يمكن وصف مجموعة الافكار والآراء التي تضمنها خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش بأنها حزمة متنافرة من النباتات البرية القاسية، بل والجارحة، التي يستحيل ان تتآلف وتنسجم لتتشكل منها باقة حل لمشكلة مستعصية كالمشكلة الفلسطينية. فالرئيس الاميركي لم يكن قاسيا ومتجنيا على القيادة الفلسطينية وحدها، التي حملها كامل المسئولية عما حدث ويحدث في فلسطين على مدى عمر الاحتلال الاسرائيلي، وانما كان اكثر قسوة على الشعب الفلسطيني كله، في الوقت الذي حرص على مخاطبة الاسرائيليين بأرق الكلمات والعبارات داعيا اياهم الى الصبر على تحمل «مكاره الفلسطينيين وأعمالهم الارهابية». ان الصورة التي رسمها الرئيس جورج بوش للصراع العربي ـ الاسرائيلي تنطوي على قدر كبير من التشويه والتضليل. فمنذ مستهل خطابه حاول ان يقدم المشكلة على شكل ثنائية مبتكرة: «يستحيل ان يعيش الاسرائيليون في رعب، كما يستحيل ان يعيش الفلسطينيون في فساد سياسي». فالاحتلال الاسرائيلي، في نظره، هو الضحية حيث يعاني من الرعب الذي يسببه له الفلسطينيون، اما الشعب الفلسطيني فمشكلته مع الفساد السياسي المتجسد في قيادته وسلطته الوطنية! الخطاب، من أوله الى آخره، يدور حول هذه الافكار والتوجهات، فهو «يتفهم الغضب والألم الشديدين اللذين يعتصران الشعب الاسرائيلي» حيث يرزح طويلا تحت وطأة الخوف والجنازات التي أرغمتهم على تحاشي الاسواق والحافلات...» الخ.. بينما «رفضت السلطة الفلسطينية يدكم الممدودة وتعاملت مع الارهابيين» وينتهي بعد ذلك الى القول مخاطبا الاسرائيليين: «اعتقد اعتقادا جازما بأنكم تحتاجون الى وجود شريك فلسطيني صالح ومسئول لتحقيق هذا الامن» لكنه يشكك في الوقت ذاته بامكانية «ازدهار الحرية في الارض الوعرة للضفة الغربية وقطاع غزة». وهو بذلك يضع الفلسطينيين دائما تحت طائلة المسئولية فيما يحدث الآن في ارضهم المحتلة، وكأن الآلة العسكرية لارييل شارون، التي ترتكب الفظائع في مختلف المناطق الفلسطينية، تقوم بمهمة انسانية عظيمة. فالرئيس جورج بوش في ثنائيته المبتكرة، رأى رعب الاسرائيليين الذي يستحيل احتماله، لكنه لم ير رعب الفلسطينيين ومعاناتهم اليومية الرهيبة، والتي لا تزال مستمرة ومتواصلة منذ ما يزيد على نصف قرن. تكرار معزوفة الارهاب في الواقع فإن التوجيهات التي برزت في خطاب الرئيس الاميركي تعتبر تكرارا لكل ما عبر عنه في رؤيته وخطبه ومواقفه السابقة حيال الصراع العربي ـ الاسرائيلي، دون ان يحمل اي جديد على الاطلاق. فالتحليل الذي يرتكز اليه الخطاب الاخير، تشكل الحرب الاميركية المفتوحة ضد الارهاب مادته الاساسية، فالادارة الاميركية تعتبر اسرائيل جزءا من هذه الحرب واحدى ادواتها الفاعلة، بينما تنظر الى المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي على انها حركة ارهابية لا تختلف عن تلك التي تسعى الولايات المتحدة الى تصنيفها بقوة السلاح. وعلى ذلك فإن ادارة الرئيس بوش، التي تقع حاليا تحت سيطرة عدد من العناصر الداعمة لاسرائيل بدون تحفظ، لم تكن في وارد اتخاذ اي قرار او تنفيذ اي اجراء عملي من شأنه ان يؤدي الى تحقيق تسوية سلمية للصراع العربي ـ الاسرائيلي في ظل استمرار الانتفاضة الفلسطينية واذا كان موقف الحكومة الاسرائيلية يقوم على اساس الرفض المطلق لأي تسوية سياسية مع الفلسطينيين، بوجود قيادة الرئيس ياسر عرفات فإن الموقف الاميركي الاسرائيلي المشترك يتلخص في منع الانتفاضة الفلسطينية من تحقيق اي انجاز يظهرها في مظهر المنتصر على الاحتلال الاسرائيلي وآلته العسكرية الضخمة بل واكثر من ذلك، فإن الادارة الاميركية ومعها الحكومة الاسرائيلية ارادتا معاقبة لا السلطة الفلسطينية وحدها، وانما الشعب الفلسطيني بأجمعه، لأنهما راهنا على الانتفاضة الشعبية لبلوغ اهدافها السياسية وهي تحقيق تقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. ـ ما الجديد في خطاب الرئيس الاميركي إذن؟ ـ الذين اعتبروا الخطاب متوازنا بنوا تقديرهم على انه يركز على قيام دولة فلسطينية ولكن بالاضافة الى ان هذه الدولة ظلت غامضة في خطاب بوش، حيث اعتبرت مؤقتة او انتقالية وليس ثمة آلية توضح كيفية قيامها، فقد اكد الرئيس الاميركي بحزم ان الولايات المتحدة لن تؤيد قيام دولة فلسطينية ما لم يشن زعماؤها حربا متواصلة على الارهابيين ويدمرون بنيتهم التحتية واضاف ان هذا يستلزم جهدا خاضعا لاشراف خارجي لاعادة بناء واصلاح الاجهزة الامنية الفلسطينية. وهو بذلك يرسم دورا معينا للولايات المتحدة او من تفوضه من اجل الاشراف على الحرب الفلسطينية «المطلوبة» ضد الارهاب الفلسطيني. ويخلص الرئيس الاميركي متوجها الى الشعب الفلسطيني بقوله: «اذا اعتنق الفلسطينيون الديمقراطية وتصدوا للفساد ورفضوا الارهاب بثبات فإن بوسعهم الاعتماد على الدعم الاميركي لقيام دولة فلسطينية مؤقتة». الدولة الفلسطينية... وشارون ولكن السؤال المهم الذي يفرض نفسه في هذا المجال هو: اين وكيف ستقوم الدولة الفلسطينية التي يعد بها الرئيس جورج بوش؟ يقول الرئيس الاميركي في خطابه «ان الحدود النهائية للدولة وعاصمتها والوجوه الاخرى لسيادتها، سيتم التفاوض عليها بين الاطراف المعنية كجزء من التسوية النهائية». وهو بذلك يحيل الفلسطينيين مرة اخرى على ارييل شارون للتفاهم معه حول ما يمكن ان يتصدق به عليهم. ولا ينسى الرئيس الأميركي ان يذكر بأن «الدول العربية عرضت مساعدتها في هذه العملية، والحاجة تدعو الى هذه المساعدة». وهنا ينبغي الاعتراف بأن الاشارة الى الوساطات العربية، ومبادرة السلام العربية التي اقرتها قمة بيروت، لم تقتصر على هذه العبارة فقط، وانما وردت فقرة اخرى في الخطاب «التوجيه» تحدد ما يتوجب على الدول العربية ان تفعله مقابل هذه «العروض السخية» وتقول هذه الفقرة حرفيا: «مع تحركنا نحو حل سلمي فمن المتوقع من الدول العربية بناء علاقات اوثق دبلوماسيا وتجاريا مع اسرائيل بمايؤدي الى تطبيع تام للعلاقات بين اسرائيل والعالم العربي بأسره» اي ان القبول الأميركي بالوساطات العربية ينبغي ان يكون ثمنه، مقدما، «تطبيع تام» مع اسرائيل، حتى من دون ان يكون هناك أي شيء بالمقابل سوى مواصلة الحرب على الفلسطينيين، بذريعة مكافحة الارهاب، كما هو الحال الآن. هل في ذلك من جديد فعلا؟ فيما يتعلق بالجدول الزمني الذي رأى فيه «المتفائلون» امرا ايجابيا وجديدا، ماذا يقول الرئيس الأميركي؟ «مع ظهور مؤسسات وقيادة فلسطينية جديدة تحقق اداء حقيقيا في مجالي الامن والاصلاح، «اتوقع» ان تستجيب اسرائيل وان تعمل من اجل اتفاق على وضع نهائي. ومع تكاتفنا جميعا في تكثيف جهدنا يمكن التوصل الى اتفاق في غضون ثلاث سنوات من الآن». هذا هو الجدول الزمني، اذن، الذي ربطه الرئيس بوش بـ «توقع» موافقة اسرائيل عليه، اذا نفذ الفلسطينيون الشروط المطلوبة منهم، واولها شن حرب اهلية ناجحة، فيما بينهم عنوانها «تصفية الارهاب». وما يمكن استنتاجه من هذا «الجدول الزمني» هو ان الرئيس جورج بوش يريد وضع الشعب الفلسطيني كله، وليس القيادة الفلسطينية وحدها، تحت التجربة والاختبار لفترة زمنية حددها مبدئيا بثلاث سنوات، حتى يستطيع بعد ذلك تقدير ما اذا كان هذا الشعب يستحق «دولة مؤقتة» كما ورد في نص الخطاب ـ ام لا! أربع ملاحظات ضرورية هناك اربع ملاحظات لابد من تسجيلها في هذا المقام: ـ الملاحظة الاولى، هي ان خطاب بوش ورؤيته الجديدة ـ القديمة يشكلان اهانة مباشرة للشعب الفلسطيني كله، واستخفافا بتضحياته العظيمة في سبيل تحقيق حريته تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة. ـ الملاحظة الثانية، هي ان الرئيس الأميركي تعمد تجهيل الفاعل في ازمة الشرق الاوسط، وحاول اظهار الفلسطينيين بصفتهم ضحية لصراع مادته الديمقراطية ونوع الاقتصاد المطلوب، وليس اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها والاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية على مدى العقود الماضية. ـ الملاحظة الثالثة: هي ان الرئيس بوش لم يطرح اي تصور لاستئناف المفاوضات السياسية بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني، لا من خلال المؤتمر الدولي، الذي تجاهل الحديث عنه كليا، ولا عبر اي وسيلة اخرى. وهذا اكتفى بالمطالبة بتغيير القيادة الفلسطينية واجراء الاصلاحات داخل السلطة الفلسطينية، وبعد ذلك لكل حادث حديث! ـ الملاحظة الرابعة، هي ان الدول العربية لا تستطيع، ولا يجوز لها ان تتصرف ازاء «المبادرة الاميركية» كمغفل يمكن ارضاؤه بأي شيء واذا كان مثل هذا التطور لا يستحق من القادة العرب عقد قمة استثنائية عاجلة، للتشاور على الاقل فيما بينهم، فمتى يجتمعون ويناقشون ويقررون؟! فالحرب الاسرائيلية على الفلسطينيين مستمرة، ولا يمكن الاكتفاء بدور المتفرج فقط لأن الحرب لا تعني سوى الذين يتلظون بنارها. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس