في أحدث اطروحة سياسية أثارت كثيراً من الجدل شكلاً ومحتوى لم يكتف الصادق المهدي الزعيم السوداني المعارض، رئيس الوزراء السابق باضافة رصيد جديد، إلى سجله في التفرد بنحت تعبيرات نادرة في أدبيات السياسة السودانية، بل تجاوز ذلك إلى حفر مسارات عميقة في الرؤى السياسية التي يقترحها مخرجاً من أزمة بلاده السياسية. كان ذلك الثلاثاء الماضي عندما فضل الضغط على كل جراحه ليشارك في الاحتفال بالذكرى الـ 13 لقيام نظام الانقاذ الذي قام على اطلال حكمة بانقلاب قاده الرئيس الحالي «العميد آنذاك»، الفريق الركن عمر البشير في 30 يونيو عام 1987. ورغم ان المشاركة في الاحتفال كانت رمزية، عبر المساهمة في ندوة «حكومية» عن الثوابت الوطنية، الا ان ذلك لم يمنع اندلاع جدل حول الخطوة كاد يطمس معالم اطروحاته النيرة التي وردت في ورقته. وهذا، فيما يبدو، ما دفعه إلى التركيز على ايضاح التنازع الذي حاصره في هذا الصدد، عند مدخل ورقته وختامه. وقدم المهدي في ورقته سياحة عميقة في اتون التاريخ السوداني الحديث في ايجاز شكل مدخلاً جيداً للحديث عن الحكومات الوطنية التي مرت على سدة الحكم. وبعد استعراض للمآخذ والايجابيات التي تتعلق بنظام عبود ثم مرحلة أكتوبر ثم عهد نميري ومرحلة الديمقراطية الثالثة دلف المهدي إلى الحديث باسهاب عن النظام الحالي راصداً سلبياته وايجابياته. ومما قاله في هذا الصدد، تصريحاً وتلميحاً ان الانقاذ «طعنت الوحدة الوطنية بتأجيج الفتنة الدينية والحرب الجهادية وسياسة التمكين»، لكنه اعترف ان للانقاذ «انجازان يشوههما افتقار الشفافية هما التحول لاقتصاد السوق واستخراج النفط». وهاجم اجراءات الخصخصة التي «استفاد منها أهل الولاء للسلطة دون غيرهم»، مشيراً أيضاً إلى ان احداث دارفور جزء من عثرات التطبيق الخاطيء للفيدرالية. وقال أيضاً ان «القهر يمكن ان يحقق طاعة مؤقتة ولكن الثمن كراهية بالغة». وتساءل في هذا الصدد: لماذا يتم التضييق على الصحافة التي تعمل بمنطق الفكر والدعوة بالحسنى؟! وفي سياق اطروحته بدا المهدي قانعاً بوضع حزبه الذي يقبع في منطقة وسطى ما بين النزوع إلى المشاركة في الحكم والاحتفاظ بموقعه في المعارضة. وفي سبيل ذلك ـ ربما ـ لم ينس ان يغمز من قناة المعارضة المسلحة وليبحث عن تبرير لسياسة النظام العنيفة، فيقول «من القوى المعارضة من يتخذ العنف اسلوباً فيبرر القهر من جانب السلطة»! وبعد ان استرسل في شرح الاوضاع الداخلية وعبر عن آمال الشعب السوداني في استعادة الديمقراطية مع التفصيل التاريخي لمراحل الحكم في البلاد انتقل المهدي لمرحلة أخرى في اطروحته تركزت على الحديث عن الوحدة الوطنية وثوابت القومية وفصلها في 16 بندا رئيسياً. وقال ان الحصول عليها لابد ان يأتي بتأييد اختياري لان محاولة فرضها بالقوة سوف يأتي بنتائج عكسية مشيراً إلى انه لا يمكن بناء وطن وتحقيق استقرار ما لم يتم الاتفاق على تلك الثوابت ورفعها عن طريق ميثاق وطني ودستور فوق الخلافات الحزبية. وفيما يلي تنشر «البيان» الجزء الثالث والأخير من نص ورقة المهدي الوحدة الوطنية والثوابت القومية: في ظروفنا الحالية ينبغي أن نضع أسسا للوحدة الوطنية ونعمل على بناء الوطن عليها. هذه الأسس هي ما يشار إليها بالثوابت القومية أو الوطنية. عبارة ثوابت في نطاق المعاملات البشرية تستخدم مجازا لأنه لا ثوابت إلا في قوانين الطبيعة، أما الثوابت الغيبية فهي ـ بالنسبة للمسلمين ـ قطعيات الوحي والسنة ورودا ودلالة. ما عدا ذلك فالحياة خاضعة للحركة وللتعددية. ولكن بعض المبادئ والمفاهيم والنظم ينبغي أن يكون لها ثبات نسبي وتسمى ثوابت مجازا. ولذلك فما نطلق عليه هنا الثوابت القومية هي ثوابت بفهم نسبي أي أنها ثوابت في إطار الدولة الوطنية، والمناخ الفكري السائد، والنظام العالمي الماثل، وكلها عوامل قابلة للحركة. ولكننا في المستقبل المرئي ينبغي أن نتعامل معها «كثوابت» ونعقد لها التأييد ونحول دون الإخلال بها لأن الإخلال بها يضر بالوحدة الوطنية. لقد كانت أبرز التحديات أمام الوحدة الوطنية السودانية هي مسائل التباين الثقافي والديني والتشوهات الهيكلية في الدولة السودانية التي أدت لنشوب الحرب في الجنوب. ولكن مهددات الوحدة الوطنية تزحف نحو جهات أخرى لذات الأسباب، وهي تجد لنفسها موئلا في ضعف الدولة السودانية قياسا بالمجتمع، مما يسمح للروابط الأدنى ـ الأسرة والقبيلة..الخ ـ والروابط الأعلى ـ الأمة ـ أن تعصف بالرابطة الوطنية وتطغى عليها. 1ـ السيادة الوطنية: المسلم يؤمن عقيدة أن كل شيء مسلم لرب العالمين طوعا أو كرها. المستجيبون لرسالات الأنبياء يسلمون طوعا، ولكن ظواهر الطبيعة مسلمة حتما. إن للدعوة الإسلامية خصوصية لأنها الخاتمة ولأنها للناس كافة. ولكن هذا لم يمنعها أن تعترف لرسالات الأنبياء الآخرين بقيمة:(. لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ الليْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.)*(يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالِحِينَ). قال فيلسوف وشاعر ألمانيا الشهير «غوتة»: إذا كان الإسلام يعني الامتثال لإرادة الله فكلنا مسلمون، البشر يسلمون طوعا والطبيعة تسلم كرها.. هذا الفهم يعني أن الربوبية لله ـ وهو فهم متعلق بطبيعة الأشياء ـ الربوبية لله مفهوم انطولوجي. السيادة الوطنية مفهوم سياسي متعلق بشعب معين، وبإقليم معين. هذا الفهم المتعلق بالسيادة كحقيقة دستورية مبدأ ينبغي الاعتراف به واحترامه كأساس من أسس الوحدة الوطنية. السيادة الوطنية مفهوم سياسي لا يتعارض مع أن الربوبية لله. روى الطبري أن أبا ذر رضي الله عنه قال لمعاوية لا تسمي مال الناس مال الله. أبو ذر لا ينكر أن كل شيء لله. ولكن تسميته مال الناس يفتح باب المساءلة وهذا ما يقصده. السيادة للشعب والربوبية لله. تسمية مال الله في المقابل يفتح باب المفاسد والوصاية باسم الدين. 2ـ وحدة الشعب والتراب الوطني: هناك عوامل موضوعية وذاتية خلقت شرخا في الوحدة الوطنية وتسببت في الحرب الأهلية والاستقطاب الحاد الذي نتج عنها. لا نستطيع أن نتجاوز هذا الواقع ونفترض قيام الوحدة الوطنية. علينا أن نجري تفاوضا موضوعيا حرا لتحقيق الوحدة الوطنية على أسس جديدة طوعية. تقرير المصير في هذا السياق هو صمام أمان الوحدة الوطنية وفرصة جادة لتحققها إذا جرى ضمن منظومة الثوابت المذكورة هنا فأفريقيا تتجه نحو مزيد من التوحد لاالتمزق. 3ـ الحرية الدينية: الشعب السوداني شعب مؤمن، غالبيته مسلمة وبعضه مسيحي وبعضه يدين بأديان أفريقية. الحرية الدينية وحق الأديان في التعبير عن عقائدها وشعائرها ينبغي أن يكفل دون مساس مع مراعاة شرطين: الأول: التعايش السلمي والتنافس السلمي بين الأديان. الثاني: عدم المساس بحقوق المواطنة. 4ـ الهوية الثقافية: السودان متعدد الثقافات والاثنيات وينبغي الالتزام بميثاق ثقافي يحدد لغة الخطاب الوطنية، ولغة الخطاب العالمية، ويعترف باللغات واللهجات الأخرى لتتعايش وتتلاقح سلما. يتاح للثقافات السودانية الحرية والتعايش والتلاقح، ويشجع الانفتاح الثقافي إقليميا ودوليا. 5ـ التنمية: في عالم اليوم لا يرجى تحقيق السلام الاجتماعي إلا في ظل نظام اقتصادي يحقق التنمية، وتوزيعا عادلا لعائدها. 6ـ العدالة: هنالك مظالم اقتصادية، وثقافية، واجتماعية، وجهوية. هذه المظالم تهدد الوحدة الوطنية وتشكل مصادر للتمرد عليها. العدالة من الثوابت القومية. العدالة في المعنويات وفي الاجتماعيات كمركز الثقل في الفيزياء. المركز الذي يدور حوله التوازن. كذلك العدالة هي الأساس الذي يحقق الأمن. الأمن الحقيقي هو الذي يقوم على العدالة 7ـ حقوق الإنسان والحريات الأساسية والعامة: إن للإنسان حقوقا تشكل تطلعا للإنسان في كل مكان، وتجد رعاية دولية، والإخلال بها يمثل شرخا داخليا، ونافذة لتدخلات دولية. ضمان حقوق الإنسان وكفالة حرياته الأساسية والعامة من الثوابت القومية. 8ـ قومية مؤسسات الدولة: الحكومات تتعاقب. ولكن ثمة مؤسسات نظامية ومدنية مطلوب أن تتخذ طابعا قوميا يحافظ على تماسكها وفاعليتها وقيامها بوظيفتها الدستورية والقانونية. 9ـ اللامركزية: السودان قطر في حجم قارة، متعدد المناخات، والثقافات ولا يجدي مع حكمه وإدارته إلا درجة عالية من اللامركزية. لا مركزية فعالة وغير متناقضة مع الوحدة الوطنية. اللامركزية المختارة للسودان هي الفدرالية لأنها تؤمن صلاحيات مركزية وأخرى طرفية محمية بنص الدستور وتسمح بتعدد النظم القانونية في الدولة الواحدة. 10ـ التداول السلمي للسلطة: الاستيلاء على السلطة بالقوة مهما كانت المبررات مغامرة ضارة بالبلاد، وتفتح جبهات نزاع داخلية، ومنافذ تدخل أجنبي. التداول السلمي للسلطة من الثوابت القومية. 11ـ الشرعية الدستورية: الشرعية تقوم على أسس موضوعية هي الحكم الصالح، الحكم العادل، وجود أساس للحكم مقبول لدى الحاكم والمحكوم. وأساس ذاتي: وهو رضا المحكومين على الحكام إن يحكموا. لا يمكن تأسيس الشرعية في حكم البلاد على ولاء لأسرة ولا على ولاء لثورة، فالولاء للأسر مختلف عليه كذلك كل «ثورات» البلاد مختلف عليها. كل الثوابت المذكورة هنا ينبغي أن تصبح نصوص دستورية. ومع أن بنود الدستور قابلة للتعديل فإن الشرعية الدستورية من الثوابت. 12ـ التوازن البيئوي: البيئة الطبيعية هي ميراث الأجيال والمحافظة عليها لاستدامتها واجب إنساني، وديني، ووطني. 13ـ حسن الجوار: السودان يجاور عددا من البلدان يؤثر فيها ويتأثر بها، ولكن التعامل بينها جميعا ينبغي أن ينطلق من التعايش السلمي، والتعاون، وحسن الجوار. 14ـ المجتمع المدني: أحزاب السودان ونقاباته وصحفه وكافة منظمات المجتمع المدني تتاح لها الحريات المذكورة أعلاه، وتنضبط بمواثيق تنظم أعمالها وتمنعها عن الإخلال بالدولة الوطنية السودانية. 15ـ الشرعية الدولية: السودان جزء من الأسرة الدولية والشرعية الدولية، اليوم تقوم على مواثيق ومعاهدات الأمم المتحدة. النظام الدولي الحالي مثقل بعيوب مطلوب إصلاحها. ولكن الالتزام بالشرعية الدولية وإصلاحها وفق نظمها من الثوابت القومية. 16 ـ السياسة الدولية والعلاقات الخارجية: ينبغي أن تقوم علاقاتنا الدولية على الخصوصية بالنسبة لبعض الدول وعلى التوازن بالنسبة للأسرة الدولية. لأسباب ثقافية ، تنموية ، وأمنية ينبغي أن تكون لبلادنا علاقات ذات خصوصية معينة مع ست مجموعات من الدول هي : أ ـ دول الجوار المباشر. ب ـ دول حوض النيل. ج ـ دول القارة الأفريقية. د ـ الدول العربية. هـ ـ الدول الإسلامية. و ـ دولة الفاتيكان. هذه الخصوصيات من ثوابت العلاقات وإن اختلفت التفاصيل والأولويات العالم اليوم يشهد تكتلا جديدا أهم مراكزه سبعة : ـ الولايات المتحدة. ـ الاتحاد الأوربي. ـ روسيا. ـ الصين. ـ اليابان. ـ جنوب آسيا. ـ جنوب شرق آسيا. ـ أميركا اللاتينية. أهم موجهات لعلاقتنا مع هذه المراكز : ألا نتعامل معها كوحدة واحدة وأن نسعى لعقد علاقات ثنائية معها لتحقيق مصالح متبادلة. ليس في هذا خلاف ولكن للعلاقة مع الولايات المتحدة حساسية توجب السعي لإقامة علاقة تتجنب العداء وتتجنب التبعية. منذ الحرب الباردة اتجهت الولايات المتحدة نحو هيمنة دولية. لكنها هيمنة واجهت كثيرا من التحفظات. في تلك المرحلة اتجهت السياسة الأميركية لدعم بعض النظم في العالم كحلفاء لدعم مصالحها. ودعم بعض حركات المقاومة في البلدان المعادية لها لاستبدال نظمها. أحداث 11/9/2001 في أميركا عززت اتجاه الهيمنة وأطلقت اتجاها آخر أوسع هو أن تلتزم أميركا بتحركاتها ضمن تحالف واسع وأن تدرك أن الإرهاب لا يحارب بإجراءات أمنية فقط بل يجب العمل علي تجفيف مصادره، ومن مصادره : الفقر ، والقهر ، وبؤر النزاعات الملتهبة. هذا الاتجاه الأكثر واقعية عدل سياسات أميركية ماضية رأت أن التنمية يجب أن تترك لآلية السوق الحر في مرحلة العولمة. وسياسات كانت لا تهتم بالديمقراطية في «عالم الجنوب» بل ترى أن الحكام الاوتقراطيين يسهل التعامل معهم. وان الحكام المنتخبين يتجهون إلى مراجعة أساس علاقات بلدانهم مع أميركا لتكون أعدل. هنالك عوامل دفعت أميركا الآن أن تراجع سياساتها نحو السودان لتأييد الاتجاهات الآتية : وحدة السودان ـ التعجيل بالسلام ـ التحول الديمقراطي ـ التنمية هذه الاتجاهات تتفق مع المصالح الوطنية السودانية وطالما ظلت كذلك فإن المصلحة الوطنية توجب التجاوب معها. نعم السياسات الأميركية في الشرق الأوسط الآن غير متزنة وذلك بسبب آثار اللوبي الصهيوني. هذا يعني أن سياسة بلادنا نحو الولايات المتحدة يجب أن تكون مرنة بحيث تستوعب كافة العوامل. لكن الثابت هو تجنب العداء والتبعية.. هذه الثوابت الستة عشر مبادئها عامة ينبغي الحصول على تأييد عام لها تأييد اختياري لأن أية محاولة لفرضها أو فرض بدائل لها بالقوة سوف تأتي بنتائج عكسية. ومع ضرورة الاتفاق على هذه المبادئ العامة فإن مجال الاختلاف حول التفاصيل واسع ومقبول، ومتاح للتنافس بين الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية وحلقات الضغط. لا سبيل لبناء الوطن وتحقيق الاستقرار ما لم يتم الاتفاق على الثوابت القومية، ورفعها عن طريق ميثاق وطني ودستور فوق الاختلافات الحزبية. هذا لا يمكن أن يتم إلا عبر نظام ديمقراطي سليم. لقد مرت بلادنا بتجارب تأرجحت ما بين: * نظم ديمقراطية فتحت باب الاختلاف على كل شيء مما خلق خللا وتشتتا. * ونظم شمولية طابقت بين ثوابتها الحزبية والثوابت القومية فخلقت استقطابا حادا داخليا ومدخلا للنفوذ الأجنبي. ولأول مرة سنحت الفرصة بمناخ يسمح ببحث هذه القضايا بحرية بغية الوصول لفهم واضح والتزام اختياري بثوابت وطنية مستدامة. والواجب على جميع تيارات الفكر والتنظيمات السياسية والأفراد في السودان توظيف الهامش المتاح لمناقشة قضية الوحدة الوطنية بحرية تامة وموضوعية بغية الوصول لفهم واضح والتزام اختياري بثوابت وطنية تؤطر للنظام السياسي المطلوب للحكم الصالح. لقد ضاع من أهل السودان نتيجة لأحادية نظام الإنقاذ ونهجه الاستقطابي الاستئصالي ـ سيما في عقده الأول ـ وقت طويل غال كانت فيه القضية الوطنية أقل تعقيدا بالمقارنة مع الوضع الذي أوصلتنا الإنقاذ له. إذا استشعر أهل السودان الموقف بكل مخاطره وتحدياته ومآلاته ولم يتخذوا مثل هذه المنابر لمجرد التهوية والعلاقات العامة والترويج الإعلامي ـ بالنسبة للحكومة ـ فإن عبقرية الشعب السوداني التي تنهض ساعة المحن يمكنها أن تجمع الصف الوطني، وتثقب السور للخروج من النفق. وقبل الختام: هنالك قضية ينبغي إلقاء مزيد من الضوء عليها وهي قضية: الشرخ الشمالي/ الجنوبي: إن للشرخ الشمالي/ الجنوبي وجودا تاريخيا معلوما. الاستعمار زود هذا الشرخ بهوية جديدة هي الهوية المسيحية الأنجلوفونية. الوعي الوطني السوداني الذي تبلور في الشمال تصدى للهوية الجديدة واعتبر واجبه استئصالها. هذا التوجه بلغ أقصاه في عهد نظام «الإنقاذ». يواجه السودان اليوم استقطابا حادا حول هذا الأمر وهي مواجهة تزيد من حدتها عوامل: * دعم إسلامي عربي للموقف الشمالي. دعم مسيحي غربي أكبر للموقف الجنوبي. * تفاوت تنموي بين الشمال والجنوب، صنعه الاستعمار واستمر فيما بعد. * جفوة اجتماعية ترفدها عوامل كثيرة. * استعلاء ثقافي شمالي يواجهه الجنوبيون بشتى أنواع الاحتجاج. * مرارات كثيرة وتهم متبادلة وجراحات غائرة سببتها وزادت منها الحرب الأهلية. * إحساس جنوبي شائع بأن الوحدة فرضت عليهم دون أخذ رأيهم في تحديد شروطها وضماناتها. هذه المواقف بلغت حدها الأقصى الآن. وصار الجنوبيون يرون أن يملكوا حق القرار في مصيرهم. بعضهم يراه مصيرا انفصاليا، وبعضهم يرى مضار الانفصال، لذلك يريد وضع أسس جديدة للوحدة وضمانات لمصالح الجنوب في ظلها. هذه القضية متحركة يمكن للشمال ومن يقف وراءه أن يحرصوا على نجاح خيار الوحدة بمواقف وأعمال معينة يحققونها. ويمكن أن يعجزوا عن ذلك فيتركون للمخاوف الجنوبية بسند إقليمي ودولي التحرك في اتجاه انفصالي وعدائي. هنالك مناخ داخلي جديد في السودان، صحيح أن اعتدال النظام وتحسنه نظري أكثر منه عملي، والخطوات العملية مسنودة غالبا بضغوط داخلية وخارجية وربما تدرجت نحو سبيل يمس بالثوابت القومية المذكورة، وهامش الحريات الذي بلغ ذروته في نهاية القرن المنصرم وبدايات القرن الجديد بدأ ينحو للضيق في بعض الأوجه على رأسها الصحافة. وخطابنا في هذا الصدد هو: نحن ندرك أن من القوى المعارضة من يتخذ العنف أسلوبا فيبرر القهر من جانب آخر، ولكن لماذا يتم التضييق على الصحف السودانية التي تعمل بمنطق الفكر والدعوة بالتي هي أحسن؟ ولماذا لا تقبل الحكومة الاستجابة لمناشدات أهل السودان ومطالبهم بالتحول الديمقراطي الحقيقي الذي يحفظ البلاد ومصالحها ووحدتها الوطنية وثوابتها القومية؟. ولماذا لا تقبل القوى المعارضة أن تمارس نشاطها من داخل البلاد وبكافة الضغوط الشعبية والدبلوماسية والتعبوية نحو الحلول الوطنية السلمية؟. الديمقراطية آتية، فكما يوجد مناخ داخلي يمهد لها، يوجد مناخ إقليمي و دولي جديد لصالحها. أمام السودانيين ـ حكومة ومعارضة ـ فرصة ذهبية لمخاطبة المناخات الجديدة بموجباتها، أو التخلي عن ذلك ركونا لمصالح ذاتية وحزبية ضيقة، ففتح الباب واسعا أمام تمزق وطني وإتاحة حرماته لأقدام دخيلة. ختاما أعود لخاطر بدأت به هو كيف نفرح مع «الإنقاذيين» ونحن على رأس قائمة ضحاياهم؟. إن حزننا بقيام «الإنقاذ» يعادله سرورنا بأمل الواثق وعزمة الجريح وابتسامة الحزين، في فتح باب الاستعداد للسلام العادل وقبول أسسه والتحول الديمقراطي.. إننا بالسرور الواعد نريد أن نعمل على تجاوز أسباب الحزن في مشهد يذكرني بمقولة أبي دلامة ـ يصف جمعه بين الحبور والأسى ـ عندما مات الخليفة أبو جعفر المنصور محرما وبويع ولي عهده: عيناي واحدة ترى مسرورة بأميرها جذلى وأخرى تذرف فيسوؤها موت الخليفة محرما ويسرها أن قام هذا يخلف ما إن رأيت ولا أرى شعرا أسرحه وآخر أنتف