احيانا تطارد الاعضاء الفارين من الجماعة عبر زراعات القصب وفي الوديان والجبال.. ولسوء الحظ فإن خلية تضم ستة اشخاص ضاقت بها السبل وخشيت من التصفية الجسدية او التعذيب، فقررت دون الرجوع الى قياداتها ارتكاب مجزرة بشعة في معبد الدير البحري بمدينة الاقصر راح ضحيتها عشرات السياح الاجانب.. ثم قام المنفذون بتصفية بعضهم البعض منتهجين اسلوباً غير معهود وتاركين رسالة اعتذار لقادة الجماعة. اصيبت مبادرة القادة التاريخيين بانتكاسة مرعبة وفقد وزير الداخلية هو الآخر منصبه بسبب حادث الاقصر.. ليس ذلك فحسب بل ان رئيس الجمهورية أنبه على الهواء مباشرة امام كاميرات التلفزيون في تصرف غير مسبوق. كان خلفه اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية الحالي اكثر حكمة في التعامل مع ملف التيار الاسلامي.. فقد حاول جهاز الامن في عهده احداث اختراقات لا تصب الزيت على النار والتعامل بحكمة في كثير من الاحيان وبحماقة في بعضها القليل. ومنذ تولي الوزير الحالي لمقعد الداخلية بدأ اطلاق دفعات من المعتقلين في ثلاث مناسبات سنوية هي عيد الفطر وعيد الاضحى ويوم الاحتفال بانتصار اكتوبر وعلى مدى اقل من اربع سنوات تم الافراج عن نحو خمسة الاف معتقل «من اصل 30 الفاً على حد تقدير منظمات حقوق الانسان وستة عشر الفا على حد الارقام الرسمية لوزارة الداخلية». لسوء الحظ جاءت احداث 11 سبتمبر فأوقفت عمليات الافراج للمرة الاولى وكان مقرراً اطلاق نحو الفي معتقل في اكتوبر 2001 ولم يحدد موعد جديد للدفعة التي كانت على وشك توديع قضبان السجون. بعد ان هدأت الخواطر قليلا حدثت حالة تطوير لبيان وقف العنف الصادر في 5 يوليو 97، ففي مارس 99 اعلن مجلس شورى الجماعة الاسلامي قرارا بوقف العمليات المسلحة داخل مصر وخارجها بناء على رغبة القادة التاريخيين الموجودين في السجون. وبين عامي 97 و99 كان هناك حوار حول مستقبل الجماعة وكانت رؤية القياديين الموجودين بالخارج تؤكد على ضرورة وجود متنفس للجماعات الاسلامية وذلك من خلال كيان سياسي دعوي يحث الناس على الفضائل ويناضل القوى الخارجية ويصد عن المجتمع الافكار الهدامة، وطالب القياديون باعطاء اعضاء هذه الجماعات الحقوق والحريات التي كفلها لهم الدستور حتى تقطع الدولة بذلك الطريق على من يريدون حمل السلاح. يبدو ان هذه الشروط هي التي احدثت خلافا بين مجلس شورى الجماعة الموجودة داخل السجن وبين عبود الزمر الذي كان زعيماً لتنظيم الجهاد «يقوده الآن ايمن الظواهري» ثم تركه واصبح عضوا في مجلس شورى الجماعة الاسلامية. فرغم ان الزمر وقع البيان الاول إلا ان اسمه لم يكن بين الموقعين على كتب المراجعات.. فإثر حدوث خلافات عنيفة بين الزمر وكرم زهدي المسئول الاول في الجماعة الآن تم نقل الزمر الى سجن ابي زعبل بعيداً عن باقي القيادات ولم يعد الى ليمان طرة إلا بعد ثلاث سنوات كاملة حيث نقل قبل اسابيع الى مستشفى طرة لانه يعاني من متاعب صحية متأخرة. الزمر هو واحد من اهم قيادتين تاريخيتين فقد سبق وان هدده الرئيس السابق انور السادات في خطاب تلفزيوني كان يبث على الهواء مباشرة، اما القيادة الاخرى فتتمثل في الدكتور عمر عبدالرحمن المسجون حاليا في الولايات المتحدة والذي لايزال يحظى باحترام وتقدير قيادات الجماعة ويعتبرونه الزعيم الروحي والمفتي والمستشار وعلى رأيه تتوقف اشياء كثيرة. عمر عبدالرحمن اعلن تأييده للمبادرة.. لكنه عاد في 15 يونيو 2001 واحدث جدلاً حينما سحب تأييده لها.. ففي بيان وزعته محاميته الاميركية لين ستيواريت اعلن انه يسحب مباركته لكنه يفوض امر المبادرة لقيادات الجماعة التاريخيين الموجودين في سجن طرة ولهم اتخاذ القرار الذي يرونه في هذا الشأن، رجع الدكتور عمر عن رأيه للمرة الثالثة الى موقفه الاول، ففي مايو 2002 ناشد الشباب المسلم في مصر وعناصر الجماعة الاسلامية الاستمرار في وقف العمليات المسلحة، وجاء طلب الدكتور عمر خلال اتصال هاتفي بينه وبين احد ابنائه الموجودين في مصر «عبدالله» وطلب نقل موقفه هذا الى منتصر الزيات باعتباره المعني بالمبادرة. وبدأت حالة انفراج.. كما قدمت اجهزة الامن تسهيلات لقيادات الجماعة لم تكن تخطر على بال من قبل في سجونهم.. فقد سمح لهم بالتنقل بين السجون المختلفة حتى يروجوا لمراجعاتهم.. بدأوا في يناير 2002 بزيارة سجن دمنهور الذي ذهب اليه ناجح ابراهيم وعاصم عبدالماجد، وفي وقت مقارب قام كرم زهدي «الامير الفعلي» وعصام دربالة واسامة حافظ وفؤاد الدواليبي اعضاء مجلس شورى الجماعة بزيارة المعتقلين التابعين لهم في سجون الوادي الجديد ووادى النطرون والاسكندرية، كما زار قياديو الجماعة في اوقات لاحقة سجون الفيوم والعقرب واستقبال طرة والمنيا واسيوط وابو زعبل وقنا. وفي بادرة غير مسبوقة سمحت السلطات الامنية لأهم عشرة قياديين بزيارة اسرهم في بداية الشهر الماضي «يونيو 2002» حيث خرجوا من سجونهم وذهبوا الى بيوتهم تحت حراسة مشددة وظلوا فيها لعدة ساعات عادوا بعدها الى محبسهم. وكما كانت انفجارات 11 سبتمبر سبباً في تعطيل اطلاق دفعة كبيرة من المعتقلين فإنها تسببت كذلك في تأخير الاعلان عن كتب المراجعات، فهذه الكتب كان يفترض ان تصدر قبل شهرين من سبتمبر بعد ان استغرق اعدادها سنوات وحملها معه الى الخارج عضو مجلس شورى الجماعة الوحيد المفرج عنه ويدعى حمدي عبدالرحمن. واذا كان البعض حاول الربط بين 11 سبتمبر وكتب المراجعات فإنه قد اجرى قراءة خاطئة لكن ما حدث من انفجارات في نيويورك وواشنطن يعطي قدراً اكبر من الاهمية لهذه المراجعة. فهناك سباق عام تتعرض فيه الانظمة والحركات الاسلامية لهجوم غير مسبوق ويصل الهجوم احياناً الى النصوص المقدسة باعتبارها مصدراً لا ينضب في تفريخ الارهاب من وجهة نظر الغرب. تراجع محمود الكتب الاربعة التي احدثت دوائر من الجدل بدأت ولن تنتهي إلا بالافراج عن آخر معتقل وقعها ثمانية من قادة الجماعة هم اسامة حافظ، عاصم عبدالماجد، كرم زهدي، علي الشريف، ناجح ابراهيم، عصام دربالة، فؤاد الدواليبي، حمدي عبدالرحمن. اما عناوينها فتدل على محتواها: ـ تسليط الاضواء على ما وقع في الجهاد من اخطاء. ـ النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين. ـ حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين. ـ مبادرة وقف العنف رؤية واقعية ونظرة شرعية. في كتاب «مبادرة وقف العنف» اعتبرت الجماعة ان هذه المبادرة تمثل رأس جسر يحتشد من خلفه كل ابناء الجماعة لينفضوا عن اكتافهم اثر الايام العصيبة ويعودوا الى مهمتهم الاصلية كدعاة الى الله. يؤكد الكتاب ان المبادرة ليست مقايضة بين دين وعرض زائل من الدنيا، وليست مقايضة بين السعي لاعلان دين الله وبين دنيا رخيصة القيناها وراء ظهورنا على حد تعبير المؤلفين. ويقول الكتاب ان التجربة الطويلة بينت ان هذه الدماء المهدرة والمعارك العاصفة لم تجلب مصلحة تذكر بل ترتب عليها عشرات المفاسد التي ينبغي لها ان تدرأ، فالنفوس المزهقة والدماء المسالة من ابناء دين واحد فضلا عن الثارات والاحقاد التي ملأت النفوس. ويشير الكتاب الى مفاسد منها المعتقلات التي تعج بالشباب ثم يغلق طريق العودة الى العنف في الفقرة التالية: «قد يقول قائل ماذا عما نعانيه من ظلم واضطهاد؟ نقول الصبر ونحسب ان ثواب الصبر هنا أرجى واثقل في الميزان». وفي كتاب رؤية واقعية اشارة الى مستفيدين خارجيين من طاحونة العنف من مصر «هذه الدماء والطاقة والاموال تصب فائدتها في خزانة اعداء الدين وهذا البلد.. اطراف عدة تحاول ان توظف هذه الاحداث لتحقيق مصالح خاصة كثيراً ما تكون متناقضة مع المصالح العليا للبلاد وتحاول لتحقيق ذلك الابقاء على الاحداث مشتعلة عن طريق التحريض والتهييج ومساعدة احد الطرفين أو كلاهما لتزداد النار تأجيجا. وحدد الكتاب الاطراف التي يقصدها في اسرائيل والغرب والعلمانيين. هذا الامر يمثل دون شك مشياً وراء البصيرة هربا من خداع البصر الذي يهييء للانسان احيانا ان يفعل الخير المطلق فيما يكون مرتكسا في درك الشر. الجدل الذي اثاره نشر الكتب هدأ قليلا، ثم تجدد الحديث من جديد عن المبادرة ودور الدولة وما اذا كانت عملاً حقيقياً لا عودة عنه ولا رجعة فيه ام مجرد تكتيك وقتي وذلك عقب ذهاب مكرم محمد احمد نقيب الصحفيين المصريين السابق والمقرب من الدوائر الحكومية فقد افردت مجلة «المصور» التي يرأس تحريرها صدر صفحاتها الاولى للموضوع خلال العددين الماضيين وستفعل ذلك لعدد قادم او اكثر وحاولت اظهار اعضاء الجماعة الاسلامية بأنهم بشر اسوياء ابناء نكتة.. منظمون مطيعون لقياداتهم نظيفو الملابس منضبطو التصرف وذلك على عكس الصورة النمطية التي كانت تصورهم بها نفس المطبوعة وغيرها من المطبوعات الحكومية المصرية.. كأشرار.. مصاصي دماء.. مرتبطين بالخارج.. متلقين لأموال من جهات لا تريد الخير لمصر. الجماعة الاسلامية لم تعاملها الصحف الرسمية المصرية باعتبارها مكونة من بشر لهم تقاطيع الانسان مخاوفه وآماله واحباطاته نجاحه وفشله الا مؤخراً.. وهذا مؤشر على ان هناك اتجاهاً سياسياً ما يقود انفراجاً وشيكاً او على الاقل لديه رغبة في احداث ذلك. وكما كان متوقعاً حدثت حالة من التشكيك والعداء والهجوم من جانب متربصين من الحكومة والصحف وبين قيادات الجماعات الاسلامية.. ولولا الرصيد التاريخي المعروف لهؤلاء القياديين لتم اتهامهم بالعمالة لاجهزة الامن. ففي ذروة الهجمة الحكومية عليهم لم ينحن قادة الجماعة لمطارق السلطة وجهروا بمعتقداتهم وآرائهم داخل قاعات المحاكم واودعوا ابحاثهم الشرعية مضابطها بل جاءوا الى جلسة النطق بالحكم وهم يرتدون ملابس حمراء دلالة على عدم تهيبهم من الموت واحكام الاعدام ومؤكدين ثباتهم على افكارهم. كما ان هؤلاء القادة لا يرغبون في عفو حكومي من اي نوع فمدد سجنهم انتهت منذ شهر اكتوبر عام 2001 ويلوح امامهم امل الافراج في اي وقت بعد ان افرجت السلطات الامنية عن زميلهم حمدي عبدالرحمن خلال شهر يونيو 2001 (والذي انتهت مدة سجنه عام 96). ويمكن لقارئ الكتب الاربعة ان يستشف انها لم تكتب تحت ضغوط من اي نوع وانها تحمل توازناً نفسياً وعلمياً وانسانياً يتلاءم مع كون هؤلاء القياديين قد شارفوا الخمسين من اعمارهم فيما آخر صورة يعرفها الناس منهم عمرها يزيد على 20 عاماً فللزمن فعله في العقول والقلوب وليس معقولاً أن يظل الانسان على نفس افكاره رغم خبرات الحياة والسجن وادارة تنظيم بهذا الحجم الكبير من وراء القضبان. اتهامات متنوعة تتنوع الاتهامات التي توجه لقادة الجماعة الاسلامية بسبب مواقفهم واجتهاداتهم الجديدة، فهناك من يتهمهم بتحقيق مصالح خاصة عبر الافراج عن اقاربهم (شقيق زوجة كرم زهدي، اشقاء ناجح ابراهيم، شقيق عاصم عبدالماجد، شقيق زوجة عصام درباله، شقيق حمدي عبدالرحمن). وهناك من يهزأ من فكرة تقديمهم اعتذاراً والتفكير في اعطاء ديات لعائلات ضحايا الاحداث السابقة ويتساءل البعض «من سيعتذر لمئات القتلى من ابناء الجماعة الذين علقوا على اعواد المشانق بعد محاكمات صورية ومن سيعتذر لآلاف المعتقلين ممن قضوا زهرة حياتهم في السجن؟» وفي مواجهة اللوذ بالصبر في مواجهة المظالم يقول البعض من يجير المواطن من عنف السلطة وجبروتها.. اين الحياة السياسية (المجمدة) والنقابات (المشلولة). وفي مواجهة التعليق على قول قيادات الجماعة بأن التحدي الذي يواجه مصر الآن هو التخلف والفقر.. يتساءل البعض: هل يمكننا الحديث عن التخلف الا مع الحديث عن القمع ومصادرة الحريات وتزوير ارادة الناس وهل يمكن تمرير الحديث عن الفقر دون حديث عن الفساد؟ لكن اهم تعليقات صدرت عن اسامة رشدي المسئول الاعلامي في الجماعة الاسلامية واللاجئ السياسي الى هولندا.. ومحمد شوقي الاسلامبولي رئيس مجلس شورى الجماعة سابقا وجمال سلطان احد الناشطين الاسلاميين ووكيل حزب اسلامي تحت التأسيس لم توافق عليه السلطة بعد. يقول اسامة «اذا كانت القضية قضية فكر.. فلماذا لم تطبق آلاف الاحكام القضائية بالافراج عن آلاف المعتقلين حتى تتم المراجعات الفكرية في جو طبيعي يفضي للاقتناع الحر بدلاً من الممارسات البوليسية في التتويب». يضيف اسامة رشدي قائلاً «ما يحدث يفرغ المبادرة من اي بعد سياسي ويحصرها في عملية تتويب جماعي.. ما يحدث خلف الاسوار يختلف عن المبادرة التي تبناها الجميع والتي كانت فعلا سياسياً يهدف لوقف الاعمال المسلحة وايجاد مناخ مناسب للنظام يمكنه من مراجعة السياسات والممارسات والأسباب الظالمة التي اوصلت الامور الى ما وصلت اليه». لكن جمال سلطان يلتفت الى نقطة غاية في الاهمية بقوله «هناك خيط رفيع يفصل ما بين مراجعات الجماعة لأخطائها وتحول هذه المراجعة الى ما يشبه رفع الاثم عن الحكومة». وما يخشى منه سلطان ان تظل الحركة اسيرة احساس بأنها قضية أمنية وليست قضية سياسية. كما أكد الاسلامبولي وهو الشقيق الاكبر لقاتل السادات أن التصريحات والاعتذارات المنسوبة للقادة المحتجرين في السجن لا تعبر الا عن أصحابها. ولا تلزم الجماعة في شيء. ورغم الاعتراضات فإن سؤال المستقبل هو اهم الاسئلة على الاطلاق وهو الذي سيحكم نجاح او فشل المبادرة من اساسها.. ما هو مستقبل الجماعة الاسلامية خاصة وان عدد اعضائها ضخم ومعظم الحركيين فيها وراء القضبان كما ان جناحاً عسكرياً تم تكوينه لها وعدد اعضائه لم يكن قليلاً قبل الحل ويبدو ان قيادات الجماعة كانت حريصة على استمرار وجود كيان ما او روابط بين اعضاء التنظيم. بخصوص الجناح العسكري اكد القياديون لمكرم محمد احمد انهم سيدفعون لاعضائه معاشاً شهرياً لانه لا دخل آخر لهم. غير ان المستقبل السياسي للتنظيم لا يزال غامضاً فالدولة ترفض من حيث المبدأ فكرة انشاء حزب سياسي ديني.. ولا يتوقع ان توافق في حالة الجماعة الاسلامية كما ان الجماعة نفسها تتحفظ على فكرة الاحزاب السياسية التي كانت تعاديها واستبعد صلاح هاشم مؤسس الجماعة احتمالات لجوئها لتأسيس حزب سياسي كبديل عملي لممارسة العمل السياسي العام داخل المجتمع المصري. ويبدو ان الطريق الوحيد المفتوح هو منح التنظيم رخصة جمعية اهلية تمارس نشاطها الدعوي تحتها وتكون محكومة بأطرها كما في حالة الجمعية الشرعية وهي جماعة سلفية تقوم بدورها الدعوي في اطار القانون ولا علاقة لها مطلقاً بالعمل السياسي. دور الدولة اذا كانت قيادة الجماعة قد قامت بما عليها واجرت مراجعة شجاعة تثبت ان مؤسسيها وقيادييها كانوا اصحاب مشروع سياسي وان اخطأوا الوصول ولم يكونوا عدميين ومنغلقين كما حاولت الدولة تصويرهم طوال الفترة الماضية واذا كانت المراجعات التي تمت دليل حكمة وتعافي نفس لأي حركة وبرهان على تجاوز مرحلة المراهقة الفكرية (تجاهل الواقع والاندفاع والحماس دون ادراك للمصالح والمفاسد) واذا كان فقه الواقع قد تطور لديها الى هذه الدرجة فماذا على الدولة ان تفعل؟ بداية لأعضاء الجماعة وقيادييها حقوق دستورية مقدسة.. صحيح انها اهملت فيما سبق او لم يلتفت اليها باعتبار ان الدولة كانت تخوض حرباً ضد الجماعة لكن في النهاية هؤلاء مواطنون لهم حقوقهم وليسوا نبتاً شيطانيا لا يستحق غير القتل والالغاء. الشيء الثاني: ان هؤلاء القادة عرضوا انفسهم لنهش المتربصين من داخل الصف وخارجه واراقوا ماء وجوههم ومن حقهم ضمان دور مستقبلي لجماعتهم كحركة دعوية تشارك في التأسيس لنهضة المجتمع المصري. الشيء الثالث: على الدولة ان تثبت انها تتعاطى مع الموضوع بايجابية وذلك من خلال اطلاق عشرات الآلاف من المعتقلين الذين لم توجه إليهم تهمة ولم يخضعوا لمحاكمة. كما ان عليها ان تسقط الاحكام العسكرية الصادرة باعدام القياديين الهاربين في الخارج والذين حصل عدد منهم على لجوء سياسي لعدد من الدول الاوروبية او لا يزالون هائمين في شعاب جبال باكستان وافغانستان ويمكن ان يتم تحويل قضاياهم الى محاكم مدنية عادية.. وسوف يقبل اعضاء الجماعة بأحكامها دون مناقشة. الشيء الرابع: ما الذي يمنع اعضاء هذه الجماعة وغيرها من ممارسة الدعوة الى الله في المساجد والاماكن العامة طالما انهم يتحدثون عن مكارم الاخلاق ويعلمون الناس دينهم ويحثونهم على الفضائل.. وطالما انهم لن يعودوا الى افكارهم السابقة التي تدعو الى تغيير المنكر باليد من قبل افراد الجماعة او الانقلاب على نظام الحكم. الشيء الخامس: على الدولة ان تجد فرص عمل لعشرات الآلاف من المعتقلين التابعين للجماعة حتى تتيح لهم فرصة اندماج بالمجتمع وهذا التصرف لن يكون غريباً، فالسلطات تفعل ذلك مع المسجونين الجنائين المتهمين بالبلطجة والدعارة والسرقة بالاكراه وحتى القتل فماذا يمنع ان تفعل نفس الشيء مع شباب اعترفوا بذنبهم واكدوا انهم اخطأوا في حق انفسهم ودينهم وفي حق المجتمع. الشيء السادس: عدم تنفيذ احكام الاعدام الصادرة بحق مسجونين حاليين في السجون المصرية وتخفيف هذه الاحكام والتوقف تماماً عن احالة المتهمين الجدد الى محاكم عسكرية سواء من هذه الجماعة او من غيرها. هذه مجموعة اشياء يمكن ان تحدث انفراجاً حقيقياً وتصالحا على اسس صلبة ولكن ان تمر المبادرة على الدولة مرور الكرام او ان يأخذها الزهو بالانتصار الامني فلن يكون موقفاً عاقلاً لا من طرف الدولة ولا من طرف المثقفين وليس من صالح احد. وروح الشماتة التي ابداها البعض (في جماعة الاخوان المسلمين) لا تعبر عن توجه صحيح لتيار وطني عانى هو الآخر من تضييق السلطات والاخذ بالشبهات. كما ان الاصرار من طرف الدولة او اجهزة الاعلام على تعرية اصحاب المبادرة او ابتزازهم بجعلهم فرجة ومثاراً للتنكيت قد ينسف المصالحة وليس من المطلوب ان نركز على صورة وحيدة لهم ونثبتها صورة من يجلدون الذات ويذرفون دموع الندم. وليس من مصلحة الاجهزة الامنية ان تفاخر طويلاً بانجازها او ان تحاول الظهور امام السلطة او المجتمع بمظهر من نجح في ترويض كائن مفترس. ما حدث من مراجعة يقتضي مراجعة مماثلة من جانب النظام.. عليه ان يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ وان يدرك ضرورة ضخ دماء الحرية في شرايين المجتمع وان هناك قطاعا واسعاً من الشباب يريد المشاركة ويجد الطرق مسدودة. هناك حاجة للتحقيق في أخطاء السلطة خلال العشرين عاماً الماضية واجتثاث الفساد من جذوره وتأسيس بنى سياسية تستوعب حاجات المجتمع وتدفع عملية بنائه للأمام. تحتاج مصر الى ايمان بفكرة تداول السلطة وايمان بفكرة حق المواطن في التصويت لمن شاء.. دون هراوات .. ودون مصادرة يحتاج البناء زمناً طويلاً. اما الهدم فلا يحتاج الا للحظة واحدة. البناء يحتاج الى شجاعة.. اما الهدم فليس فيه اي نوع من الانسانية! مجدي شندي