ما هو أفضل معيار للحكم على رؤية الرئيس الأميركي جورج بوش حول الشرق الأوسط؟ ولِمَ تراوحت ردود الفعل العربية والفلسطينية بين مُرحّبٍ ومنتقد لمضمون هذه الرؤية؟ وكيف يمكن فهم الرؤية الأميركية، التي احتاجت لأسابيع طويلة من الإعداد قبل إعلانها بينما لم تحتج قيادة السلطة الفلسطينية سوى لدقائق قليلة فقط من أجل إعلان الترحيب بها وتأييد مضمونها؟ فعلى قاعدة ترحيب قيادة السلطة الفلسطينية بالرؤية الأميركية، جرى إعلان الترحيب أيضاً من أطراف عربية ودولية. فلو امتنعت قيادة السلطة عن الترحيب، هل كان سهلاً على الآخرين تأييد الرؤية الأميركية؟. تساؤلات تفرض نفسها الآن بعد أن خرج الرئيس بوش على العالم بسلّةٍ من المواقف المبعثرة أسماها «رؤية حول الشرق الأوسط»، فإذا بهذه الرؤية تزيد من الضبابية القائمة حول مصير منطقة الشرق الأوسط، بينما الطرف العربي في هذه المنطقة هو أشبه بالضرير الذي يحاول تتّبع الصوت الأميركي في عبور طريقٍ وعر حافلٍ بالمطبّات الإسرائيلية. بدايةً، فإنّ أفضل معيارٍ عربي للحكم على «رؤية» الرئيس بوش هو مراقبة ردود الأفعال عليها التي بغالبيتها تتمحور حول مسألة تغيير القيادة الفلسطينية والإجراءات السياسية والدستورية المطلوبة أميركياً من الطرف الفلسطيني. أي، أن محور «الرؤية الأميركية» هو اعتبار المشكلة في الطرف الفلسطيني وليس في وجود واستمرار الاحتلال الإسرائيلي. وكم هي سطحية في التفكير، وصف بعض التعليقات الرسمية العربية بأن الرئيس الأميركي كان متوازناً حينما أشار إلى الاحتلال الإسرائيلي وإلى الدعوة لإقامة دولةٍ فلسطينية في نهاية المطاف. فمن قال أصلاً أن إسرائيل تعارض وجود «دولة فلسطينية»؟ المشكلة هي في تحديد مكان ومساحة وصلاحيات وسكان وعاصمة هذه الدولة، وليس مبدأ وجود الدولة نفسها. شارون أعلن أكثر من مرّة عن دعمه لإقامة «دولة فلسطينية»، لكن في الأردن أو في غزّة فقط. وقادة حزب العمل الإسرائيلي (بمن فيهم وزير الخارجية الحالي بيرير ووزير الدفاع بن أليعازر) أكّدوا دعمهم لفكرة وجود دولة فلسطينية على أرض غزّة وأجزاء من الضفة الغربية. فأين الجديد في رؤية الرئيس بوش حول الدولة الفلسطينية؟ هل صرّح بحدود هذه الدولة؟ وهل كان حاسماً في اعتبار كلّ أراضي الضفة وغزة والقدس أرضاً فلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي، وبأنّه يتوجب بناء الدولة الفلسطينية على كلّ هذه الأراضي التي احتلّت عام 1967؟ الواضح في رؤية الرئيس بوش أنّها تركت مسائل: الحدود (أي حجم الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة بعد عام 1967)، ثمّ القدس، ثمّ حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وأيضاً المصير النهائي للمستوطنات الإسرائيلية .. تركت هذه المسائل كلّها للمفاوضات المستقبلية، ممّا يعني عودة للمربّع صفر الذي فجّر الأوضاع الأمنية في الأراضي الفلسطينية مع مطلع خريف عام 2000، بعدما فشلت الاتفاقات المرحلية السابقة في تحقيق أيّ تقدّم باتّجاه القضايا الكبرى المتعلّقة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. إذن حديث الرئيس بوش في رؤيته (الواضحة أميركياً والغامضة عربياً) عن الدولة الفلسطينية وعن مسألة الاحتلال الإسرائيلي، هو حديث عن عناوين عامة لمضامين غير محدّدة، كانت وما زالت، أساس المشكلة وجوهر الصراع. ثمّ ما الجديد في حديث الرئيس الأميركي عن تجميد بناء المستوطنات؟ قد قال ذلك أكثر من رئيسٍ أميركي في السابق ولم تتوقّف إسرائيل عن بناء وتوسيع المستوطنات حتى في ظلّ سنوات التفاوض و«أشهر العسل» بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. أيضاً، ما الجديد حين يطالب الرئيس بوش إسرائيل بالانسحاب إلى المواقع التي كانت عليها قبل خريف عام 2000؟ لقد قال بوش أكثر من ذلك خلال شهر ابريل الماضي، واستخدم تعابير (الآن - فوراً) ولم تنسحب القوات الإسرائيلية، بل إن الجيش الإسرائيلي اقتحم الخليل وأماكن فلسطينية أخرى بعد ساعاتٍ من إعلان رؤية الرئيس بوش.. فعن إيّة انسحاباتٍ يتحدّث الرئيس بوش إن كان في الرؤية نفسها تأكيد بأنّ ما تفعله إسرائيل هو «حالة الدفاع عن النفس»؟ وبدلاً من أن تكون رؤية الرئيس بوش مدخلاً لبدء تحرّك أميركي دولي من أجل انعقاد المؤتمر الدولي الجديد حول الشرق الأوسط، وشمولية المعالجة الدولية والأميركية لكلّ جوانب الصراع العربي/الإسرائيلي، والتجاوب مع ما ورد في مبادرة القمّة العربية الأخيرة في بيروت (انسحاب إسرائيلي شامل من كلّ الأراضي المحتلة عام 67 مقابل سلام عربي شامل مع إسرائيل)، نجد أن الرئيس الأميركي بوش اختار أن يتحدّث في رؤيته عن سوريا ولبنان بشكلٍ سلبي وبأسلوب التهديدات الضمنية، دون أيّة إشارة منه للاحتلال الإسرائيلي القائم بالجولان أو بمزارع شبعا اللبنانية.. لقد اختصرت رؤية الرئيس بوش مبادرة وليّ العهد السعودي (التي تحوّلت إلى مبادرة عربية شاملة في قمّة بيروت)، اختصرتها من دعوةٍ لإنهاء الصراع على الجبهات كلّها (من خلال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي على كلّ الجبهات: فلسطين- سوريا- لبنان) إلى دعوةٍ من أجل التطبيع العربي الكامل مع إسرائيل مقابل وعودٍ بانسحاباتٍ إسرائيلية جزئية من أراضٍ فلسطينية فقط، ومقابل تمنياتٍ أميركية بقيام دولةٍ فلسطينية على حدودٍ مؤقتّة؟! لقد وضع الرئيس بوش في رؤيته أهدافاً عامة مطلوبة فلسطينياً وعربياً ودولياً (الدولة الفلسطينية - مشكلة الاحتلال الإسرائيلي) لكن دون أيّ وضوحٍ في المضامين أو في الجدول الزمني المتتابع للوصول إلى هذه الأهداف، بينما وضع الرئيس بوش في رؤيته مضامين واضحة جداً حول مسئولية الطرف الفلسطيني ومواصفات المفاوض الفلسطيني المطلوب أميركياً .. فواشنطن تدرك تاماً أن المشكلة ليست في تركيبة قيادة السلطة الفلسطينية، ولا في مسألة المؤسسات الدستورية أو حتى الأجهزة الأمنية الفلسطينية .. فهذه الأمور كلّها هي أعذار لما هو مطلوب أساساً من الطرف الفلسطيني المفاوض: التخلّي الكامل عن أسلوب المقاومة من جهة، والاستعداد السياسي والأمني لوقف وردع أيّ أفرادٍ أوجماعات فلسطينية تريد الاستمرار في نهج المقاومة. واشنطن لا تأبه إذا كان الحاكم الفلسطيني هو «أبو عمار» أو «أبو هدام». واشنطن تريد من مشروع الحاكم الفلسطيني التزاماً قاطعاً بمحاربة كافّة أنواع المقاومة ضد إسرائيل، بغض النظر عن التركيبة السياسية والدستورية لمؤسسات هذا الحاكم الفلسطيني. لقد حصلت التعرية السياسية للوضع العربي حينما تزامن إعلان المبادرة العربية في قمّة بيروت مع قرار شارون باجتياح الضفة الغربية وارتكاب مجازر جنين وغيرها، وكانت الرسالة الإسرائيلية واضحة: مطلوبٌ مزيداً من التنازلات والتراجعات السياسية العربية مقابل مزيدٍ من التقدّم والقهر العسكري الإسرائيلي. والآن تتزامن مبادرة أو رؤية بوش مع اجتياحاتٍ إسرائيلية جديدة لمدن وقرًى فلسطينية، وتكرار لصور فلسطينيين يُجبَرون على خلع ملابسهم بحجّة البحث عن متفجرات، بينما الرسالة الإسرائيلية الواضحة هي: بعد التعرية السياسية للوضع الرسمي العربي، مزيد من الذلّ والامتهان بإجبار الفلسطينيين على التعرية الجسدية، بعدما أصبحت السلطة السياسية تقف عاريةً سياسياً وعاجزةً أمنياً. بئس هذا الحال العربي الرسمي الذي ما زال يراهن على مزيدٍ من الانتظار لما تريد أن تقرّره واشنطن، لينفّذ هو فقط (أي الطرف العربي) ما في قرارات واشنطن في حين تستخفّ إسرائيل بالعرب وبواشنطن معاً. فلقد أصبحت واشنطن وسيطاً ليقرّر للعرب ما عليهم تنفيذه بناءً على طلبات إسرائيل ودون أيّة التزامات متزامنة من الطرف الإسرائيلي. لقد كانت رؤية الرئيس بوش واضحةً جداً لجهة الخلط بين حقّ المقاومة ضدّ الاحتلال (وهذا ما مارسه الشعب الأميريكي من أجل الحصول على استقلاله) وبين مواجهة الإرهاب بكافّة أشكاله. كانت رؤية بوش واضحة لجهة مطالبة السلطة الفلسطينية بأحد خيارين: الرحيل أو القيام بما نصّت عليه اتفاقات أوسلو وواي ريفر من وجود شرطة فلسطينية لمواجهة أيّة مقاومةٍ للاحتلال، وليس فقط تسيير الخدمات الحياتية للفلسطينيين. الرؤية الأميركية كانت واضحة أيضاً لجهة مطالبة العرب عموماً، وسوريا ولبنان خصوصاً، بمنع أيّ عملٍ عسكري ضدّ إسرائيل من أراضيهم وبوقف أيّ دعمٍ لمن هم في خانة الجماعات المؤيّدة لاستمرار المقاومة. وكانت رؤية بوش واضحةً أيضاً في تجاهل مسئولية الاحتلال والتركيز على مسئولية مقاومة الاحتلال، حيث اعتبرت هذه الرؤية أن وقف كلّ أنواع المقاومة هو المدخل لاستئناف المفاوضات من أجل انسحاباتٍ إسرائيلية غير محدّدة في أفقها النهائي، ومن أجل دولةٍ فلسطينية غامضة الحدود والمعالم والتكوين. كان أولى بالرئيس بوش أن يضع رؤيةً فيها تأكيد على وقف المقاومة مقابل وقف الاحتلال! أليس ذلك هو جوهر شعار (الأرض مقابل السلام)؟ فكيف يمكن منح «السلام» للمحتلّ في أيّ مكان بينما لا يزال عدواناً جاثماً باحتلاله للأرض؟! الرؤية الحالية للرئيس بوش تريد إعطاء السلام، كلّ السلام من كلّ العرب والفلسطينيين، لإسرائيل مقابل وعودٍ بمفاوضات لانسحاباتٍ جزئية وليس من الأرض كلّها!! ربّما من الأجدر للطرف الفلسطيني الآن أن يعلن حلّ السلطة الفلسطينية، وتجميد الاتفاقات إلى حين تحقيق حد أدنى من المطالب المشروعة يتمثّل بانسحاب إسرائيل إلى مواقع ما قبل خريف 2000، ووضع حماية دولية للمناطق الفلسطينية، بحيث يكون ذلك مدخلاً لإجراء انتخاباتٍ فلسطينية ولتحمّل القيادة الفلسطينية الجديدة مسئولية الأوضاع السياسية والأمنية في مناطقها، وعندها تحاسَب هذه القيادة على ما يحدث داخل مناطقها فقط، وتكون هذه القيادة مسئولة عن التفاوض حول القضايا الكبرى ووفق جداول زمنيةٍ محدّدة. فالمهم الآن هو إعادة التركيز على أساس المشكلة، وهو الاحتلال الإسرائيلي، بعدما نجحت واشنطن ومن خلفها تل أبيب، في جعل المشكلة بالطرف الفلسطيني. فعلى إسرائيل أن تختار بين بقاء الاحتلال وبقاء حق المقاومة المشروعة له، أو الانسحاب من كلّ الأراضي المحتلة وتسهيل بناء الدولة الفلسطينية على كامل الضفة وغزة. لا أعلم كيف تستطيع واشنطن أن تجمع بين نقيضين في مواقفها: المطالبة بوقف كلّ أشكال المقاومة الفلسطينية، ثمّ الحديث عن وجود مشكلة احتلالٍ إسرائيلي،؟ هذا في الوقت الذي يحتفل الشعب الأميركي بذكرى استقلاله عن التاج البريطاني حصيلة المقاومة الأميركية، بينما لا ترى واشنطن حقاً للفلسطينيين بالتماثل مع هذه التجربة الأميركية في التحرّر والاستقلال؟! تناقض أميركي في المواقف، لكن في إطار رؤية أميركية واضحة لما هو مطلوب من الآخر. أمّا على الصعيدين العربي والفلسطيني، فالمشكلة هي في تناقض المواقف وفي انعدام الرؤى الواضحة لما هو مطلوب من النفس ومن الاخر؟! ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن E-mail: alhewar@alhewar.com