رغم أنها محدودة التأثير وانشطتها مجرد ردود أفعال تسعى في الأغلب لتحقيق مصالح شخصية أو تجميل صورة اسرائيل أمام العالم تتعرض حركات السلام في اسرائيل، بين الحين والآخر لهجمات شرسة من قطاعات عريضة داخل اسرائيل الأمر الذي يكشف جوانب كثيرة من الخلل في منظومتها وفي معسكر اليسار الاسرائيلي كله. من ابرز الحركات التي تدعو للسلام في الفترة الأخيرة منظمة بتسلم والتي أسست منذ ثلاث عشرة سنة وهي معنية بشكل أساسي برصد جرائم انتهاك حقوق الإنسان في الضفة وغزة، وفي تقرير مهم لجريدة «هآرتس» أكد أن قطاعات كبيرة من الاسرائيليين تتهم المنظمة اليسارية بخيانة اسرائيل ناهيك عن مضايقات وتحرش من جانب المتطرفين، بل وعناصر الجيش الاسرائيلي. تقرير الصحيفة الذي أفردت له مساحة كبيرة في العدد الأسبوعي روى أن عناصر الجيش الاسرائيلي يستقبلون مندوبي المنظمة باستهجان وسخرية رغم أنهم يضعون شارات واضحة على ملابسهم ويحملون بطاقات هوية تسمح لهم بالتنقل داخل مخيمات اللاجئين، جنود الاحتلال يقولون لهم في افضل الأحوال اجتازوا الحواجز من ممر بعيد بشرط ألا تخبروا أحدا اننا شاهدناكم. أما المنظمة نفسها فهي تستعين في الأغلب بفلسطينيين «كمحققين» ليجمعوا شهادات من تعرضوا لجرائم جيش الاحتلال مثل موسى أبو هشا الذي حضر في الأسبوع الماضي لمخيم لاجئين مزودا ببطاقة هوية فلسطينية معتمدا على قدرته على الاندماج مع السكان وعدم إثارة فضولهم أو شكوكهم حسب اعتراف منظمة بتسلم التي تطلق على عمليات قتل الأطفال «انتهاكات حقوق إنسان»!! موسى وصل لكي يحقق ويجمع شهادات حول قضية «انتهاك حقوق إنسان خطيرة» هي مقتل صبي فلسطيني واستخدام آخر كدرع بشرية الأول لم يكن يتجاوز الخامسة عشرة من عمره حين قتلته القوات الاسرائيلية منذ بضعة أسابيع حيث كان عائدا من مدرسته والثاني كان معه ويدعى محمد فتحي صبارنه وهنا أمره الجنود الاسرائيليون وهم يلوحون له برشاشاتهم بالسير مع فلسطينيين آخرين أمام الدبابات والمدرعات كدروع بشرية «وهي الجريمة التي اعترفت وشهدت بها أكثر من منظمة اسرائيلية خلال الفترة الأخيرة». وفي المقابل شدد التقرير الخاص بمنظمة «بتسلم» في خبث على أن الطفل حاد عن مساره الطبيعي من المدرسة للمنزل لكي يشاهد المدرعات الاسرائيلية التي اقتحمت القرية وواجهها الرجال بإلقاء الحجارة وخلال تبادل لإطلاق النار «حسب تعبير تقرير بتسلم» قُتل صبي فلسطيني وسادت الفوضى القرية فتمكن الدرع البشرية محمد فتحي صبارنه من الهرب ، تلاحقه شائعات بأن القوات الاسرائيلية ستقتله لو تحدث عن الواقعة لأي شخص «أما المحقق الفلسطيني فقد أكد أنه بالإضافة لهذا الصبي يوجد ثلاثة آخرين تم استخدامهم كدروع بشرية من قبل قوات الاحتلال وإنه واثق من شهادتهم وهو ما لم تبرزه «هآرتس» في تقريرها رغم أنه قد صدر في مايو الماضي من المحكمة العليا الاسرائيلية نفسها قرار بحظر استخدام المدنيين كدروع بشرية بل وفي المقابل يتعامل اغلب الاسرائيليين مع موسى ومنظمته على أنهم متعاونون وعملاء للعدو الفلسطيني وينتظرون أي ثغرة في تقارير منظمته لتقديمه هو نفسه للمحاكمة. ناهيك عن تصريحات المسئولين المحرضة ضدهم ومنها تصريح لجدعون مائير مسئول إدارة الإعلام في وزارة الخارجية الاسرائيلية الذي أعلن فيه أن من أكبر المشاكل التي يواجهها هو ووزارته أنشطة منظمة مثل بتسلم التي لا تضيع أية فرصة لكي تظهر على شاشات المحطات التلفزيونية الأجنبية لتشويه اسرائيل ومهاجمتها. سكرتير عام منظمة مستوطني الضفة وغزة عادي مينس صرح في وقاحة : منظمة بتسلم يسارية لأقصى درجة وهي تهاجم المستوطنين باستمرار رغم أنهم «حملان» يجب أن تقف المنظمة في صفهم تجاه «الذئاب» الفلسطينية «لكنهم بدلا من ذلك يدعمون الفلسطينيين ويطالبون الجميع بعدم إزعاج الذئب وهو يفترس الحمل، ونحن -والكلام المثير للسخرية لا يزال للمتطرف- لا نطلب من بتسلم أن يدافعوا عنا بل العدل والاتزان وأن يفهموا أن معاناة الفلسطينيين سببها الإرهاب ضد الشعب اليهودي في المستوطنات «هآرتس» أفردت للمتطرف مساحة أكبر حيث استرسل يقول ردا على سؤال للصحيفة : ما أتوقعه من هذه المنظمة أن يصبحوا أخوة حقيقيين لنا وأن يغيروا سياساتهم خاصة وأننا في حالة حرب وأن يتوقفوا عن بث تقاريرهم لخارج اسرائيل مترجمة للإنجليزية لأنها تصورنا على أننا ذئاب نفترس حملان. وعلى نفس المنوال انتقد المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي أنشطة المنظمة اليسارية خاصة تأكيدها على تعطيل عناصر الجيش لسيارات الإسعاف الفلسطينية زاعما أن هناك حالة حدثت فيها محاولة لتهريب أحد العناصر المطلوب القبض عليها من خلال سيارة إسعاف. في المقابل رد ناشط في بتسلم يدعى نمرود بتزلك بقوله : هذا كلام خطير وغير مسئول فلم يثبت أبدا من خلال ما نتابعه أن الفلسطينيين استخدموا سيارات الإسعاف في تهريب مطلوبين وحتى المرة التي زعم فيها الجيش الاسرائيلي حدوث ذلك لم يثبت ادعاءه فقد ذكر المتحدث باسم الجيش ان عبد الكريم علي حمد عبد الله وهو مطلوب القبض عليه تنكر في هيئة طبيب وحاول الهروب في سيارة إسعاف ألا أنه تم إلقاء القبض عليه. والحقيقة أنه بمتابعة الموضوع ثبت كذب المتحدث باسم الجيش واتضح أن عبد الكريم هذا هو طبيب بالفعل وانه لم يتم إلقاء القبض عليه بل وتمت محادثته هاتفيا ثم زيارته في منزله بعد ذلك فأضطر الجيش لإصدار بيان جديد اعترف فيه انه أخطأ وأن عبد الكريم طبيب بالفعل لكنه عاد وكرر أنه معتقل حاليا الغريب أن المسئول في المنظمة اليسارية أكد أنه لا يثق في بيانات المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي ولا في وكالة الأنباء الفلسطينية وقال ان منظمته تعتمد على أكثر من مصدر عند تناولها إحدى الحوادث لتحري الدقة وذكر من تلك المصادر منظمات لحقوق الإنسان وسائل الإعلام ومصادر طبية ومراقبين تابعين للمنظمة. لكنه أكد في المقابل أنه لا يتم جباية شهادات من جنود الجيش الاسرائيلي المتواجدين في أماكن المواجهات لأن في ذلك من وجهه نظر المنظمة إضاعة للوقت لأن الجيش لا يلزم جنوده بالإجابة على أسئلة مندوبي المنظمة واوضحوا أنه يتم الاستماع فقط للجنود الذين يحضرون للمنظمة ليبلغوا عن حالات انتهاك لحقوق الإنسان. من جانبه شن جدعون عزرا نائب وزير الأمن الداخلي هجوما شرسا على المنظمة وعناصرها زاعما أنها منظمة ذات ميول تجاه الفلسطينيين وأنها تروج لقصص غير حقيقية بعد تحريات غير متعمقة تشوه وجه اسرائيل وهي الاتهامات التي رد عليها المتحدث باسم منظمة «بتسلم» بقوله: هذا كذب رخيص وعزرا لا يعرف كيف نعمل ولم يزر مكاتبنا. أما عامي إيلون مدير الاستخبارات الداخلية فقد كان أقل حدة في هجومه على ««بستلم»» بل وبدأ كلامه بالاعتراف بأن الاستخبارات الداخلية تأكدت من صحة بلاغات المنظمة التي يجب أن نكن لها التقدير على مجهوداتها وإن كانت تقاريرها تأتي غير متوازنة في بعض الأحيان لأنهم يحصلون على شهادات لأطراف ذات مصلحة مباشرة وهذا ما أوضحته للمسئولين في الصليب الأحمر الدولي الذي تقوم المنظمة اليسارية برفع نسخة من تقاريرها إليه. وردا على سؤال مباشر لماذا تبقى اسرائيل على هذه المنظمة وتسمح لها بممارسة أنشطة قال مدير الاستخبارات الاسرائيلية : نسمح لهذه المنظمة بالتواجد، كما أنها تقدم الصورة من زاوية جديدة نحتاج إليها ، ولا يمكننا إنكار أن بتسلم منظمة مؤثرة. يذكر أن بتسلم أسست عام 1989 «في ذروة الانتفاضة الأولى» برئاسة ديدي سوقر عضو الكنيست عن حزب راتس «أتحد مع حزب آخر وأصبح حاليا ميرتس» حيث نجح في إقناع منظمة أميركية بتقديم دعم مالي «25 الف دولار» لتأسيس منظمة لحقوق الإنسان فبعد سنوات ظل فيها سوقر يصدر نشرة تحمل اسم «حتى لا تقول لم أعرف» يطبع منها مئات النسخ ويوزعها على الصحفيين والمثقفين سافر في نهاية عام 88 إلى الولايات المتحدة والتقى بمايك بوزنر رئيس منظمة Human Rights Watch الذي سهل له الحصول على تبرعات من أميركا. وأصبح «سوقر» رئيسا للمنظمة التي ساهم في إنشائها بشكل رئيسي يوسي ساريد زعيم المعارضة حاليا وزهافا جلاؤون اليسارية النشطة التي تولت في البداية منصب المدير التنفيذي للمنظمة.