في أحدث اطروحة سياسية أثارت كثيراً من الجدل شكلاً ومحتوى لم يكتف الصادق المهدي الزعيم السوداني المعارض، رئيس الوزراء السابق باضافة رصيد جديد إلى سجله ، في التفرد بنحت تعبيرات نادرة في أدبيات السياسة السودانية، بل تجاوز ذلك إلى حفر مسارات عميقة في الرؤى السياسية التي يقترحها مخرجاً من أزمة بلاده السياسية. كان ذلك الثلاثاء الماضي عندما فضل الضغط على كل جراحه ليشارك في الاحتفال بالذكرى الـ 13 لقيام نظام الانقاذ الذي قام على اطلال حكمة بانقلاب قاده الرئيس الحالي «العميد آنذاك»، الفريق الركن عمر البشير في 30 يونيو عام 1987. ورغم ان المشاركة في الاحتفال كانت رمزية، عبر المساهمة في ندوة «حكومية» عن الثوابت الوطنية، الا ان ذلك لم يمنع اندلاع جدل حول الخطوة كاد يطمس معالم اطروحاته النيرة التي وردت في ورقته. وهذا، فيما يبدو، ما دفعه إلى التركيز على ايضاح التنازع الذي حاصره في هذا الصدد، عند مدخل ورقته وختامه. وقدم المهدي في ورقته سياحة عميقة في اتون التاريخ السوداني الحديث في ايجاز شكل مدخلاً جيداً للحديث عن الحكومات الوطنية التي مرت على سدة الحكم. وبعد استعراض للمآخذ والايجابيات التي تتعلق بنظام عبود ثم مرحلة أكتوبر ثم عهد نميري ومرحلة الديمقراطية الثالثة دلف المهدي إلى الحديث باسهاب عن النظام الحالي راصداً سلبياته وايجابياته. ومما قاله في هذا الصدد، تصريحاً وتلميحاً ان الانقاذ «طعنت الوحدة الوطنية بتأجيج الفتنة الدينية والحرب الجهادية وسياسة التمكين»، لكنه اعترف ان للانقاذ «انجازان يشوههما افتقار الشفافية هما التحول لاقتصاد السوق واستخراج النفط». وهاجم اجراءات الخصخصة التي «استفاد منها أهل الولاء للسلطة دون غيرهم»، مشيراً أيضاً إلى ان احداث دارفور جزء من عثرات التطبيق الخاطيء للفيدرالية. وقال أيضاً ان «القهر يمكن ان يحقق طاعة مؤقتة ولكن الثمن كراهية بالغة». وأكد المهدي ان «اعتدال النظام وتحسبه نظرياً أكثر من عملياً». وتساءل في هذا الصدد: لماذا يتم التضييق على الصحافة التي تعمل بمنطق الفكر والدعوة بالحسنى؟! وفي سياق اطروحته بدا المهدي قانعاً بوضع حزبه الذي يقبع في منطقة وسطى ما بين النزوع إلى المشاركة في الحكم والاحتفاظ بموقعه في المعارضة. وفي سبيل ذلك ـ ربما ـ لم ينس ان يغمز من قناة المعارضة المسلحة وليبحث عن تبرير لسياسة النظام العنيفة، فيقول «من القوى المعارضة من يتخذ العنف اسلوباً فيبرر القهر من جانب السلطة»! وحفلت اطروحته باعترافات نادرة على أكثر من صعيد. فمن جهة قال ان هنالك «استعلاء ثقافياً شمالياً يواجهه الجنوبيون بشتى أنواع الاحتجاج». وقال ان «خلو حركة الخريجين من التمثيل الجنوبي واغفالها موضوع الرق شكل مطعناً في قوميتها». ومن جهة أخرى اعترف، ربما لأول مرة، ان «انقلاب عبود كان تعبيراً عن أزمة داخل الأحزاب السودانية لاسيما حزب الأمة». ومن ضمن ما اعترف به ان «الاستعمار رغم سلبياته اورث السودان مؤسسات الدولة من خدمة مدنية وقوات نظامية واقتصاد حديث. وقال ضمن ما قال ان «النظم الديمقراطية في السودان فتحت باب الاختلاف على كل شيء مما خلق خللا وتشتتاً». لكنه اكد أيضاً «ان النظم الشمولية خلقت استقطاباً حاداً داخلياً ومدخلاً للنفوذ الأجنبي». ومما جاء في اطروحة المهدي ان «ربط التطبيق الاسلامي ببرنامج حزبي يطبق قهراً يأتي بنتائج عكسية للمشروع الإسلامي». وقال أيضاً ان «اعلان الجهاد في الجنوب زود قرنق بعطف أفريقي أميركي أوروبي تحول إلى دعم لا حدود له» وأكد ان «أي محاولة للاندفاع في برنامج دون مراعاة لردود الافعال الاقليمية والدولية غفلة سياسة باهظة التكاليف» وبعد ان يسهب في الحديث عن محاور العلاقات الخارجية، معتبراً انه ينبغي السعي لاقامة علاقة مع أميركا تتجنب العداء والتبعية في آن، يمضي المهدي إلى أمد بعيد في التفاؤل فيقول ان «عبقرية الشعب السوداني التي تنهض ساعة المحن يمكنها ان تجمع الصف الوطني وتثقب السور للخروج من النفق». كما يؤكد ان «الديمقراطية آتية بمناخ داخلي عهد لها ومناخ دولي واقليمي جديد لصالحها». فيما يلي تنشر «البيان» نص ورقة المهدي: لقد وجهت لي الدعوة للمشاركة في هذه الندوة التي تأتي ضمن احتفالات «الإنقاذ» بعيدها الثالث عشر. ونحن كفصيل وجهت له الإنقاذ أسهمها بأشد صورة منذ توليها السلطة، ووجهت قبل ذلك أسهما قوضت التجربة الديمقراطية التي نذود عنها، فإن بعض الناس يتعجب من مشاركتنا في منبر كهذا، ويرى في ذلك تناقضا مع موقفنا العام أو تغييرا له. إن الديمقراطية هي دعوتنا الحثيثة لتحقيق الحكم الصالح بالبلاد، بل هي وصية آبائنا، كما ورد في وصية والدي ـ الإمام الصديق ـ لي وهو على فراش موته والأطباء من حوله يمنعونه الحديث، لكنه غالب مرضه ونادى بي لأكتب عنه: «إننا لا نكن عداء خاصا لأحد، وليس لنا مطلب خاص، وإن مطلبنا هو مطلب البلاد قاطبة في أن تحكم بالشورى والديمقراطية، وأن يعطى الناس الحريات الأساسية، فاحرصوا على تحقيق هذه المطالب مهما كلفكم الحرص». ولأنه ليس لنا مطلب خاص، فإننا لن نترك بابا إلا ندقه، ولا منبرا إلا نعتليه مبشرين ـ بخير الديمقراطية ـ ومنذرين ـ بويلات الديكتاتورية ـ ولأجل العام يصغر الخاص بل يتلاشى. وأعلن أمامكم هنا بوضوح لا تشوبه شائبة أنني منذ أن دخلت العمل العام التزمت بالديمقراطية والمحافظة عليها وكرهت أية ولاية غير منتخبة. ومع أنني أحب العسكرية والبنية الرياضية واعتبرهما أساسين هامين للتربية فإنني أبغض العنف بغضا وجدانيا لا أتجه نحوه إلا مضطرا اضطرارا شديدا أروح وأغدو كارها له كمن يأكل لحم النطيحة أو لحم الخنزير. وحيثما لاحت بارقة زوال الظروف الاضطرارية بقدر من احترام الرأي الآخر وهامش من الحرية أسارع بالعزوف عنه فرارك من الأجرب. وعلى كثرة العروض المتاحة فإنني عزفت عن كافة خطط إقامة سلطة، أو المشاركة في السلطة خارج نطاق الالتزام الديمقراطي. وأعتبر الديمقراطية أكثر النظم ملاءمة لكرامة الإنسان وأكثرها تطابقا مع فرائض الإسلام السياسية. وأعترف بالصعوبات التي تواجه الديمقراطية. ولكنها مهما تعثرت فإنها أفضل بما لا يقاس من كافة البدائل المتاحة لها. ومقولة استحالتها في ظروف التنوع الشديد والتخلف الاقتصادي والثقافي مقولة مغرضة هزمتها بالفعل لا بالتنظير التجارب في شبه القارة الهندية، وفي جنوب شرق آسيا في ماليزيا وغيرهما. هذا الالتزام نهج أرجو أن القى الله عليه. أقدمت متحمسا على مخاطبة هذه الندوة برأي موضوعي صريح مدركا أنني إذا تحريت الحق فقوة الحق من نفس الرحمن. ولنور الحق برهان عظيم تضئ به القلوب المطمئنة، فمن أصابه فتح بابا واسعا للتلاقي الوطني المطلوب أمام المخاطر والأعاصير المحدقة بالبلاد، فلا يبقى ذو كبد رطب بالوطنية ، إلا يسارع إليه مهرولا ملبيا نداء الوطن. في هذه الورقة أحاول تغطية مسألة «الوحدة الوطنية والثوابت القومية» مع ضبط للمصطلحات. وذلك عبر التعرض لمفهوم الدولة الوطنية المعاصر ـ والذي نشأ في الغرب ـ ومدى إمكانية استصحابه بالنسبة لبقية المجتمعات، بالتركيز على الحالة السودانية. بعد ذلك أدلف لمفهوم الوحدة الوطنية السودانية، وأجري مسحا على التاريخ الوطني الموحد من منظور الوحدة الوطنية. ثم أتطرق أخيرا لمسألة الثوابت القومية السودانية أيضا بمقياس وحدوي. هذه الورقة تحتوي بالتالي على المحاور الآتية: أولا: مفهوم الدولة الوطنية. ثانيا: الوحدة الوطنية في السودان: مسح تاريخي. ثالثا: الثوابت القومية. أولا: مفهوم الدولة الوطنية وطنية اشتقاق من وطن وتعني الإخلاص له ولشعبه والدفاع عن مصالحه. الوطنية رابطة تقوم على أساس ثقافة معينة مشتركة، وتاريخ مشترك، لشعب مرتبط بإقليم معين. قومية تعني تجاوز الروابط الضيقة القبلية، والطائفية، والجهوية. والانتماء لمصلحة وطنية عليا. (وقد تعني قومية انتماء لقومية معينة كالعربية للعرب، الطورانية للأتراك وهلم جرا). نشير هنا للمعنى الأول للقومية. لقد عرفت البشرية رابطة الأسرة، والقبيلة، والجهة، والملة، والمذهب الفكري. وعرفت الخضوع لنظام إمبراطوري جامع. ولكن رابطة الدولة الوطنية ظاهرة جديدة على البشرية ظهرت في أوروبا في عام 1648م بعد عقد صلح وستفاليا. هذه الدولة الوطنية صارت وحدة الانتماء السياسي في أوروبا ثم صارت أساس العلاقات الدولية منذ قيام عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) ثم الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945م). الدولة الوطنية نظام فعال في تنظيم مصالح المواطنين المعنوية والمادية، وفي كفالة أمنهم الداخلي. ونظام الأمم المتحدة يقيم نظاما دوليا على أساس المواثيق والمعاهدات على نحو ما هو مفصل في وثائق الأمم المتحدة. هذا النظام غير المسبوق في تاريخ الإنسانية ، نجد له مقدمة مشابهة في النظام الذي أقامه النبي (بموجب صحيفة المدينة ، فنظام الصحيفة يشبه رابطة الدولة الوطنية في أنه جمع مجموعات دينية مختلفة وأوجب بينها التناصر لحماية إقليم المدينة، فأقام ولاء مشتركا لأهل المدينة على اختلاف عقائدهم الدينية. ونظام الأمم المتحدة نفسه له سابقة من النظم التي أقامها المسلمون مع دول أخرى على أساس المعاهدة، كما في اتفاقية البقط التي عقدت مع مملكة النوبة (مملكة المقرة). لكن الدولة الوطنية كما نشهدها اليوم ظاهرة غربية المنشأ. الرابطة الوطنية في عالم اليوم أساس تناصر أمني، دفاعي بين المواطنين. وهي رابطة ترفدها عوامل ثقافية، وتاريخية، وتحقق تعاونا بين أفرادها في تنظيم وسائل المعيشة والتنمية المطلوبة لتطويرها، ومشاركة في كيان سياسي ـ دولة ـ تقوم على شرعية معينة. هذا الفهم للدولة الوطنية، وللنظام العالمي الذي تقوم عليه العلاقات الدولية المعاصرة ظاهرة جديدة في تاريخ البشرية. وشكله القانوني والدستوري المعاصر مستمد من التجارب الغربية. لقد فرضت الدول الغربية على دول عالم الجنوب نظمها عبر الاستعمار، وفاجأتها بالحداثة بمختلف ضروبها دون أن تنشأ في أرضها أو تمتد من جذورها. وحينما نالت الشعوب حرياتها عقب الحرب الكونية الثانية، فإن مفهوم الدولة الوطنية واجه تحديات جمة. بعضها أتى من تصورات دينية مخالفة أو موازية ـ كما في الدين الإسلامي وتصوره لدولة الخلافة أو الإمامة ـ وبعضها أتى من واقع قبلي لا يفهم إلا رابطة الإثنية ـ كما في بعض المجتمعات الإفريقية. نعم واجه مفهوم الدولة الوطنية مشاكل جمة في بلداننا. ولكنني هنا، وفيما يتعلق بالتجربة السودانية، أركز على التحدي الذي لاقاه المفهوم من الخطاب الإسلامي التقليدي، ليس تقليلا من شأن الجماعات غير الإسلامية في البلاد، ولكن لأن التصورات المتحدية للمفهوم والتي وجدت في التجربة المسيحية ـ من تحكم الكنيسة في الدولة وتعريفها بها ـ هزمت عبر التجربة الغربية ووصلت لمعادلة اطمأنت فيها الدولة الوطنية للمقولات الدينية والعكس أيضا صحيح. أما بالنسبة لبقية الأديان المحلية، والتصورات القبلية، فهذه هزمتها الحداثة على مستوى النخب ـ على الأقل نظريا ـ وصار وجودها في الواقع بحكم قوة التقليد لا قوة الحجة ـ وإن كانت دعوى القبلية قد صارت مرفوعة لدى بعض الكتاب العرب في الفترة الأخيرة، كما أن النظام اليوغندي الحديث والنظام الأثيوبي الحديث اعترفا بالتعددية الثقافية والقبلية وقنناها. أما التحدي الإسلامي التقليدي لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة فهو موجود بقوة، ترفده عوامل الاستلاب والغزو الثقافي بردة الفعل، كما ترفده عوامل أصيلة في الحفاظ على الهوية الحضارية، وهي عوامل دفعها تشوقها للتأصيل وجزعها من الاستلاب العقدي والفكري والثقافي إلى مرحلة الغلو في الاحتجاج وإثبات الذات الطالبانية واللادنية هما وجه من وجوه هذا الاحتجاج. ولكن هذا النهج الانكفائي يمكن تجاوزه بالمنطق الإسلامي نفسه. الفكر الإسلامي واستعداده لاستيعاب المستجدات: أحكام الإسلام تؤسس على قطعيات الوحي والسنة. بالإضافة للنصوص فهنالك : أ ـ المقاصد: النصوص قابلة لتفسيرات مختلفة ولتخصيص زماني مكاني، ولكن مقاصد الشريعة واضحة. مثلا إذا كان سهم المؤلفة قلوبهم ضروريا في حالة ضعف المسلمين، وتجاوز المسلمون هذه الحالة، فتجاوزه ممكن. ب ـ المصلحة: إذا كانت مصلحة المسلمين توجب تجاوز المخامسة في توزيع الغنائم فتجاوزها ممكن كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض السواد. وقال الغزالي (الشافعي) والطوفي (الحنبلي): النص إذا عارضته مصلحة راجحة قدمت المصلحة على ظاهر النص. وهو رأي عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة. ج ـ الحكمة: وهي تعني حسن المراعاة والتعامل. (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا). أيضا: إذا كان انشغال التتار بشرب الخمر يشغلهم عن سفك الدماء فليتركوا وشأنهم كما قال ابن تيمية. د ـ الإلهام: وهو مدد روحي مفتوح للناس (يَاأَيهَا الذِينَ آمَنُوا اتقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). فالأذان مثلا صيغة وردت للصحابي عن طريق الإلهام. موقف الرأي المنكفي: هذه المفاهيم غير مقبولة لدى الاجتهاد الإسلامي المنكفئ الذي يرى: ـ أن العلم قائم على النصوص المقدسة وما استنبطه الأولون منها بموجب اجتهادهم. هؤلاء أورثونا هذا الجسم من النصوص واجتهاداتهم حولها وهذا الجسم هو العلم المطلوب اتباعه حتما. ـ التفكير والتفكير: تطابقت الحروف والمعاني. هذا مع أن الله أمر بالتكفير ومشتقاته في عشرين آية من آيات القرآن الكريم. ـ مدرسة الانكفاء تتعامل مع القرآن كأنه أنزل وقفا على فهم الصدر الأول فقط وليس للأمة كلها إلى قيام الساعة. الصحيح أن مفهوم الأمة شامل للصدر الأول وما بعده وأن القرآن جاء هدى للناس كلهم. الظروف المعاصرة بأفكارها ومؤسساتها وعلاقاتها لا تشبه ظروف الماضي ولذلك واجب علينا أن نجتهد لاستنباط أحكام لها. وربما وجدت معارف في النص القرآني لا نفهمها إلا مع تقدم المعرفة. مثلا: القرآن يقول: (خَلَقَ الزوْجَيْنِ الذكَرَ وَالْأُنْثَى . مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى). المفسرون كانوا يقولون إن الذكورة والأنوثة متوقفة على علو ماء الرجل فيكون ذكرا أو ماء الأنثى فتكون أنثى. الآية واضحة في أن الذكورة والأنوثة من ماء الرجل، وهذا ما أيده العلم الحديث. الرأي المستلب: هذا الفهم المنكفئ من جانب، والإعجاب بحضارة الغرب من جانب آخر، هما سبب الاستلاب الذي يرى: ـ أن علينا أن نقبل الغرب بكل ما فيه خيرا أو شرا لأنه المستقبل (طه حسين). ـ أنا مؤمن بالغرب، كافر بالشرق ( سلامة موسى). وقديما تناول الإمام ابن القيم في كتاب «الطرق الحكمية في السياسية الشرعية» هذه المسائل وقال: «إن الفقهاء خلطوا بين فرع العقائد والعبادات الذي يعتمد على النصوص المنقولة وفرع المعاملات الذي يفتح مجال المصالح المرسلة، واستصحاب النافع، والاستحسان وغيرها». هذا الخلط جعلهم يضيقون مجالات الفتوى والقضاء. قال ابن القيم: « قال الشافعي لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد. وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي فإن أردت بقولك (إلا ما وافق الشرع) أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح. وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط. وتغليط للصحابة، فقد أحرق عثمان المصاحف وكان رأيا اعتمد فيه على مصلحة الأمة». ومضى ابن القيم يشجب هذا التضييق ويرمي أصحابه بأنهم «جعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها. وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له». أقول: الفكر المنكفئ لا يسمح بأية قيمة للوطنية ولا بأية قيمة ولا إلزام للنظام الدولي العصري. أصحاب الاجتهاد المنكفئ هم موضوعيا حلفاء لاجتهاد الاستلاب، لأنهم إذ يسدون أبواب الاجتهاد في الإسلام يضطرون الواقع الجديد أن يجد لنفسه تعبيرا خارج ديباجة الإسلام على نحو ما قال ابن قيم الجوزية. قفل باب الاجتهاد لا ولم يحدث نتيجة قرار من مؤسسة، ولكن سلطان الرأي العام وأقلام كتابه هو الذي يخلق إرعابا فكريا يمنع الاجتهاد. ففي يومنا هذا يجد كثير من الفقهاء والمفكرين أنفسهم محاصرين عمليا وغير قادرين على التفكير والاجتهاد بحرية يحاصرهم الحكام وأجهزة أمنهم وبطشهم من ناحية وتحاصرهم الجماعات المتشددة التي فرضت وصاية تعسفية على الإسلام وأشرعت رماحها ونيرانها ضد المخالفين. حرية الاجتهاد والتفكير في كثير من البلدان عمليا مفقودة، وباب الاجتهاد الفكري والثقافي والديني عمليا مقفول!! تحدي النهج الإسلامي التقليدي للدولة الوطنية ليس في النهج الإسلامي التقليدي مكان للدولة الوطنية، ولا للنظام الدولي المعاصر. فالنهج الإسلامي التقليدي يتطلع لكيان سياسي واحد للأمة الإسلامية ويرتب العلاقات الدولية على أساس دار السلام وهي ديار المسلمين ودار الحرب وهي ديار الآخرين. ومع أن الكيان السياسي الإسلامي على عهد النبي والخلفاء الراشدين اتسم بطابع خالفه ما اتسم به عهد بني أمية. كما أن وحدة الخلافة انتهت بعد نهاية الدولة الأموية، فإن الأشواق التقليدية ما زالت مشدودة لإعادة الخلافة كما في عهدها الأول. إن منصب الخلافة بالصورة التي عرفها الماوردي(364 ـ 450 ه) فقيه أهل السنة ، في الأحكام السلطانية، ومنصب الإمامة بالصورة التي عرفها المجلسى (1037 ـ 1110 ه) الفقيه الشيعي في « بحار الأنوار» لم تعد قابلة للتطبيق وهما وصفان مثاليان لم يطبقا أصلا في الواقع. هنالك صعوبات أمام توحيد المسلمين في دولة واحدة في عالم اليوم وإن أمكن إيجاد أسس دون ذلك للانتماء الإسلامي المشترك. وكذلك توجد صعوبات أمام إقامة منصب خلافة أو إمامة بالصورة الجامعة المفصلة في المراجع المذكورة فالعدالة تقتضي فصل السلطات، وتقتضي تحديد فترة صاحب الولاية التنفيذية. ليس في النهج الإسلامي نظام سياسي معين توجب العقيدة إقامته. لقد أوضحت في كتابي «مفهوم الدولة في الإسلام» أنه لا توجد دولة معينة في الإسلام ولكن توجد مبادئ سياسية وأحكام معينة يوجبها الإسلام. الدولة الوطنية، كوحدة للتناصر والأمن والخدمات وممارسة الشراكة في العمل السياسي، وكوحدة للتعاهد في النظام الدولي، يمكن أن تجد قبولا اجتهاديا مطلوبا. إذا لم يوجد هذا الاجتهاد، ويجد قبولا واسعا فإن الرابطة الوطنية والمعاهدات الدولية المترتبة عليها سوف تكون ذات وجود سطحي ضعيف. هذا بالنسبة للدول ذات الوجود الإسلامي المؤثر، ولكن حتى بالنسبة للدول الأخرى في عالم الجنوب، فيجب أن يتم تقبل الدولة الوطنية في النسيج الاجتماعي والثقافي الموجود، وإلا عصفت بها التصورات القبلية (كما حدث في الحرب القبلية بين الهوتو والتوتسي في رواندا)، أو الدينية المختلفة، كما يحدث من مواجهات دينية تكاد تعصف بالرابطة الوطنية بين الهندوس وغيرهم من الملل في الهند. الدولة الوطنية في عالم اليوم ضرورة أمنية، ودفاعية، وتنموية، وسياسية، ودولية. إنها كيان ينظمه دستور يشارك في وضعه ويناصره كافة المواطنين، وهو يسمح بإقامة علاقات إقليمية، وأممية، مع كيانات ودول أخرى بصورة تحقق أهدافا ومصالح مشتركة تتكامل ولا تتناقض مع رابطة المواطنة. الرابطة الوطنية في الغرب نشأت في مرحلة انحسار سلطان الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وتمدد الفكر العلماني، لذلك ظهر الولاء الوطني في ثوب علماني في التجربة الغربية. ولكن واقع الحال في التجربة الغربية جعل الدولة الوطنية في الغرب تتأقلم مع المسيحية في صورة جعلت كثيرا من أعلام الدول الغربية ترسم الصليب، وجعلت بين الدين والسياسة، والدين والدولة في الدول الغربية علاقات توفيقية. صحيح أن غلو الفكر العلماني في الغرب حاول أن يطرد الدين من السياسة وأن يطرد الدين من الدولة، ولكن واقع الحال الآن هو أن الدول الغربية وصلت لمعادلات بين الدين والدولة والدين والسياسة ضبطت الأمور. كثير من المسلمين اليوم يتعاملون مع الدولة الوطنية والنظام الدولي القائم عليها كواقع يتعاملون معه خارج نطاق الفكر والوجدان الإسلامي. هذه ثغرة ينبغي سدها وإلا اعتبر كثير من المسلمين الرابطة الوطنية متناقضة مع الالتزام الإسلامي. الفكر الإسلامي يعرف رابطة الأسرة، والقبيلة، والجهة، وهي روابط اجتماعية صغيرة. كما يعرف رابطة الأمة ولكن الرابطة الوطنية ـ هي رابطة وسطى ـ مسكوت عنها أو غير معترف بها. لقد تناولت هذا الموضوع في كثير من كتبي ومحاضراتي محتجا بأن الرابطة الوطنية إذا خلت من العصبية وأفسحت المجال للحرية الدينية، ولروابط أوسع فإنها تصلح أكثر من الروابط الصغرى ـ كالأسرة، القبيلة، والجهة ـ ومن الرابطة الأوسع ـ الأمة ـ كأساس لتنظيم الحياة السياسية وكفالة الأمن والقوت في الوقت الحاضر. بموجب هذا الفهم المعتدل للدولة الوطنية فإنني افترض مشروعيتها وصلاحيتها لإدارة شئون الحياة السياسية والاقتصادية والخدمية، والأمنية، والدفاعية داخليا. وكوحدة مواثيق ومعاهدات لتنظيم العلاقات دوليا. أحكام الإسلام ثابتة ومتحركة. الثابتة تتعلق بالعقائد والعبادات وأسس الأخلاق. والمتحركة تتعلق بالمعاملات ويدخل فيها المسائل السياسية والاقتصادية والعلاقات الدولية. في هذا الصدد روى ابن القيم أن ابن عقيل علق علي مقولة: «لا سياسة إلا ما وافق الشرع». فقال: «السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يشرعه الرسول ولا نزل به وحي». وفي نهاية هذه الفقرة، فإن السؤال الهام هو: هل تقبل للدولة الوطنية مشروعية في الإسلام؟ جوابي نعم وقد أسهبت في الاستدلال على ذلك في كتابي «مفهوم الدولة في الإسلام». وفي «نداء المهتدين». الرابطة الوطنية والمفاهيم الأحادية: التناول الأحادي لهذه القضايا هو مكمن الخطر. إن وجود روابط للأسرة، وللقبيلة، وللطائفة، وللمذهب، وللحزب، وللوطن، وللملة حقائق تتكامل مع بعضها بعضا إلا إذا استبد اعتقاد أحادى يقيم عصبية لواحدة من تلك الانتماءات ويقرر أنها الرابطة الوحيدة الصحيحة وما عداها روابط باطلة. الرابطة الوطنية تقيم ولاء وسيطا بين الرابطة الأسرية، والقبلية، والمذهبية، والحزبية كروابط صغرى، والرابطة القومية، والملية كروابط كبرى. وتؤسس حقوقا وواجبات يحكمها دستور، وهي بهذا المفهوم ممكنة ومشروعة. ولكن محاولة الفهم الأحادي للرابطة الملية (كما في بعض أطروحات الإسلاميين) أو الرابطة القومية (كما في بعض أطروحات القوميين العرب) يتناقض مع الوحدة الوطنية ويبطل أية قيمة رابطية لها. بل يخلق ردة فعل في الاتجاه المضاد ويخلق استقطابا حادا بين الفهم الملي (أو القومي) والوطني. كان د. فرانسيس دينق يتناول في مؤلفاته العلاقة بين المسلمين وغيرهم، والعرب والدينكا، كما في تجربة أبيي بإيجابية. ولكنه ونتيجة للطرح الأحادي الذي اتسم به النظام الحالي في مراحله الماضية غير موقفه. وقال في كتابه حرب الرؤى: «لا يمكن أن تكون هناك وحدة واستقرار وسلام (في السودان) إلا إذا تخلى من يعتقدون أنهم عرب عن هذا الانتماء»، هذا هو الغلو المضاد. الطرح الأحادي المشار إليه حرك جبهة واسعة خارجية مكونة من منظمات كنسية وجماعات حقوق إنسان ودول لترعى وتدعم ضحاياه. المفاهيم الأحادية تخلق معادلات صفرية. كل شيء في الوجود الطبيعي أو الإنساني يقوم على التعددية. الوحدانية في الكون لله وحده. بهذا الفهم ومن هذا المنطلق تقوم الرابطة الوطنية في مجالها المحكوم بالدستور وهذا لا يتعارض مع وجود انتماءات صغرى للأسرة، والقبيلة، والطائفة، والمذهب، والحزب. ولا مع وجود انتماءات كبرى للثقافة (المتعدية للقطر) ولا للملة (المتعدية للوطن). الوحدة الوطنية لا توجد في المجتمع بشكل طبيعي كرابطة الأسرة، ولكنها تتطلب وعيا بمقتضياتها وغرسا لمفاهيمها عبر رموز معينة، وآليات معينة، وتربية، وإعلام وهي عوامل ينبغي تحديدها وتطبيقها. لقد كانت هذه الإجراءات في الماضي تتم بصورة قهرية يفرض فيها أصحاب الثقافة المركزية تصورهم الذي يهيمن مع الزمن، أو يتمرد عليه الآخرون. أما في عالم اليوم فإن الأمر ينبغي أن يتم على أساس من الحوار والاتفاق لا سيما في حالة وجود انشطار بين المجموعات الوطنية. إن وعي المجموعات الوطنية، ومواقف الوضع الدولي الراهن جعل إقدام أية دولة ذات ثقافة مركزية معينة على فرضها على مواطنيها بالقوة محاولة مستحيلة. ثانيا: الوحدة الوطنية في السودان: مسح تاريخي. لقد تحدثنا أعلاه عن الدولة الوطنية والرابطة الوطنية وإمكانية تأصيلها في عالم الجنوب بالتركيز على التأصيل الإسلامي ـ باعتبار أن الخطاب الإسلامي التقليدي المتحدي الأكبر لهذه العملية. ولكن لا محيص من الحديث عن الوحدة السودانية بمنظار يكشف مسيرتها ليبين أسس التقدم، ومكامن العثرات. لقد ذاع مؤخرا الحديث عن السودان كبلد تم تكوينه بصورة اعتباطية كأن لا مبرر تاريخي أو جغرافي أو ثقافي لوجوده بحدوده الحالية، فهي نزوة عرضت للحكام الأتراك وخلفت هذه الحدود، لا أكثر ولا أقل. هذه الأفكار يبررها أن قراءة تاريخ السودان المتأخر لم تتم بالصورة المطلوبة بعد، وأن الحديث عن الوحدة الوطنية عصف به الخطاب العاطفي فأبعده عن الإبانة. نتلمس في هذا المحور مسألة الوحدة السودانية منذ نشأتها وحتى اليوم، علنا بذلك نصل لحديث موضوعي يبين مبررات الوحدة الحالية ومبررات الهجوم عليها. لم يولد التماسك القومي في أية بلدة كاملا من يومه الأول. إنها عملية تاريخية عبر مراحل محددة. هكذا ينبغي أن ننظر لمولد وتطور الشعور الوطني السوداني. إذا أمعنا النظر في مسيرة هذا الشعور لوجدناها غير مكتملة ولأدركنا أن التكوين القومي السوداني محتاج لبلورة وتشكل على أسس سوية ترضي الجميع وتتجاوز زلات الماضي. ولكن، وقبل أن أتلمس مسيرة تكونه في الماضي فإني ألقي الضوء على بعض الملاحظات الأولية التي أراها أرضية صالحة للبناء عليها، ومجيبة على تساؤلات: لماذا الوحدة؟. غداً نواصل ملاحظتي أن السودانيين ـ بمختلف جهاتهم وقبائلهم ـ يتصفون بصفات عديدة يلاحظها الأجانب ويكثرون حديثهم عنها، بل لقد سماها لي من قبل الأمير الحسن بن طلال «الإنسانيات السودانية». وهناك كتاب سماه مؤلفه «الأخلاق السودانية» ألفه توري نوردنستام وترجمه د. أحمد علي محمد المهدي في عام 1996م قدم فيه المؤلف تصورا جامعا ومميزا للأخلاق السودانية. ومع أن القبائل الحدودية في السودان مشتركة بينه وبين دول جوار أخرى (سواء أكان ذلك شمالا أم شرقا أم غربا أم جنوبا: مثلا: النوبة في الشمال مع مصر ـ البني عامر في الشرق مع إريتريا ـ الأشولي بين السودان ويوغندا ـ والتبوسا بين السودان وكينيا ـ والمساليت والزغاوة في الغرب مع تشاد).. الملاحظة أن هذه المجموعات المختلفة، إذا ما قورنت برصيفاتها في الدول المجاورة، لوجدت بينها درجة أكبر من التسامح والتعايش مع الآخرين ودرجة أعلى من المثالية. ولكن أكثر الصفات قوة وظهورا بين الجماعات السودانية المختلفة على الصعيد الثقافي والاجتماعي هو الدرجة العالية من الترابط. فالسودانيون في بلاد المهجر ينقلون سودانات مصغرة ويحرصون أشد الحرص على التماسك فيما بينهم، هذه الخاصية التفت لها مؤلف مصري مجهول، ومع وجود شرخ شمالي ـ جنوبي ـ سأتحدث عنه لاحقا ـ فإن المجموعات الشمالية والجنوبية تمارس ذلك الترابط في دوائر متباعدة. هذه الصفة لها أثمان غالية مجتمعيا في اقتصاديات الزمن والمال، ولكنها من ناحية أخرى أدت إلى حفظ المجتمع السوداني في ظروف الحرب القاسية، والمجاعات، والأزمات الاقتصادية المستفحلة بصورة لا أظنها معهودة لدى الكثير من الشعوب. وصارت محل تندر (جمعية الله كريم التي تجسر الهوة بين النفقات والدخول!)، وجعلت المغتربين السودانيين بالخارج سندا اقتصاديا أساسيا لأهاليهم بالداخل. المجتمع السوداني مجتمع رعاية اجتماعية من الطراز الأول وهي خاصية تعم الشماليين والجنوبيين. ولو عملت دراسات ميدانية شملت جميع بقاع السودان لاتضح أن التنوع الظاهر والتعدد الذي لا تخطئه عين، يخفي خيطا رابطا بين تلك الثقافات المختلفة. الحقل مازال بكرا للبحوث، ولكن مثل هذه الملاحظات الأولية ضرورة لتوجيه البحث لمكامن الرباط القومي. فيما يلي استعرض المسيرة التاريخية بعيون ذلك الرباط: التركية: نشوء السودان الموحد التجاور الجغرافي بين بقاع السودان المختلفة ـ وتاريخ الممالك القديمة وصلاتها فيما بينها ـ يوحي بوجود نوع من التاريخ المشترك لم يتم تلمسه بعد، وإذا أردنا الحديث عن وحدة سياسية للسودان بشكله الحالي، فإن العهد التركي ـ المصري كان بداية للوحدة السياسية للسودان اليوم والذي كان حتى ذلك الوقت مجموعة من الممالك والمشيخات ومناطق النفوذ والقبائل. ولكن السودان لم يكن له أية كينونة سياسية في ظله بل ظل تابعا للإدارة المصرية، والمحاولة الوحيدة التي قام بها حاكم تركي ـ مصري للتخلص من التبعية لسيده في مصر أدت الى ما كان سيكون اغتيالا قضائيا للحاكم العام أحمد باشا أبو ودان في اكتوبر 1841م. والإدارة المصرية نفسها لم تحظ باستقلال كامل بل كان يتجاذبها سلطان الباب العالي في الآستانة ـ الخلافة العثمانية ـ والنفوذ الأجنبي الذي وصل لدرجة الحماية البريطانية في أواخر القرن التاسع عشر. وحتى تلك الوحدة السودانية فلم تتم بصورة متزامنة ولا متساوية. وفي حين تم غزو شمال ووسط السودان حتى كردفان منذ 1821م ـ وكانت مديرية بربر (منطقة الرباطاب وبربر وشندي) تابعة مباشرة لمصر حتى عام 1826 ـ فإن إقليم التاكا في الشرق لم يضم إلا في عام 1840، ودارفور ظلت خارج السلطة التركية حتى عام 1876م، وكذلك إقليم بحر الغزال. فإذا وضعنا في الاعتبار أن تحرير دار فور عبر المهدية تم في 1882م، وأن الخرطوم حررت عام 1885م، لعلمنا كيف اختلفت أقاليم السودان في تعرضها للتركية من إقليم كدارفور تم احتلاله لمدة ست سنوات فقط إلى منطقة كالخرطوم احتلت لأكثر من ستين عاما. التعرض للتركية لم يكن متساويا في السودان، وللتمثيل على ذلك فإنني أذكر واقعة واحدة وهي أن الطلبة السودانيين الذين كانت ترسلهم الحكومة إلى مصر ليلتحقوا بالأزهر الشريف كانوا يلتحقون بالرواق السناري الذي أنشيء عام 1263هـ (1846م). وقد وجد رواق آخر داخل الأزهر لطلبة دارفور التي لم تكن قد سقطت في قبضة الحكم المصري بعد. ومعلوم أن سنار هي عاصمة مملكة الفونج التي غطت فقط أجزاء من الوسط وشماله في السودان. وقد عاصرتها ممالك سودانية أخرى هي سلطنة الفور ومملكة تقلي والمسبعات ودولة الكنوز في الشمال. ونظرا لهذا التاريخ تجاه التركية فإننا لا يمكن أن نتعامل مع الدولة التركية باعتبارها منشأ الوحدة السودانية استنادا على التوحيد السياسي لسنوات ست فقط بصورة مطلقة. لقد كان الحكم المصري جزءا أو تابعا لحكم الخلافة العثمانية، التي ـ وإن وحدت الأقاليم الإسلامية ـ فإنها لم تصلح أساسا لتكوين الوطنية في تلك الأقاليم، مثلا ـ أتاتورك الذي ولد في أحد أصقاع تلك الدولة خارج حدود تركيا كان هو داعية القومية التركية الأول. ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نغفل الدور التركي في تكوين القومية أو الوحدة السودانية. لقد واجه الحكم التركي المصري ثورات وتحديات من السودانيين منذ مقدمه فكانت أحداث شندي مع الجعليين بقيادة المك نمر، وواقعة كورتي بمواجهة الشايقية عام 1820م والتي برز فيها اسم مهيرة بنت عبود، ونازلته جيوش المسبعات بقيادة المقدوم مسلم آخر مقاديم المسبعات في واقعة بارا 1822م وغيرها من التحركات التي كانت محدودة بجهة أو قبيلة. ولكن ومع مرور الزمن تكونت مع التعليم الجديد والمدن والصناعات والدواوين المصاحبة للحكم التركي بيئة أكثر تعديا للقبيلة والجهة، كانت هي السبب الرئيسي في تكوين شعور قومي سوداني ظهر بأقوى صورة في الدعوة والثورة والدولة المهدية. المهدية: المهدية كدولة لم تدم طويلا، فهي منذ كونها دعوة فثورة وحتى تكوينها الدولة وسقوط تلك الدولة لم تبلغ عشرين عاما. والمهدية هي أم الثورات السودانية وأكثرها عطاء وحدت السودان، وحررته، وأقامت فيه دولة الشريعة، وشهرته في العالم وهي الأب المعنوي للشعور القومي السوداني والمكون الأول للوطنية السودانية وأن لم تكن الوطنية من مقاصدها. ولكن اختلف عليها اختلاف حاد وتكالبت عليها القوى الدولية ووجدت مدخلا من الاختلاف الداخلي الحاد. وقد تعالت الأصوات التي تتساءل عن مشروعية المهدية الوحدوية، فدعوة «مشروعية معارضة المهدية» ركزت على أن المهدية اتخذت نهجا رفضه الكثير من السودانيين. وفي الأوساط الجنوبية علت الأصوات التي تنكر أن يكون للمهدية أي دور في تعضيد الوحدة بل تراها معوقة. صحيح أن المهدية كدعوة وثورة واجهت معارضة من كيانات قبلية ودينية مثل الكبابيش والشكرية والشايقية والختمية والدواليب.. هذه المعارضة تأسست على أن المهدية أتت بسياسات ضد الاتجاهات الثقافية السائدة فوقف ضدها التيار المحافظ في كل جماعة، وأتت كحركة تحررية ضد الحكم التركي المصري فوقفت ضدها القوى المرتبطة به. لقد مثلت المهدية القومية السودانية الوليدة بمنطق عصرها، ووحدت إقليمي سودان النهر وسودان دارفور، ومدت جذورا نحو السودان الجنوبي الذي انقسم حولها مثل ما انقسم الشماليون بين مؤيد ساهم في الثورة وفي قيادتها ومعارض طالته عقوباتها. فكثير من الجنوبيين تجاوب مع المهدية وكثير من قادة المهدية كانوا من أصل جنوبي. ومثلما وجد أدب شعبي ضدها فقد وجد أدب تغنى بها، بل سمي بعض الدينكا المهدي على اسم احد آلهتهم ويعتقدون أن روح ذلك الإله قد حلت به فبايعوه وحاربوا معه. إن وجود انقسام قبلي وديني حول المهدية في الشمال والجنوب لا ينفي أنها كانت الهبة السودانية في وجه التكالب الاستعماري على القارة، ولا أنها مثلت حركة تحريرية فنشأت من صداها القومية السودانية، وكانت إرث السودان الموحد البطولي الأول. نعم لمن يريد أن يقول أن هناك اختلافا حول المهدية في الشمال والجنوب، ولكن لا مشروعية لمحاولة الهوية المسيحية الأنجلوفونية إسقاط استقطاب حديث على أحداث وقعت قبله. والمهدية بالمناسبة لم تكن معزولة عن محيطها الزنجي ليس فقط جنوبا ـ بل وغربا ـ وقد وجد أتباع لها في تشاد ونيجيريا والسنغال ومالي كما وجد في جنوب السودان. بل ليس من باب المبالغة أن يقال أن ثورة في إفريقيا السمراء (دعوة الشيخ عثمان دان فوديو) مهدت للمهدية في السودان. إن الصوفية في السودان مع جذورها الإسلامية استصحبت رموزا وممارسات من ثقافات أفريقيا. والمهدية في السودان صوفية المنشأ وإن تعدت ذلك إلى آفاق أوسع، فالمهدية مع مرجعياتها الإسلامية المعروفة أتت بفكروية ورمزية جديدة بما يجعلها مدرسة مهدوية جديدة تضاف للمدارس المهدوية العشر (ثلاث مدارس شيعية ـ وخمس مدارس سنية ـ ومدرسة صوفية(ابن عربي) ومدرسة فلسفية (الفارابي). لقد جسدت المهدية في السودان كثيرا من المؤثرات الثقافية العربية والافريقية. أنها دعوة تجذرت في الواقع السوداني بشقيه العربي والزنجي. والمهدية بذلك تفتح بابا ليس فقط لتعضيد الوحدة الوطنية بل للسودان أن يمد أياديه لمحيطه الأفريقي. إن من أهم أوجه القصور في علاقات السودان الخارجية تهميشه لعلاقاته الأفريقية، وهي ثغرة يجب سدها بقوة في نطاق حوض النيل، والقرن الأفريقي، وغرب إفريقيا. لقد اتخذت المهدية نهجا دينيا أحاديا، ولكن ما يشفع لها أن الوحدة القومية ـ وحتى زمان قريب ـ كانت في كل مكان تقوم على الإرادة الغالبة. والإكراه الديني والثقافي كان نهجا متبعا في كل مكان. ولا طائل يرجى من وراء محاولة تقييم تجربة في القرن التاسع عشر بمقاييس سادت في النصف الثاني من القرن العشرين. الهزيمة العسكرية، وبقاء الدعوة في ظروف مختلفة، فتح المجال للإمام عبد الرحمن المهدي للمراجعة وبموجب مقولة الإمام المهدي «لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال» انفتح باب تطورها حتى يومنا هذا. وأهم ما أضافته المهدية في مرحلتها الثانية لمعضدات الوحدة الوطنية هو نهج قبول الآخر الديني ـ والآخر المذهبي، والتسامح والتعايش على أساس لا يجعل تناقضا بين الرابطة الوطنية وبقية الروابط الملية والقومية (بمعنى القومية العربية) والمذهبية والحزبية وهي في المرحلة الثالثة تبني على انجازات المرحلة الاولى والثانية وعبر جدلية الأصل والعصر ونداءات العصر الثلاثة. تخاطب الحاضر والمستقبل لبناء الوطن واستيعاب العولمة. الغزو الثنائي 1898 ـ 1956م: لقد أوقف الغزو الثنائي عملية البلورة القومية التي ابتدأتها المهدية بعدة سياسات منها مناهضة للقبلية في شأن الدولة والدعوة ـ وإن كانت تستند عليها في تنظيم الجيوش والمدن ـ ومنها اعتبار الكفاءة أساسا للترقي والإمارة بدلا عن الروابط المختلفة. شيء آخر عرقل فيه الحكم الاستعماري عافية الرابطة الوطنية هو تكوينه لهياكل خدمة مدنية وعسكرية تحمل تشكيلات غير قومية ـ أي منحاز مع أو ضد بعض الجهات والقبائل والطوائف ـ مما أورث الدولة السودانية هياكل لا قومية. ولكن أهم شوكة غرزها النظام الاستعماري هو تعميق التباين الثقافي بين الشمال والجنوب لأنه بسياسة المناطق المقفولة حارب الإسلام والثقافة العربية وقفل الجنوب ومناطق أخرى لصالح النفوذ التبشيري مما أعطى الجنوب هوية مخالفة جديدة: المسيحية والأنجلوفونية، فالإدارة البريطانية شجعت التبشير المسيحي في الجنوب. هذا الخط كان واضح الانحياز ضد العروبة والإسلام، وهو الذي منع ـ مثلا ـ من أن تكتب اللغات في الجنوب بالحرف العربي، بل نشأت وكتبت بالحرف اللاتيني وعلى أيدي المبشرين، هذا الموقف ليس منتظما في القارة الأفريقية فالعرب كانوا أقدم وجودا فيها، والحرف العربي سجل بعض لغاتها، والجنوبيون ما كان هناك ما يمنعهم من الاستفادة من الحرف العربي والتلاقح مع إخوانهم شمالا سوى تلك السياسة البريطانية المقحمة اقحاما. وكان ذلك بردة الفعل سببا في اتجاه الحركة الشمالية المنشأ اتجاها مضادا. لذلك كانت ثلاثة من مطالب مذكرة الخريجين (1942م) موجهة لنقض تلك السياسة الاستعمارية. ربما يرى البعض في الجنوب أن تلك السياسة كانت للحفاظ على ثقافاتهم وتطويرها، ولكن الدليل على أن الغرض لم يكن ثقافيا أو إنسانيا بل كان سياسيا، هو أن اللغات غير العربية في الشمال مثل لغات نوبة الشمال والبجة والفور وغيرها لم تحظ بتطوير مماثل. ومن الإرث الاستعماري المضاد للوحدة قيام البنية الأساسية للتنمية الاقتصادية على أسس الربحية وعدم مراعاة التقسيم المتكافيء للثروة مما خلق اختلالات التنمية التي بنت عليها الدولة السودانية المستقلة بدون مراجعة. الاقتصاد السوداني الحديث تأسس في عهد الاستعمار على انتاج وتصدير القطن للمصانع البريطانية والبنية التحتية المطلوبة لذلك. هذه السياسات الاستعمارية كانت خصما على الرابطة الوطنية. ولكن في المقابل فإن النمو الحضري، والتعليم الحديث، والخدمة المدنية، بل والاتصال بالوعي القومي الغربي الذي تبلور إثر إصدار رئيس الولايات المتحدة الأميركية ودورد ويلسون لمبادئه الأربعة عشر وإنشاء عصبة الأمم، كل ذلك أدى لانعاش الرابطة القومية السودانية حديثة الولادة في نهاية القرن التاسع عشر. ومع سلبيات الإدارة الاستعمارية فإنها أورثت السودان مؤسسات دولة من خدمة مدنية، وقوات نظامية، واقتصاد حديث حسنة الأداء وقابلة للتطوير. حركة 1924م: كانت تحديا للسلطة الاستعمارية البريطانية، كما كان لدى بعض قادتها بعدا لا قبليا كما عند علي عبد اللطيف وعبد الفضيل ألماظ، وبهذه المفاهيم غذت الشعور الوطني السوداني. إن أهم عاملين ساهمت بهما ثورة 1924م في هذا الصدد هما: تجاوز الحساسيات الإثنية في قبول بعض قياداتها، والتصدي لرفض الإدارة الاستعمارية البريطانية على أسس تتجاوز الجهوية والمذهبية. ولكنها، في نهاية المطاف، كانت صدى للحركة الوطنية المصرية في السودان. مؤتمر الخريجين 1937م: أدى الوعي القومي الصاعد، والخلاف حول مركز السودان ومستقبله خلال المفاوضات بين الحكومتين المصرية والبريطانية في 1936م، إلى إيقاد جذوة الحركة السياسية السودانية بين الخريجين السودانيين، وتطوير فكرة نادي الخريجين الذي كان يلعب أدوارا اجتماعية وثقافية وأدبية في عشرينيات القرن العشرين، نحو إنشاء مؤتمر الخريجين بأهدافه السياسية الواضحة في 1937م. قاد المؤتمر النشاط الوطني وسط الخريجين وأثمر أهم محطات الاجماع السوداني حينها بتقديم مذكرة الخريجين في 3 أبريل 1942. شكلت تلك المذكرة محطة بارزة في القراءة الشمالية للرابطة الوطنية السودانية. فقد جاءت كرد فعل للسياسات الاستعمارية المذكورة أعلاه لذلك كانت ثلاثة من مطالب مذكرة الخريجين موجهة لنقض تلك السياسة الاستعمارية فيما يخص الأقاليم الجنوبية. وقد شكلت تلك المذكرة ورقة عمل لكل الأحزاب السياسية السودانية التي نشأت في أربعينيات القرن العشرين. والاختلاف حولها لم يكن فيما يخص الوحدة السودانية، بل فيما يخص تفسيرها للعلاقة مع مصر. لكن ينبغي أن نلاحظ أن خلو حركة الخريجين من التمثيل الجنوبي ـ والذي كان من تداعيات سياسة المناطق المقفولة ـ شكل مطعنا في قوميتها، أيضا إغفالها موضوعا هاما في هذا الصدد هو موضوع الرق وتبعاته. حكومة الاستقلال 1956 ـ 1958م: مضت حكومة الاستقلال في خط يعضد مطالب مذكرة الخريجين فيما يخص الجنوب، ولم تلتفت للتشوهات في هيكل الدولة ولا في خطط التنمية. ولكن أكثر الخطوات التي تذكر حول مساسها بمعضدات الرابطة الوطنية هو أن السودنة التي جرت قامت على مقاييس تقليدية، وهي مقاييس بطبيعة الحال ظالمة للجهات المتظلمة أصلا تجاه قسمة الثروة والسلطة. وقد عصفت بالتجربة الخلافات الحزبية وداخل الأحزاب نفسها. لقد كانت الحركة السياسية في ظل الاستقلال تظهر غيابا نسبيا للعناصر السودانية «المهمشة» وهو غياب عززه ضعف الوعي السياسي في المناطق المذكورة. حركة 17/11/1958م: كانت في حقيقتها تعبيراً عن أزمة داخل الأحزاب السياسية السودانية لا سيما حزب الأمة. وهي حركة في المقام الأول كانت موجهة من جهة داخل الحزب ضد الحزب وقيادته لحسم الخلاف مع التيار الغالب في الحزب بالبأس العسكري. ولكنها سرعان ما خرجت من طورها الأول هذا، وتخلت عن تنسيقها مع تلك الجهة، ودفع بها انقلاب شنان ومحي الدين أحمد عبد الله إلى أن تصبح مجرد إدارة عسكرية للبلاد دون محتوى أيديولوجي. ولكنها عولت على الحل العسكري للحرب في الجنوب التي اندلعت عام 1963م، واتخذت اجراءات ضد المبشرين والإرساليات المسيحية فاقمت من المسألة. حكومة ثورة أكتوبر 1964م: كانت التعبئة الشعبية فيما يخص مسألة الجنوب هي الشرارة المباشرة للثورة. وقد أعقبها اتفاق قومي على عدم جدوى الحل العسكري. وعقد مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الإثنى عشر ومؤتمر جميع الأحزاب السودانية، كل ذلك لبحث أسس للوحدة السودانية مرضية للجميع. ومع وجود خلافات حزبية، فقد عصفت بالتجربة مغامرة عسكرية. حركة مايو 25/5/1969: إنها استغلال تحالف يساري (شيوعي ـ ناصري) لشريحة عسكرية متطلعة للسلطة. قامت بأول مغامرة أيديولوجية في حكم السودان الحديث فتلفحت بأيديولوجية اليسار الاشتراكي في أول عهدها، وبأيديولوجية اليمين الإسلاموي في آخر عهدها، توجهاتها الأيديولوجية كانت انتهازية خالية من البرامج المحددة ومن الكوادر المؤهلة. أضرت بالبلاد في مرحلتها اليسارية بما جلبت ضدها من عداء الغرب، ثم جلبت ضد البلاد عداء الشرق في مراحلها الأخيرة مما أدى لقيام حلف عدن الذي تبنى الجيش الشعبي لتحرير السودان. أهم انجازاتها اتفاقية 1972م والدرس المستفاد منها هو استحالة قيام نظام تعددي في الجنوب مع نظام أحادي في الشمال، وضرورة أن تقوم اتفاقية السلام على أساس قومي يعصمها من تقلبات رأي الفرد. الانتفاضة ابريل 1985م: قامت بمجهودات عديدة لجمع الصف الوطني حول قضايا البلاد الأساسية، وللتحضير لميثاق وطني وعقد اجتماعي يحقق ذلك الإجماع الذي تدخل به البلاد المؤتمر القومي الدستوري الذي يحل قضية الحرب وغيرها من القضايا المعلقة. لقد شهد «الكتاب الأسود» الذي أصدره بعض الناقمين على مسألة الظلم في قسمة الثروة والسلطة في البلاد، وعلى التشوهات في هيكل الدولة السودانية بمنظار قومي، أن تلك التجربة ـ الديمقراطية الثالثة ـ كانت الأكثر انصافا للجهات المهمشة. حركة الإنقاذ 30 يونيو 1989م: إذا نظرنا للإنقاذ بمقياس الوحدة الوطنية فإن لها تأثيرات سالبة هي: تأجيج الفتنة