دخل العالم العربي بعد خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الذي ألقاه في الرابع والعشرين من شهر يونيو الماضي، مرحلة ضياع تذكرنا بتيه النبي موسى عليه السلام أربعين سنة في صحراء سيناء. لقد فقدنا بالفعل توازننا وحصرنا أنفسنا في البحث والتحليل لا في الضغط والمجابهة، وأخذنا نرتب أوضاعنا لاستيعاب الخطاب خطوة خطوة تمهيدا لتبنيه، ومن ثم الدفاع عنه، والمزايدة على محتوياته وتنفيذه بالكامل، بل وربما نذهب في تفسيراتنا له إلى أسقف لم يصلها، حتى نضمن بقاءنا خارج دائرة الانتقام الأميركي. نجلس القرفصاء في فضاء معتقلنا الكبير ونقرأ الخطاب بصوت عال. تلتف كلماته حول أعناقنا، لكننا نصر على البحث عن إبرة من الإيجابيات وسط كومة القش التي رمتها الولايات المتحدة فوقنا باسم الدولة العبرية التي تحتل فلسطين. مطلوب من كل الذين لم يقرأوا خطاب بوش أن يقرأوه حرفا حرفا، ليكتشفوا فيه كلما مروا على فقراته وعباراته وصياغاته المزيد من القيود والمطالب حتى غدا أشبه ما يكون ببرنامج سادي يتلذذ واضعوه في مراقبة حالة الهلع والفوضى التي استحوذت على الذين تلقوه في هذا الجزء من العالم. ومن القراءة الأولى نجد أن خطاب بوش وجه ضربة قاضية لاحتمال استئناف المفاوضات، وقدم لإسرائيل الغطاء اللازم لمواصلة توغلاتها واغتيالاتها وتدميرها المنهجي للسلطة الفلسطينية ولأسباب الحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة. لم تحلم إسرائيل بخطاب أفضل من هذا، فاللسان لسان بوش ولكن اليد التي كتبت الخطاب هي يد شارون. لقد تبادل الإسرائيليون الأنخاب وصفقوا كثيرا حتى احمرت أكفهم وهم متجمعون حول شاشات التليفزيون يستمعون إلى جورج بوش وهو يعرض برنامج حكومة شارون حول الدولة الفلسطينية، حتى أن «ريفلين» وزير الاتصالات الإسرائيلي وصف الرئيس الأميركي بـ «الليكودي الكبير»! النقص الأساسي في خطاب بوش أنه خال من الجداول الزمنية الملزمة، فمن الناحية السياسية يمكن لشارون أن يجلس مرتاحا «وأن يضيف إلى حزامه خرما إضافيا»، كما قال الصحفي الإسرائيلي ناحوم برنياع، فبوش لا يطالبه بشيء.. ولكن كل شيء مطلوب من الفلسطينيين الذين يجب عليهم «أولا» أن يغيروا حكومتهم وأن يرسوا قواعد الديمقراطية وسلطة القانون والاقتصاد الحر، وبعد ذلك تقوم دولة فلسطينية مؤقتة تتفاوض مع إسرائيل على حدود آمنة ومعترف بها! هل يمكن أن يحدث هذا.. ومتى؟ يرد الصحفي الإسرائيلي: بعد ظهور المسيح المنتظر! خطاب بوش خنق الدولة قبل أن تولد وقدم وصفة قتل جديدة لشارون ومنح الاستشهاديين المبرر للتكاثر.. وإلا فما معنى أن يقول في خطابه: «الولايات المتحدة لن تؤيد قيام دولة فلسطينية ما لم يشن زعماؤها حربا متواصلة على الإرهابيين ويدمروا بنيتهم التحتية»؟! وما معنى أن يقول: «السلام يتطلب قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة حتى يمكن أن تولد دولة فلسطينية»؟! شروط تعجيزية تخلق اليأس وتصر على حرمان الفلسطينيين من الأمل والهروب من الحل ومن الدولة، وتمنح شارون ضوءا شديد الاخضرار ليفعل ما يشاء. لم يكن جورج بوش هو الذي تكلم عن «دولة المراحل» وإنما آرييل شارون. عبارات شارون، كلماته، أفكاره، ترددت بكاملها على لسان الرئيس الأميركي. وكان وعده بإقامة الدولة الفلسطينية هو في الحقيقة وعدا بعدم إقامتها إلا بعد أن توافق عليها إسرائيل. شروط قاسية وضعها بوش على الفلسطينيين وحدهم بدءا من قيادة بديلة لعرفات مرورا بدستور جديد وانتخابات تشريعية وفصل للسلطات ومحاربة للفساد، وانتهاء بتعليق قيام الدولة على وقف الإرهاب ـ الفلسطيني طبعا ـ وهي إشارة إلى إطلاق يد إسرائيل لتوقفه بنفسها. ولأن الإرهاب المقصود به المقاومة الفلسطينية لن يتوقف ما دام الاحتلال يمارس توغلاته وجرائمه، فإن بإمكان شارون أن يضمن امتلاكه «الفيتو» الكفيل بتأجيل فكرة الدولة إلى أن يمنحها «فخامته» شهادة «خلو من الإرهاب»! ورغم أن الرئيس بوش دعا إلى تجميد النشاط الاستيطاني والإفراج عن أموال السلطة الفلسطينية، وانسحاب إسرائيل إلى خطوط ما قبل الانتفاضة، فإنه لم يتحدث عن تفكيك المستوطنات، كما لم يرفق طلباته بجداول زمنية، ولم يعتبرها شروطا كتلك المفروضة على الفلسطينيين. أسوأ ما في خطاب بوش أنه ترك المرجعية في يد إسرائيل، فلها الكلام الفصل في نهاية الأمر، حول ما يمكن قبوله وتطبيقه وما يجب رفضه واستثناؤه. وحتى عندما أشار الى حدود «67» والقرارين «242» و«338»، فقد أحال الاتفاق حول الانسحابات الإسرائيلية إلى مفاوضات بين الجانبين لترسيم الحدود النهائية دون تدخل من واشنطن. نعم في الخطاب غموض لكنه غموض متعمد.. غموض يقصد فيه شارون وبوش تمييع الموقف وتعويمه لمنح إسرائيل الوقت الذي تريده «لتنظيف» الضفة وغزة من «الإرهاب». وإلا ما معنى أن يقول في الفقرة التالية من خطابه: «ومع تقدمنا نحو الأمن يجب على القوات الإسرائيلية أن تنسحب إلى مواقعها قبل 28 سبتمبر عام 2000، ولابد من وقف أنشطة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة بما يتفق مع توصيات لجنة ميتشل»؟ إذ رغم ما يخيل للمرء في الوهلة الأولى من إيجابيات تعزى إلى استخدام الرئيس الأميركي عبارات مثل الانسحاب إلى مواقع ما قبل الانتفاضة ووقف انشطة الاستيطان، وذِكْر كلمة الأراضي المحتلة، فإن عبارة، «ومع تقدمنا في الأمن» مطاطة وغير مرتبطة بمواعيد محددة، وخطورتها في أن علينا أن ننتظر شارون أن يشهد بأن تقدما في الأمن قد حصل.. وهو ما لن يحصل! وحتى «وقف أنشطة الاستيطان» فإنها لا تعني وقف البناء في المستوطنات المقامة، أما الأراضي المحتلة فلم يحددها بتلك التي استولت عليها إسرائيل عام 67. كل شيء عائم عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، ولكن كل شيء محدد عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين. وبالنسبة للعرب عموما نتوقف عند فقرة في خطاب بوش تحمل رزمة من الكوارث دفعة واحدة. فقد قال: «ومع تحركنا نحو حل سلمي، فمن المتوقع من الدول العربية بناء علاقات أوثق دبلوماسيا وتجاريا مع إسرائيل بما يؤدي إلى تطبيع تام للعلاقات بين إسرائيل والعالم العربي بأسره». أي أن بوش قفز فوق المبادرة العربية التي تبنتها قمة بيروت رافضا ليس فقط مبادلة الانسحاب الكامل بالسلام الشامل، بل متبنيا بدلا من ذلك الدعوة إلى التطبيع مقابل لا شيء! وليس هذا فحسب، بل إنه يريد أن تبدأ عملية بناء العلاقات الوثيقة مع إسرائيل منذ هذه اللحظة.. أي «مع تحركنا نحو حل سلمي»، حيث أن التحرك قد انطلق عند إلقائه الخطاب! ولكن يبقى السؤال: هل الأميركيون والإسرائيليون جادون فعلا في مسألة الإصلاحات الفلسطينية، أم أنهم يشترون الوقت لتثبيت الاحتلال؟ ربما يكونون جادين، لكنهم حتما لا يريدون «دولة فلسطينية قابلة للحياة»، وإنما دولة فلسطينية لا تخرج من غرفة الإنعاش، دولة قابلة للحياة فقط على أنبوب الأوكسجين الإسرائيلي! فهم يريدون الإصلاحات التي تخدمهم لا الإصلاحات التي تخدم الشعب الفلسطيني. خطة جهنمية طويلة الأمد فيها الكثير من التعقيدات والعقبات، لكنها تسير بقوة المحرك الأميركي الذي «ينطق بلسان حكومة إسرائيل، لا بلسان دولة إسرائيل»، وهذه نقطة بالغة الأهمية أثارها يوسي ساريد زعيم حركة السلام الإسرائيلية في رسالة إلى الرئيس بوش حيث يؤكد له ساريد أن الإسرائيليين ليسوا شارون فقط وان خطة بوش جاءت تماما مثلما يفكر شارون، رغم ان الأغلبية الإسرائيلية لا ترى ذلك، كما يقول. وفيما لم يُضِعْ الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات دقيقة من وقته على أمل اللحاق بالركب الذي يكاد يتخلى عنه، يشن ساريد حملته القاسية على الرئيس الأميركي «الذي يوجد الكثير من الرؤية الأميركية في خطابه، والقليل من الواقع الشرق أوسطي. فهناك اتجاه في الخطاب ولكن ليست هناك أي خارطة.. أو طريق للتقدم ولا جدول زمني ولا آلية تنفيذ». وبحكمة تشي بتخوفه من المستقبل، عبر ساريد عن خشيته من أن «يُغْرق الواقعُ الدامي هنا ـ في فلسطين ـ خطابك بأسرع وقت ستضطر بعده إلى إلقاء خطاب آخر»! هذا الواقع الدامي هو الذي نراه قادما بخطى مسرعة عبر قنابل بشرية جديدة تدفن معها ليس فقط مراسيم «الإصلاح» اليائسة والبائسة التي بدأت تتدفق من مكتب الرئيس ياسر عرفات، وإنما «العناصر الإيجابية» في خطاب بوش، التي لا يحل موعد تطبيقها إلا في نهاية المسلسل الأميركي الممتلئ بطلبات تعجيزية نشك أن نستطيع السلطة الفلسطينية تلبيتها، وإذا لبتها فإن حكومة إسرائيل لن تمنحها شهادة النجاح! يأتي ساريد ليكرر على مسامع بوش ما كان قد سبقه إليه الوزير الفرنسي هوبير فدرين الذي أسهب في الحديث عن سذاجة السياسة الخارجية للدولة الأعظم متسببا في أزمة دبلوماسية بين باريس وواشنطن. لكن الرئيس الأميركي يتصرف هذه الأيام وكأنه يملك كل ما يريد من الوقت، أما نحن فلسنا مثله لأن لحومنا هي التي تحترق ودمنا هو الذي ينزف.. ولعل ساريد قد عرف كيف يشرّح خطاب بوش المأساوي الذي لم يشر فيه إلى المبادرة العربية ولا إلى خطة كلينتون ولا حتى إلى المؤتمر الدولي الذي كان يلح عليه قبل أسابيع. غير أن المستوطنات ما زالت تظهر كل يوم كفطر سام.. «ومن مثلك يا فخامة الرئيس» كما قال له ساريد «يجب أن يعرف أنه مع كل هذه المستوطنات لن نتوصل إلى أي تسوية مع الفلسطينيين». وعلى ضوء ما تقدم يقفز إلى الذهن سؤال مهم حول ما تراه حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وحركة الجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة «فتح». ففي الوقت الذي لم تبدل فيه فصائل الاستشهاديين مواقفها معلنة أن العمليات الاستشهادية ستتواصل ما دامت إسرائيل تقتل الفلسطينيين وتستبيح أراضيهم وممتلكاتهم، يخوض شارون معركة بلا هوادة معلنا عن حرب واسعة ضد «حماس» في غزة. ويبدو أن لسان حاله يقول إنه إذا لم يكن هناك بد من دولة فلسطينية فلتكن دولة نفصلها كما نشاء وننظفها كما نشاء.. دولة بلا فصائل ولا منظمات، دولة بلا جيش ولا سياسة خارجية، دولة ذات مساحة صغيرة محاطة بالإسرائيليين من كل صوب، دولة بلا أحشاء.. دولة بلا دولة. وإذا ما استمرت الحالة الراهنة كما هي، ولم تطرأ تعديلات جذرية على مواقف العرب والأوروبيين والروس والصينيين، فإن صورة المستقبل تبدو قاتمة تماما، فالرئيس بوش لم يتردد في تهديد السلطة الفلسطينية بقطع المعونات المالية التي تقدمها لها الولايات المتحدة والضغط على الأوروبيين لفعل الشيء نفسه إذا لم تأت الإصلاحات التي بدأها الرئيس عرفات على هواه، وإذا لم تثبت له السلطة أنها تحارب «الإرهاب» فعلا لا قولا. كذلك لم يتردد حتى في التلويح بالخيار العسكري، وكأن ما تفعله إسرائيل الآن من تنكيل بالمؤسسات الفلسطينية، هو خيار سلمي. ومع أنه لم يتضح إن كان بوش يعني استعداد الولايات المتحدة لإرسال قوات من جانبها للعمل ضد الفلسطينيين، أم أنه سيكتفي بدعوة شارون إلى تصعيد حربه عليهم، فإن مجرد الانتقال إلى هذه المرحلة من إعلان النوايا، يصيب التوافق الدولي في مقتل، ويقدم نموذجا متطرفا من الحالة الاستعلائية التي تتصرف بها الولايات المتحدة والتي تشجع إسرائيل على المزيد والمزيد من القتل والتدمير وترهيب الجوار العربي، بل والأمة العربية كلها. وعندما قررت الدول الصناعية الثماني الكبرى التي تضم أهم الدول الأوروبية واليابان وروسيا رفض دعوة بوش لإقصاء الرئيس عرفات، فإنها تكون قد اتخذت خطوة مهمة في مواجهة الولايات المتحدة التي سعى رئيسها إلى إقناع تلك الدول بتبني خطابه حول الشرق الأوسط، لكن تلك الخطوة لا تكفي إطلاقا للضغط على الأميركيين أو الإسرائيليين، إذ يجب أن تتبعها خطوات أهم وإلا فإن مشروع إخضاع الفلسطينيين، وبعدهم بقية العرب، سيسير قدما دون عوائق.أ ما المؤتمر الوزاري الإسلامي الذي انعقد في الخرطوم مؤخراً وقرر دعم عرفات والتمسك به قائدا للشعب الفلسطيني، فقد وجد في الهروب من الإشارة إلى خطاب بوش أفضل سبيل للتخلص من مواجهة مع أميركا، فجاء وقوفه هذا على «الحياد» دليلا إضافيا على ضعف الموقفين العربي والإسلامي، وهو ما سيدفع واشنطن إلى المضي قدما في تنفيذ رؤيتها الكارثية لمستقبل فلسطين. ولا نبالغ إذا قلنا إن شارون قتل اتفاقية أوسلو فيما عمل بوش على دفنها، وكل ذلك يجري تحت يافطة الحملة الأميركية على «الإرهاب» مما أدى إلى عملية فرز ظالمة للمقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال الإسرائيلي واحتسابها ذراعا من أذرع الإرهاب في العالم. لذلك لن تؤدي سياسة الولايات المتحدة الا إلى تصعيد التوتر وإلى خلق جيل من الاستشهاديين لا يستبعد أن نراهم يتكاثرون كما الخلايا في المستقبل غير البعيد، وأن ينتشروا خارج إطار الجغرافيا الفلسطينية. وفي هذه الحالة ستتحمل إسرائيل وقبلها الولايات المتحدة مسئولية الانفجارات الكبرى التي ستخلفها سياساتهما المجنونة. ـ مدير تحرير الوطن القطرية