الاشكالية التي تواجه المحلل لخطاب الرئيس الاميركي جورج بوش حول الرؤية الاميركية للسلام في الشرق الأوسط تتمثل في الكيفية التي يقوم من خلالها بقراءة هذا الخطاب، وفي هذا الصدد نجد أمامنا عدة قراءات.. القراءة الأولى تحاول أن تحدد الايجابيات والسلبيات التي انطوى عليها هذا الخطاب، وبالتالي يتحدد موقفها أو الموقف الناتج عن هذه القراءة في تبني الايجابيات والسعي الى تعديل السلبيات، وهذه القراءة تتجاهل أن ثمة علاقة بين ما تراه من ايجابيات وسلبيات تستند الى محاولة صاحب الخطاب تحقيق قدر من التوازن تجاه من يتوجه لهم بهذا الخطاب، ومن ثم فمحاولة تعديل ما قد نراه من سلبيات يعني من وجهة نظر صاحب الخطاب والطرف الاسرائيلي الاخلال بالتوازن القائم في هذا الخطاب وفقا لرؤيتهم، ومن ثم تبدو عملية التعديل شبه مستحيلة، ناهيك عن عدم توافر الوسائل والادوات والموارد اللازمة لاحداث هذا التعديل. القراءة الثانية تستند في تحليل هذا الخطاب الى معيار محدد وهو مدى اقتراب هذا الخطاب أو ابتعاده عن الرؤية الشارونية للتسوية أو ان شئنا الدقة الرؤية الشارونية للاتسوية، والموقف الناتج عن هذه القراءة يتلخص في رفض هذا الخطاب طالما كان معبرا عن الرؤية الشارونية في جوهره، حتى لو حاول اضافة بعض العبارات أوالكلمات التي تجمل هذه الرؤية، أما اذا كانت الرؤية الاميركية من خلال هذا الخطاب بعيدة أو تختلف عن جوهر الرؤية الشارونية على الأقل نسبيا فيمكن قبولها. القراءة الثالثة تستند في تحليل خطاب بوش الى معيار آخر وهو الجديد بصدد الموقف الاميركي من القضية الفلسطينية، وبالتالي يرهق أصحاب هذا الاتجاه أنفسهم في تفسير وتمحيص كل كلمة أو عبارة يمكن أن تحمل أي دلالة يشتم منها عن تحول جديد في الموقف الاميركي من القضية حتى لو تم استنساخ هذه الدلالة خارج إطار السياق العام لهذا الخطاب. القراءة الرابعة تقوم على اساس التركيز على مدى اقتراب أو ابتعاد هذا الخطاب عن المرجعيات الأساسية لحل هذه القضية، ويرى أنصار هذه القراءة أن الخطاب وإن كان لم يدع اسرائيل الى الانسحاب الى المواقع التي كانت قائمة في 4 يونيو 1967، كما أنه تجاهل بعض القضايا الهامة كالقدس وحق العودة وغيرها إلا أنه أشار الى أن التسوية سوف تتم وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وينتج عن هذه القراءة موقف معين يتلخص في امكانية قبول الرؤية الاميركية الواردة في هذا الخطاب طالما أن التسوية في النهاية سوف تتم وفقا للمرجعيات الأساسية للتسوية، ويتناسى هؤلاء أن الرئيس الاميركي لم يتحدث عن اتفاقات أوسلو وما بعدها، كما أنه تجاهل مبدأ الأرض مقابل السلام، بل ان ثمة تحولاً واضحاً في هذا الخطاب عن هذا المبدأ. القراءة الخامسة تركز في الأساس على مدى امكانية تدويل الرؤية الاميركية الى برنامج عمل يتم تنفيذه وفقا لبرنامج زمني شبه محدد بما يؤدي الى الوصول الى تسوية للصراع العربي الاسرائيلي، ومعظم الكتابات التي استندت الى هذه القراءة وهي كتابات أمريكية وغربية، توصلت الى نتيجة مؤداها صعوبة تحويل هذه الرؤية الى برنامج عمل قابل للتنفيذ، يؤكد هذا ما جاء في جريدة الجارديان والنيويورك تايمز والواشنطن بوست مؤخرا، هذا بالاضافة الى التساؤلات التي طرحها كوفي عنان السكرتير العام للأمم المتحدة في مؤتمر صحفي بعد أن ألقى بوش خطابه. القراءة السادسة تركز على بعض القضايا الجزئية الواردة في هذا الخطاب كموضوع استمرار الرئيس عرفات في موقع القيادة من عدمه، ومسألة الدولة الفلسطينية المؤقتة، أو كيفية اجراء الانتخابات الفلسطينية في ظل الاحتلال الاسرائيلي، وهكذا يمكن ابراز العديد من القضايا الجزئية الى ما لا نهاية.. القراءة السابعة تهتم باستقرار النتائج المتوقعة بعد اطلاق بوش لخطابه على أرض الواقع، البعض يرى أنها نتائج مأساوية، لأنها تشجع القوى المتطرفة في الجانبين، والبعض يرى أن شارون سوف يوظف ما جاء في هذا الخطاب لاستكمال مخططه الدموي الارهابي الاستيطاني، الذي يقضي على أي امكانية لاقامة دولة فلسطينية، وفريق ثالث يرى أن ما جاء في الخطاب يعني تصفية القضية الفلسطينية بصورة نهائية لصالح اسرائيل. هذه القراءات المختلفة التي أمكن رصدها من خلال تحليل ما كتب بعد خطاب بوش الأخير وان اختلف مضمون نتائجها والمواقف المترتبة عليها إلا أنها تشترك في بعض الأمور أهمها ما يلي: أنها تتعامل مع الخطاب الاميركي خارج سياق التطور الذي شهدته القضية الفلسطينية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، والواقع أن هذه القضية قد شهدت تطورات هامة منذ ذلك الحين وحتى الآن، والخطاب الاميركي لا يمكن تحليله إلا في سياق هذا التطور. ان الخلفية التي تتعامل من خلالها مع الخطاب الاميركي تتمثل في الواقع الميداني الناتج عن اعادة احتلال اسرائيل للأراضي الفلسطينية، والحملة الشارونية الارهابية على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، وتغفل حقيقة هامة وهي أن شارون وبالرغم من الدمار الذي ألحقه بالبنية التحتية الفلسطينية والشعب الفلسطيني إلا أنه لم يحقق الهدف الذي وعد به الاسرائيليين وهو الأمن، في حين أن الخطاب الاميركي يركز على هذه القضية بشكل مكثف ومتكرر. جـ ـ ان الموقف الاميركي لم يعد موقف الشريك المنحاز الى طرف من أطراف الصراع كما كان الأمر من قبل، فالولايات المتحدة اليوم طرف من أطراف الصراع في اطار ما تسميه بالحرب ضد الارهاب، وهو أيضا ما يؤكده بوش في خطابه. ومن ثم فاذا ما حاولنا أن نقدم قراءة لخطاب بوش استنادا للتطور الذي شهدته القضية الفلسطينية منذ اندلاع الانتفاضة عام 2000، والى عدم تحقيق شارون لهدفه من الحملة العسكرية، والى تحول الولايات المتحدة لطرف في هذا الصراع، مع أخذ المتغيرات العالمية الجديدة في الاعتبار يمكن أن نصل الى بعض النتائج الهامة التي قد تساعدنا على فهم حقيقة ما جاء في هذا الخطاب، وما يحمله من فرص ومخاطر، وصولا الى كيفية التعامل مع الواقع القائم الآن في المنطقة. وفي هذا الصدد يمكن أن نشير الى ما يلي: نقلت الانتفاضة القتال والمعارك الى داخل اسرائيل فالجيش الاسرائيلي يمارس عملياته في الداخل وليس في الخارج كما كان الأمر في الجولات العسكرية السابقة، بل وصلت قوى المقاومة في بعض الحالات وكادت أن تصل في حالات أخرى الى توجيه ضربات الى مواقع بالغة الحساسية بالنسبة للأمن الاسرائيلي، حقيقة أن التكلفة التي دفعها الشعب الفلسطيني كانت مرتفعة جدا، إلا أن هذا لا يقلل من حقيقة التحول الاستراتيجي الناتج عن ذلك الوضع الجديد وهو ما يدركه الاسرائيليون والاميركيون بقدر أكبر من العرب، ومن ثم نجد أن بوش في خطابه يركز على ما يسميه مرة بالعنف ومرة بالقتل العمد وثالثة بالارهاب، ويربط بين تراجع أعمال المقاومة ووقفها وتطور الاعتراف بالدولة الفلسطينية والانسحاب الاسرائيلي من الأراضي الفلسطينية التي أعادت اسرائيل احتلالها. أحيت الانتفاضة الشعور القومي العربي بدرجة ملحوظة الأمر الذي أدى الى حركة شعبية عربية لدعم الانتفاضة والشعب الفلسطيني، حقيقة أن المحصلة الناتجة عن هذه الحركة محدودة، إلا أن النتائج المترتبة عليها واسعة المدى عميقة الأثر، سوف تظهر عندما تنضج الظروف الموضوعية الملائمة وهذا أيضا ما يدركه بوش والاسرائيليون، وقد دعا بوش في خطابه الى وقف التحريض وعدم تقديم المساعدة لما أسماهم بالارهابيين وحددهم بحزب الله، وحماس والجهاد، وفي مناسبة أخرى تحدث عن كتائب الأقصى التابعة لفتح. فرضت الانتفاضة نفسها على القيادة الفلسطينية ممثلة في الرئيس عرفات، فقد تعامل مع قوى المقاومة بقدر من المرونة غير المرغوبة من جانب اسرائيل والولايات المتحدة، وهو بهذا يكون قد وضع سقفا معينا لا يجب تجاوزه من جانب أي قيادة أخرى في المستقبل في التعامل مع هذه القوى طالما ظل الاحتلال الاسرائيلي قائما، لذلك اهتم بوش بمسألة تغيير القيادة الفلسطينية، واتهم شارون عرفات بدعم الارهاب، وذلك في محاولة لتغيير هذا السقف الذي أرساه عرفات قبل أن يترسخ. بالرغم من الحملة العسكرية البالغة العنف التي تعرض لها الشعب الفلسطيني من جانب آلة الحرب الاسرائيلية إلا أن هذه الحملة أخفقت في تحقيق الأمن الذي وعد به شارون الاسرائيليين، بل ازدادت حالة الخوف والهلع داخل المجتمع الاسرائيلي، بالاضافة الى التزايد المتدرج لمعارضة استمرار هذه الحملة العسكرية نظرا لأعبائها الاقتصادية الكبيرة وعدم تحقيقها لأهدافها ومن هنا كان تركيز بوش على قضية الأمن الاسرائيلي، بل محاولته الربط بين اقامة الدولة الفسطينية والاصلاحات الداخلية خاصة في قطاع الأمن، ومحاولته أن يمد مسئولية تحقيق الأمن الاسرائيلي الى الدول المجاورة. - من ناحية أخرى نتج عن تحول الولايات المتحدة الى طرف في الصراع أن طرح بوش في خطابه معادلة جديدة لتسوية الصراع تتمثل في السلام مقابل الأمن وذلك بدلا من الأرض مقابل السلام، وهي تعد بمثابة تحول خطير، لأن معناها أن اسرائيل تمنح العرب السلام مقابل أن يوفر العرب الأمن لاسرائيل، وهذا يفسر العديد من المسائل الواردة في خطاب بوش، بدعوته الى عقد اتفاقيات أمنية بين اسرائيل والدولة الفلسطينية حال قيامها وكل من مصر والأردن، بوصفهما من دول الجوار المباشرة، ودعوته لسوريا بعدم ايواء ما أسماه بالمنظمات الارهابية، ونظرته الى العراق وايران، بوصفهما من محور الشر لأنهما يمتلكان ويطوران أسلحة الدمار الشامل، وهكذا يسعى بوش الى وضع رؤيته موضع التنفيذ، من خلال تحميل الدول العربية بالتزامات للحفاظ على أمن اسرائيل مقابل أن تمنح اسرائيل السلام للعرب، وفقا لدرجة اقترابهم من تحقيق هذا الهدف، ودون تقديم أي ضمانات للعرب في الحفاظ على أمنهم المهدد تهديدا مباشرا من جانب اسرائيل ولاشك في أن هذه الرؤية التي يطرحها بوش في خطابه في هذا الصدد بالغة الخطورة بالنسبة للعرب، خاصة أنها على ما يبدو غير واضحة في ادراك صانع القرار العربي، الذي مازال يركز على الايجابيات والسلبيات والجزئيات، دون أن تتوافر رؤية استراتيجية متكاملة تكون قادرة على ابتكار الأساليب الملائمة للتعامل مع الواقع القائم الآن، بمعطياته الراهنة من أجل تغييره وتطويره بما يقلل من المخاطر ويخلق الفرص، وفي هذا الاطار نوجز فنقول أنه حتى في حالة القبول بمبدأ السلام مقابل الأمن، فإن هذا يتطلب اتفاقا دائما حول السلام وضماناته، وما يجب على الطرف الآخر أن يقدمه مقابل الأمن. ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان