انتصف العام الثاني من ولاية الرئيس بوش قبل ان يصدر، بعد ترقب طويل، بيانه الذي صدم الرأي العام العربي، فهو لا يقدم حلاً عمليا قريبا لمأساة الشعب الفلسطيني بل يكسب الوقت لصالح المخطط الصهيوني لتهويد الضفة الغربية، لنهر الأردن حتى شتاء 2003 كحد أدنى، ويخصص الأسبقية الأولى لحملة بوش ضد الارهاب، وكل صور المقاومة الوطنية المسلحة، وبخاصة الاسلامية منها. وعلى الفور تقفز الى الذهن مشكلة صنع ثم اتخاذ القرار السياسي العربي، وبخاصة في مواجهة الأزمات، وهو أمر يثبته العجز العربي الواضح في ادارة الصراع العربي الاسرائيلي منذ عام 1996 بوجه خاص، ووضع البيض كله في السلة الأميركية، وانتظار بدايات التسوية السياسية في فلسطين والجولان وجنوب لبنان على يدي واشنطن المنحازة دائماً لاسرائيل منذ اعترفت بها في مايو 1948 قبل اعلان قيامها رسمياً ببضع ساعات دون مراعاة فروق التوقيت!! ومتخذ القرار أو صاحبه في أغلب عواصمنا العربية لا يجد حوله الراشدين من الوزراء أو المستشارين الذين يفهمون مصالح الأمن القومي وأهدافه، واستراتيجيات ادارة الصراعات الدولية والاقليمية، ويحسنون تخطيط وبناء عناصر القوة الشاملة والمؤثرة للدولة وفق أسبقيات ومطالب مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية. وبعض هؤلاء الوزراء والمستشارين ممن ينتمون الى مدرسة الدبلوماسية العتيقة، ويديرون فقط الأوضاع الراهنة ولا يفهمون في الرؤى المستقبلية، ويؤثرون السلامة بالاذعان للقوى العظمى والكبرى، ولا يملكون ارادة وفكر حشد طاقات أمتهم العربية للدفاع عن الحقوق المشروعة لشعوبها وتحريرها تدريجياً من أغلال التبعية السياسية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية للغرب بوجه عام، وللولايات المتحدة بصفة خاصة. والبعض الآخر يكرر آراءه على الرغم من فشل توصياته المرة تلو الأخرى، وانهيار منطق تحليلاته، وتراجع جدوى اتصالاته عربياً ودولياً.ويشارك في صنع المحنة أولئك القادة الاعلاميون والكتاب الذين يحجبون الحقائق عن الرأي العام، ويفرضون الوصاية على المفكرين والخبراء، وينادون بسياسة «اقبل وتفاوض» ما دام العرض أميركيا، ويرضخون لمطلب واشنطن بخفض درجة العداء لاسرائيل في وسائل الاعلام، ووقف تأييد الكفاح المسلح الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني، وبخاصة العمليات الاستشهادية مع أنها تعتبر دفاعاً شرعياً عن وجود وبقاء الشعب الفلسطيني في مواجهة مخطط الاستعمار الاستيطاني والتهجير الى شرق الأردن والابادة في معركة غير متكافئة بين شعب شبه أعزل، وآلة الحرب الاسرائيلية التي يساندها الأميركان في كل الظروف والأزمان. كذلك نشهد في رحاب البرلمانات، من يستخدم فصاحته في تقريظ مواقف دبلوماسية ثبت خطؤها، أو للدعوة لمهادنة القوة العظمى المهيمنة على أقدار الشرق الأوسط، ويكتفي بآراء نظرية في الفقه السياسي، وأكاديمية في العلاقات الدولية، ولا يقدم فكراً ناضجاً قابلاً للتطبيق لادارة سياسة بلاده الخارجية في الدوائر العربية والاسلامية. ومع ان صراعنا مع اسرائيل جوهري وممتد، ويتطلب اعداد أجيال الغد لمواجهة جولات الصراع القادمة مع اسرائيل بروح نصر أكتوبر العظيم، ولبناء القوة الخامسة أو السادسة الكبرى في عالمنا المعاصر، فان بعض المسئولين عن التعليم والاعلام في دولنا العربية يخضعون للضغوط الأميركية ويعدلون مناهج التاريخ ويحاربون ثقافة المقاومة، وقيم الجهاد في الاسلام، وسلوكيات الشرق المتدين الراقية في المظهر والأخلاقيات والتعامل الاجتماعي، ويدعون للعولمة والتحديث والقرية الكونية المزعومة. لكن الأمور لن تستقيم هكذا، ولابد من حوار صريح ينشد الاصلاح في سياساتنا الداخلية والخارجية، فالأمن الوطني والقومي في خطر داهم ووشيك !!! بيان جائر وغير متوازن بحثت طويلا عن العدل والتوازن في بيان بوش، فلم أجد شبحاً لأيهما أو بعض ظلاله في هذه المبادرة الأميركية الخادعة، وبدا لي أنها جزء من مخطط متصل لبناء ملامح الشرق الأوسط الجديد قبل حل المشكلة الفلسطينية وفق أفكار بيريز وشارون لتهويد الجزء الأكبر من القدس والضفة الغربية لنهر الأردن. ورجح عندي ان جورج بوش الابن ـ كأبيه ـ لا يريد ان تتحرك المسألة الفلسطينية قبل ان يرضخ العرب لضرب العراق وتقسيمه الى دويلات طائفية يشتعل بينها الصراع العقائدي والعرقي طبقاً لخطة العمليات «بولوستب». وحتى لا أتجنى على الرئيس بوش، فقد تضمن بيانه بضع عبارات وأفكار مستقبلية عن الدولة الفلسطينية والترتيبات الأمنية وتجميد الاستيطان في الضفة الغربية وغزة، ولكنها لا ترقى الى مستوى الأفعال، ولا تتضمن أية آليات للتنفيذ. ومن جهة أخرى، أدت دبلوماسية التوسل العربية الى ان يركز بوش ضغوطه على الفلسطينيين وحدهم ويهددهم بالتراجع في مسألة قيام الدولة المؤقتة أو الانتقالية اذا لم يغيروا قيادتهم «الملطخة» بالارهاب في زعمه المريض، ويجروا الاصلاحات التي يرضى عنها في يناير 2003، بل هددهم بالتدخل العسكري، بينما يحظى شارون بالتقدير كرجل سلام في عرف بوش، الذي يبتلع من أجله المطالبات العاجلة في أبريل ومايو الماضيين بانسحاب قواته الى أوضاع 28 سبتمبر 2000، ويسلم بوش بحق اليهود في الدفاع عن النفس من خلال تصفية المقاومة الفلسطينية!! لذلك لم أعجب بالمرة لحديث وزير الاتصالات الاسرائيلي الذي أكد انه كان بامكانه ان يكتب خطاب بوش بنص كلماته ويلقيه في الكنيست فيلقى الاستحسان والتأييد!! السلبيات الكبرى في بيان بوش ـ اقترح بوش دولة فلسطينية «مؤقتة » على 42% من أراضي الضفة الغربية وغزة، مبتكراً مصطلحاً جديداً لا يعرفه القانون الدولي، وتجاهل الاشارة الى حدودها. ـ تناسى قضية القدس على الرغم من بعديها العربي والاسلامي. ـ أغفل مصير اللاجئين والنازحين الفلسطينيين. ـ اكتفى بطلب تجميد الاستيطان في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، ولم يطلب تفكيك المستوطنات، وتجاهل ان شارون قد بنى في (16) شهراً، حتى نهاية يونيو الماضي، عدد (50) مستوطنة جديدة. ـ اشترط فرض الترتيبات الأمنية مع وقف الانتفاضة الثانية قبل أي تحرك سياسي، ولم يقبل حتى تزامن العملين الأمني والسياسي، ودعا مصر والأردن الى تحمل مسئولية أمنية مباشرة في العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية. ـ لم يطلب الانسحاب الاسرائيلي من الضفة الغربية وغزة، ووقف عملية الجدار الواقي، وسمح لاسرائيل بالمضي في احتلالهما، وتدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية طالما استمرت المقاومة الوطنية. ـ أهمل المطلب العربي بارسال قوة حفظ سلام دولية، أو مراقبين دوليين أو حتى أميركيين الى الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة. ـ اعترض على حق الشعب الفلسطيني في اختيار قيادته، وتدخل في شئونه الداخلية، وطلب تغيير القيادة الفلسطينية كنقطة بداية لاجراءات التفاوض كأنه يجمد الحركة السياسية في فلسطين الى يناير 2003، وهدد بقطع المساعدات الأميركية ما لم تتغير سلطة عرفات، ودعا الدول الصناعية الكبرى الى وقف معوناتها بالمثل. ـ ربط الاجراءات العملية من جانب الاسرائيليين باتمام الاصلاحات الفلسطينية أولاً كأنه يعطى شارون سبعة أشهر جديدة ليكمل تدمير البنية التحتية للمقاومة، ومؤسسات السلطة الفلسطينية، وبناء سور الفصل العنصري والمناطق العازلة حول حدود اسرائيل في 4 يونيو 1967. ـ قبل تكريس الاحتلال الاسرائيلي للضفة وغزة، ورفض المقاومة الفلسطينية المشروعة للمستعمر، وبرر العدوان الصهيوني بأنه دفاع شرعي ضد الارهاب. ـ طالب سوريا بطرد المنظمات الفلسطينية «الارهابية» التي لجأت الى أراضيها والا استبعدت دمشق من مفاوضات السلام !! ـ لم يقدم أي جدول زمني للمفاوضات واعلان دولة فلسطين مع ان شارون أعاد احتلال كل الأراضي الفلسطينية وأعاد الأوضاع الميدانية على الأرض الى ما كانت عليه قبل ابرام اعلان المبادئ الفلسطيني/الاسرائيلي في 13 سبتمبر 1993!! ـ أهمل جورج بوش الصغير تماماً مبادرة قمة بيروت للسلام التي أصبحت اليوم مبادرة عربية واسلامية في آن واحد. ـ تناسى بوش المؤتمر الدولي أو الاقليمي للسلام، ربما نكاية في عرفات، الذي ترفضه واشنطن حتى ولو أعيد انتخابه في يناير القادم أو أدى الأمر الى اسقاطه بالقوة العسكرية الأميركية عندئذ علماً بأن المخابرات المركزية الأميركية تستكمل حالياً اعداد برنامج «كوندور» لقمع الانتفاضات الشعبية، بدءاً بالمقاومة الاسلامية الفلسطينية، اذا لزم الأمر!!. ـ أعطى بوش نفسه حق اسقاط نظام الحكم في بغداد، وتبديل عرفات، واليوم يبحث الرئيس الأميركي عن قرضاي جديد في فلسطين ليخلف عرفات، وهو تهديد حقيقي لكل نظم الحكم العربية، كما ينقض جوهر الديمقراطية وحق الشعب في اختيار قيادته. بعض الخيارات المتاحة لا يكفي ان نرفض بيان بوش، ولا يجدي ان نغضب من المراوغات الأميركية في المقابلات الرسمية والحوارات غير الحكومية مع العرب. ومن غير المفيد ان نتعلل بالنفوذ الصهيوني في البيت الأبيض وبضآلة دور الجاليات العربية والاسلامية في توجيه السياسة الخارجية الأميركية. وليس من الحكمة أو الشجاعة ان نخضع للضغوط الاقتصادية الأميركية على مصر، أو نرهب حملة واشنطن المخططة ضد السعودية التي تنتقد الأصولية الاسلامية كفلسفة متطرفة، و تضخم الهوة الثقافية بين القيم الغربية والشرقية، وتتحدث عن ضرورة مراجعة المصالح الأميركية السعودية المشتركة في مجالات البترول والأمن والاصلاح السياسي وسلام الشرق الأوسط !!! ولا يجب ـ مع ذلك ـ ان يتوقف الحوار مع واشنطن على الرغم من غياب البعد الأخلاقي عن بيان بوش، واستهانته بالعقلانية في اصلاح السلطة الفلسطينية اذ يطالب به تحت نير الاحتلال والحصار مما يعيق قطعا الانتخابات الحرة، فان حقائق العصر وتوازناته تتطلب استمرار قنوات الاتصال بالولايات المتحدة ولكن وفق استراتيجية عربية متفق عليها للتفاوض ولحماية الحقوق العربية، ودون الاقتراب فرادى من سيد البيت الأبيض الذي يعمق فرقة وانقسام العرب. كذلك ينبغي على الدول العربية، وبخاصة دول الطوق العربية، ان تجد صيغة عملية لمتابعة الاصلاحات الفلسطينية بالمشورة العربية وحدها، وحسنا فعل عرفات بضم الأمن الوقائي والشرطة والدفاع المدني الى وزارة الداخلية، ومن المفيد للغاية له ان يطلب الخبرة العربية للاصلاح المالي، والاقتصادي، وتحقيق الشفافية في الموازنة العامة بدلا من ان تفرض الولايات المتحدة الوصاية الأمنية الأميركية، والمالية الأوروبية على القيادة الفلسطينية. ان الحركة العربية المنسقة غدت ضرورية بعد ان تجاهلت قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى في كندا العدوان البربري الاسرائيلي الحالي على الضفة الغربية لنهر الأردن، والمرتقب ضد قطاع غزة، ورضى الأوروبيون بالتبعية السياسية للولايات المتحدة في أمن وسلام الشرق الأوسط، واكتفت الصين بالتأييد الدبلوماسي لحقوق الشعب الفلسطيني. ولابد من قمة قريبة لدول الطوق العربية، ومعها بعض دول العمق كالسعودية والامارات، لاتخاذ موقف مشترك ازاء مقترحات بوش، ولدعم صمود الشعب الفلسطيني عمليا في أرضه المحتلة بكاملها بالمال أساسا وبالسلاح اذا أمكن، على ان تنعقد هذه القمة فور انتهاء زيارة كولن باول القريبة للشرق الأوسط. وعلى المستوى الشعبي فان المقاطعة الاقتصادية للسلع الأميركية، والشاملة لاسرائيل غدت ضرورة أمن قومي وأداة فعالة لمحاولة تقويم السياسة الأميركية في منطقتنا من العالم، ولاستعادة قدر مناسب من المبادأة العربية في ادارة الصراع في فلسطين بعد ان اكتفينا طويلا بردود الفعل الحذرة التي تخشى تصعيد العدوان، وتتناسى ان الصراع منخفض الشدة يحتدم بين العرب واسرائيل منذ عام 1996، وأن فرص السلام في المستقبل المنظور تتراجع في شرقنا الأوسط! ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط