الأزمة السودانية بعد تدويلها وإعطاء الغلبة في الحلول المطروحة للعنصر الخارجي الذي اعد المسرح المناسب في نيروبي وفق خطوات محسوبة، بعد أن تأكد للجميع عجز القوى السياسية السودانية والمبادرات الإقليمية وقصورها في نيروبي تقدمت مجموعة من الخبراء بمقترحات لشركاء الإنقاذ بهدف توسيع دائرتها وتفعيلها وإعادة هيكلتها. الإيغاد بصيغها القديمة أهملت قوى سياسية مهمة من أطراف النزاع وهمشت دور مصر وليبيا واهتمت ببعد واحد من أبعاد الأزمة هو إنهاء الحرب عبر عمليات تفاوض تمت برعايتها على مدى اكثر من ثماني سنوات لم تثمر شيئاً والجديد هو التعديلات التي أدخلت على جسم الإيغاد برعاية مباشرة من الولايات المتحدة عبر مبعوثها الخاص دانفورث والتعديلات المقترحة الغرض منها التداول التدريجي للازمة عبر مراحل مكملة لبعضها في قلبها وتمثل المركز دائرة التفاوض المباشر بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية وهي الأطراف الداخلة فى عمليات عسكرية لم تتوقف حتى مع بداية المفاوضات. فالحركة احتلت كبويتا وهي مدينة مهمة في شرق الاستوائية وقريبة من الحدود الكينية والحكومة استرجعت قيسان في شرق السودان وقوقريال وحدثت مناوشات في منطقة استخراج النفط. المهم هنا الاهتمام الدولي بما يدور في نيروبي بعد أن تبلور رأى قوى ومؤثر يدعو إلى إنهاء الحرب وإحلال السلام. المفاوضات تمت برعاية الرئيس دانيال أروب موى شخصيا وهي تشكل بالنسبة له تحديا على المستوى الأفريقي خاصة وقد تم إعلان عدم رغبته في التحديد لمدة أخرى كرئيس لكينيا وهو يريد أن يختتم حياته السياسية بتحقيق السلام في السودان والسلام في السودان يعنى استقراراً لكل المنطقة بما فيها كينيا في نفس الدائرة تشارك دول الإيغاد بممثلين لها وبدرجة اقل إريتريا لها مجهودات خاصة خارج إطار الإيغاد وفى السودان اليوم وفد على مستوى عال يسعى للتوسط بين الحكومة والمعارضة وأثيوبيا التي دخلت فى السنتين الأخيرتين مع السودان في عمليات تفاوض ثنائية بهدف تحسين العلاقات التي تأثرت بمحاولة اغتيال الرئيس حسنى مبارك عام 1995 تعرضت قواتها المسلحة فى الحدود السودانية لهجوم من جبهة تحرير الارمو الهجوم فسر من قبل السلطات الأثيوبية بأنه محاولة متعمدة من قبل الاستخبارات الارتيرية لاضعاف العلاقة التي بدأت تنمو بين السودان وأثيوبيا أما أوغندا فلها توجه مختلف نادت به في مؤتمر عنتبى عند اجتماع زعماء افارقة بالرئيس السابق كلينتون وهو القرن الأفريقي الكبير الذي يضم كلاً من أثيوبيا والصومال إريتريا جيبوتي إضافة إلى كينيا رواندا اوغندا وجنوب السودان ربما أدى انشغال أوغندا بالحرب الدائرة في الكنغو الديمقراطية وأثيوبيا وإريتريا بحرب القرن إلى تعطيل المشروع الذي صاحبة فشل تام للشراكة الأميركية الأفريقية. اوغندا اليوم تتحدث بأكثر من لسان فهي ملتزمة حسب تصريحات رئيسها بمن لهم صلة القرابة معها جنوب السودان ولها قوات مسلحة داخل الأراضي السودانية لم تقف فقط عند مطاردة معارضيها اذ ترتب على ما تقوم به من عمليات فقدان عدد كبير من المواطنين وتدمير ممتلكات السودانيين. يقال إن هناك تغيرا قد حدث بضغوط خارجية على أوغندا ربما يفسر هذا الزيارة التي قام بها الدكتور غازي صلاح الدين لاوغندا والتي تزامنت مع وجود جون قرنق بها، الدائرة الثانية هي التي تشمل دول الترويكا الثلاث أميركا بريطانيا النرويج وهي حلقة الربط الأساسية والممثلة لحد كبير للأسرة الدولية، ففي الاجتماع الأخير للثمانية الكبار في كندا حدث تحول كبير في سياسات الدول الكبرى وهو إعطاء المجتمع ومؤسساته قدرا كبيرا من المسئولية بدلا من الاعتماد على الأفراد لإحداث التغيير. الرئيس شيراك في خطابه أمام الزعماء الأفارقة تحدث عن سياسة جديده لفرنسا وركز في حديثه على ضرورة أن يحترم زعماء أفريقيا أسس ومبادئ الحكم الديمقراطي لينالوا ثقة الآخرين وعليهم أن يلتزموا بالإدارة الرشيدة والجادة لادارة الموارد بهذا المفهوم ربطت فرنسا معوناتها الاقتصادية والتقنية اللازمة للتنمية بالتزام النظام المعنى بقواعد الديمقراطية والرشادة الاقتصادية في إدارة بلادهم والمعونات الممنوحة لهم. الموقف الجديد مخالف لسياساتها السابقة التي اعتمدت على أن تحقيق الاستقرار يعنى دعم النظم الدكتاتورية ماديا وعسكريا حماية لمصالح فرنسا في أفريقيا بهذا الفهم ترى فرنسا في الماضي ان الديمقراطية غير مرغوب فيها ان أدت إلى إحداث قلاقل أثرت سلبا على مصالحها.فرنسا اليوم شبه معزولة من مصالحها في أفريقيا بعد ان حدث تمدد كبير للوجود الاميركي في القارة السمراء. بالرجوع للدائرة الثانية نجد ان أميركا قد استخدمت أساليب كثيرة ومبتكرة للتأثير على سير المفاوضات، التصريحات والاتهامات الموجهة لحكومة السودان لم تتوقف من الرئيس بوش ومن كبار المسئولين منها كمثال: في الزيارة التي قام بها مؤخرا للخرطوم والتركنستاينر مساعد وزير الخارجية الاميركي للشئون الافريقية، اهتم كنستاينر بثلاث قضايا أساسية مفاوضات السلام في نيروبي - شريان الحياة أما القضية الثالثة فهي المختلف حولها بين النظام والإدارة الأميركية، النظام يسعى لتطبيع علاقاته مع الولايات المتحدة والى رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإنهاء المقاطعة. الولايات المتحدة حصرت نفسها في قضية واحدة فى العلاقات الثنائية مع الحكومة السودانية هي محاربة الإرهاب لذلك عند سؤاله عن نتائج محادثاته مع المسئولين السودانيين قال والتركنستاينر استبعدنا أي قضايا أخرى بحسبان ان القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية رهينة بتحقيق السلام لان الاستثمار لا يتم في أجواء الحرب. التصريح الإيجابي لكنستاينر هو تفسيره لمبدأ تقرير المصير إذ قال: ان الحكومة الأميركية مع تقرير المصير الذى يعنى منح الجنوبيين حق التعبير عن آرائهم السياسية لكنه رفض ان يكون تقرير المصير يعنى الانفصال. الضغوط على الحكومة السودانية التي دخلت في عمليات تفاوض منفردة في قضية كان من الواجب إيجاد إجماع قومي حولها اعتمد المفاوض السوداني على الدور الاميركي استخدمته الإدارة الأميركية كوسيلة للضغط لأجل تقديم اكبر قدر من التنازلات. كولن باول وزير الخارجية جاء في تصريح له ما يأتي: ما زال أمام السودان شوط طويل قبل رفعه من قائمة الدول الراعية للإرهاب لكنني اشعر بارتياح نتيجة للجهود الدبلوماسية فإننا حققنا بعض التقدم في جعل العملية السياسية تبدأ مرة أخرى، وأضاف قائلا إننا نوضح للحكومة السودانية انها إذا كانت تريد السير قدما فان عليها ان تتعاون معنا ضد الإرهاب وفى تقرير وزارة الخارجية السنوي ذكر ان سبع دول في القائمة منها السودان وليبيا هي الأقرب إلى تلبية كل المطالب الأميركية للتعاون ضد المتطرفين. الفقرة الأخيرة تنقلنا للدائرة الثالثة والتي تشمل مصر ومصر لها علاقات مميزة مع السودان، في ظل المشروع المطروح صفيت المبادرة المشتركة بعد ان أبعدت ليبيا التي اكتفت في تصريح عبد السلام التريكي أمين اللجنة الشعبية للوحدة الأفريقية في ليبيا بالترحيب بالإيغاد لاحلال السلام في السودان في حالة توصلها إلى نتائج إيجابية، وذكر التريكي ان الإيغاد ظلت تسع سنوات في حالة فشل ذريع ولكن ما يهمنا هو حل مشكلة السودان والمحافظة على استقلاله ووحدته. مع مصر ذكرت الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية وغيبت عمدا الجامعة العربية وفى هذا ما يؤكد ان التوجه العام في الغرب هو إضعاف الروابط بين السودان والشرق الأوسط، السودان في نظرهم دولة تسكنها غالبية غير عربية وهي مع كثرتها العددية همشت لصالح اقلية عربية احتكرت السلطة والثروة. إعادة تشكيل السودان بإدارة خارجية واضح من المرتبة المتدنية التي وضعت فيها القوى السياسية الأخرى، التجمع الوطني الديمقراطي وحزب الأمة إذ تم وضعهم في الدائرة الرابعة وفى هذا دليل آخر على ضعف النخب السياسية فهي اليوم مجرد أدوات يتم عبر محادثات نيروبي تحديد دورها وهو دور مساند ان لم يكن مجرد ديكور. الدائرة المكملة لعمليات التفاوض في نيروبي تشمل بعض المؤسسات التي تتولى تقديم دراسات فنية مثل ماكس بلانك مبادرة حوض النيل. دراسة الجولة الأخيرة في نيروبي وما تم فيها من قبل أميركا والاتحاد الأوربي لانجاحها. اثارت سؤالاً مهماً هو أين دور النخب السياسية السودانية ؟ ربما ولأسباب كثيرة من الصعب عزل السودان عن ما يدور حوله في عمق القارة الأفريقية ومن ما اتبعته الولايات المتحدة من سياسات جديدة ومختلفة بعد أحداث 11 سبتمبر ولكن ان نتخلى طواعية عن دورنا وحل مشاكلنا والاعتماد على ما تجود لنا به الأسرة الدولية فهو شيء مخجل خاصة والقضايا المطروحة في المفاوضات لا جديد فيها وطرحت الأطراف السودانية تصورات متقاربة لمعالجة الأزمة ففي السودان اليوم قناعة بأنها الحرب فهي لم تجد خيارا ومشاكل السودان يمكن ان تحل سلميا وبالحوار والسلام يعنى اتفاقية سلام عادل تضمن في الدستور ويحدد بموجبها علاقة الدين بالدولة فالدولة في الإسلام وفى السودان مدنية، السيادة فيها للشعب ان تقوم الدولة باحترام الأديان والثقافات الوطنية وتلزم نفسها من تحقيق التعايش والتفاعل السلمي والمساواة وتمنع الإكراه أو أي فعل أو إجراء يحرض على إثارة النعرات الدينية أو الكراهية العنصرية في أي مكان في السودان وتوصلوا أيضا ان السودان بحجمه الكبير والتعدد الموجود من المستحيل ان تتحكم في إدارته مجموعة تفرض الوصايه على الآخرين والحكم الأمثل للسودان هو النظام الديمقراطي التعددي اللامركزى. قضايا أخرى اقل أهمية في أدبنا السياسي رصيد ضخم ولكنه معطل لدرجة ان الجميع اليوم مشدود دون خجل لما يحدث في نيروبي دون ان يدرى ما يحملة الغد له عندما تتفق القوى الإقليمية والدولية وتضغط على طرفي النزاع الحركة الشعبية والحكومة كي يتوصلوا إلى اتفاق معد سلفا حسب رواية الدكتور حسن مكي.