«ان الاستقلال السياسي مهما تعزز يظل ناقصا ما لم يواكبه تحرر ثقافي يبني مستقبل الامة على حاضرها دون تعصب ويركز على ماضيها دون انغلاق، ويساهم في بناء الحضارة الانسانية برافد متميز له نكهته ومذاقه». هذا ما اجمع عليه فقهاء وعلماء شريعة واكاديميون ومفكرون ورجال صحافة واعلام خلال الندوة التي عقدها المركز الاردني للدراسات والمعلومات تحت عنوان «فلسفة التأريخ وهويتنا الحضارية». ذهب المشاركون في الندوة الى ان هيبة الامم واستقلالها تتمثل في تحرير كيانها الثقافي والاعتزاز بهويتها وخصوصيتها الثقافية، ضاربين العديد من الامثلة لدول حققت استقلالها السياسي ودفعت مئات الآلاف من خيرة ابنائها ثمنا لذلك الاستقلال الذي ظل منقوصا ومشوها لانه فقد جانبه الثقافي، حيث خرج المستعمر في زيه العسكري ولكنه بقي فيها وترسخ في ثوبه الثقافي يمسخ الهوية ويشوه التأريخ ويشكك في الانتماء ويكرس التبعية.ولان التأريخ من اهم مكونات الهوية الحضارية للامة ولاستقلالها الثقافي، ولانه يقيس الزمن ويؤرخ للاحداث، وبه تسجل وقائع الشعوب والأقوام ـ ولذلك اعتمدت الامم المختلفة على مدار تاريخ الانسانية الطويل احداثا مميزة للتأريخ بها واختارت كل امة ما رأته مهما في تاريخها من الاحداث للتأريخ به، وهكذا عرفت البشرية عدة تواريخ او تقاويم. من اجل ذلك كله دعا المشاركون في الندوة الى ايجاد تأريخ شمسي جديد خاص بالمسلمين كما كان الامر عليه ايام الدولة العثمانية. وأوضح المشاركون انه وعلى الرغم من ان التأريخ الميلادي الذي يجري العمل به اليوم في معظم الدول يتخذ من ميلاد سيدنا عيسى عليه السلام، بداية له باعتبار ان مولده يمثل معجزة من معجزات الله سبحانه وتعالى، فان معظم شهور ذلك التقويم تمجد عددا من اباطرة الرومان وآلهتهم الوثنية، وهو الامر الذي يتناقض مع اساسيات الدين وثوابت العقيدة ويصطدم مع متطلبات الوحدانية. واضاف هؤلاء بان وفاة رسول الله عليه السلام هي من الاحداث التي لا يرقى اليها حدث في تأريخ الانسانية من حيث كونها الحدث الذي به انقطعت صلة السماء بالارض، والحدث الذي انتهت به مرحلة الرسل والانبياء، والحدث الذي مثل خطا فاصلا بين تلك المرحلة وما يليها من مراحل في تاريخ البشرية، فبوفاته عليه السلام اختتمت الرسالات والنبوات وانقطع الوحي واكتمل الدين وتمت النعمة ورضي الله الاسلام دينا للبشرية «اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا»، مشيرين الى انه ليس من حدث في تاريخ البشرية يرقى الى مثل هذا الحدث الذي قرنه سبحانه وتعالى بهذه الامور الاساسية في حياة المجتمع البشري عامة والمجتمع الاسلامي على وجه الخصوص. وعلى الرغم من ان للمسلمين تأريخهم وتقويمهم الاسلامي القمري وهو التأريخ الهجري الذي يؤرخ للاحداث ببداية الهجرة الى المدينة المنورة وتأسيس الدولة الاسلامية وبزوغ شمسها في يثرب فيما ترتبط شهوره ببعض اركان الاسلام وشعائره، الا ان المشاركين في الندوة أشاروا في المقابل الى الطبيعة الدوارة لذلك التقويم، وان ارتباط الامة الاسلامية بعلاقات اقتصادية وسياسية مع غيرها من الامم يجعل من الضروري ان يكون للمسلمين تقويمهم الشمسي الخاص بهم فبايجاد هذا التأريخ فانه سيعتبر وسيلة من وسائل تأكيد هويتنا والاعتزاز بذاتنا مؤكدين على خطورة ان يتقبل العالم الاسلامي مظاهر الذوبان التي تهدد هويتنا الحضارية، مؤكدين على ان الهوية ليست شكلا ولكنها رمز للمعاني الكبيرة التي يجب ان تكون حافزا في فكرنا وسلوكنا بالاخر، مؤكدين على ان التأريخ هو احد الرموز الاسلامية المهمة والمتعلق بوضع بديل حضاري للتقويم الغربي الذي لا يحترم خصوصيات الاخرين وشخصيتهم الحضارية. ونوه هؤلاء على اهمية التأريخ باعتباره رمزا للهوية لدى جميع الشعوب ومظهرا من مظاهر الشخصية المستقلة التي يراد لها ان تذوب عن طريق العولمة والتغريب. وقالوا ان تعميم التأريخ الغربي والايعاز بأنه تأريخ روماني لا يكتسب من المسيحية الا اسمها قد نتجت عن اعتماده عدد من المشكلات المرتبطة بتشتت هوية الامة وذاكرتها التأريخية، واذابتها تاريخيا على المستوى الثقافي فيما يسمى بالثقافة العالمية التي هي في نهاية الأمر تجذير لنظرة احادية لقوة تريد السيطرة على الامم والشعوب. وأوضح المشاركون في الندوة ان للامة الاسلامية احداثا واياما يمكن ان تتخذ منطلقا للتأريخ الاسلامي وقد ذكر منها المشاركون مولد الرسول صلى الله عليه وسلم واحداثا كبرى في حياته، بالاضافة الى اكتمال الدين، وختم النبوة بوفاته صلى الله عليه وسلم، ولكن الأغلب والأعم والاشمل لكل تلك الاحداث الكبرى هو اكتمال الدين وختم النبوة الذي يسجل الحد الفاصل بين عصر النبوات وما بعد عصر النبوات، ليترك الانسان بعدها حرا في اختيار احد النجدين والاهتداء الى احد السبيلين الخير او الشر. ومع تأكيد المشاركين على اهمية التقويم القمري الذي يحدد مناسباتنا الدينية فانهم يرون ضرورة اعتماد تقويم شمسي خاص بالامة الاسلامية يعبر عن ثقافتها ويؤكد هويتها كما كان الحال ايام الدولة العثمانية التي اعتمدت تقويما شمسيا لمعاملاتها المالية، من جهته قدم الكاتب والصحفي الاردني ابراهيم العجلوني ورقة جاء فيها ان التأريخ، لغة هو التوقيت وارخ الكتاب وارخه وقته، وان نؤرخ لشعب او لأمة: معناه ان نفتح سجلا نوقت فيه الاحداث التي شهدتها في مسار الزمان، بحسب ما نعلم من ذلك في ضوء ما توافر لدينا من مصادر ووثائق ومراجع. وعلى قلة ما بين ايدي الباحثين من دلائل على الأسباب الحقيقية التي تجعل حادثة ما، طبيعية او انسانية، مبدأ للتأريخ في هذه الامة او تلك، الا ان مما لا مشاحة فيه ان تلك الحادثة لابد ان تكون مما يتعاظمه البشر ومما يكون ذا أثر بالغ في حياتهم، كأن يكون زلزالا مدمرا، او طوفانا، او ظاهرة فلكية، او انتصارا مدويا، او هزيمة كاسحة، او نبوة هادية، اوما غيرها من جليل الاحداث التي تصلح ان تكون مبتدأ للتأريخ. وتابع قائلا انه من تحصيل الحاصل في ضوء هذا المدخل العام، ان يكون لكل امة في الارض تأريخ خاص بها، منظور فيه الى ما تراه هي اساسا لوجودها ومناطا لحضورها من مثل تلك الاحداث التي أشرنا اليها آنفا، وان يكون لذلك التأريخ ما يميزه بالضرورة عن كل تأريخ، تماما كما تختلف الألسنة والأمكنة بين البشر، وكما تختلف بهم الملل والنحل والثقافات. وهيأ الله سبحانه وتعالى للانسان، من نظم الكون وايقاعاته، وما يتوافر من ظواهره، ما مكنه به من التأريخ على النحو الذي يوائم حاجاته النفسية ودواعيه الاجتماعية وغاياته العملية. مستشهدا بقوله سبحانه وتعالى: «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا»، وبقوله جل وعلا: «هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك الا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون». كما يقول تعالى: «ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض»، ويقول جل من قائل: «وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن اراد أن يذكر أو أراد شكورا». كما يقول سبحانه: «فالق الاصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا «أي حسابا للأوقات» ذلك تقدير العزيز العليم». ويضيف ان تلك كلها شروط كونية لتأريخ وقائع وجود الأمم الانسانية التي جعل الله لكل منها شرعة ومنهاجا، وأرسل لها رسلا أقتت بمواقيتها، وجعل لها اياما تتداولها وتواريخ تهيج فيها ثم تغدو هشيما تذروه الرياح او تسلك سبل ربها جددا، وتمخر زمانها رهوا، ويكون باسم الله مجراها ومرساها. ويؤكد انه اذا ما كان من معنى عام نخلص اليه مما سبق فهو تلك الأهمية البالغة لمسألة التأريخ، وضرورة ان ننتهي فيها الى قول فصل لا يكون امرنا بعده غمة علينا سواء تعلق ذلك بالعولمة الاستعمارية التي تريد تنميط ثقافات الشعوب، وأساليب تفكيرها، وأذواقها، توطئة لسوقها الى ما يحقق مآرب هذه العولمة وأطماعها، ام نعلق بعقدة المركزية الاوروبية او الغربية التي تحكم بدوران تاريخ البشرية حول مركز واحد هو مستراد وعيها لا مستراد غيره، وهو مشرقها ومغربها على حين جعل الله للشمس مشارق ومغارب لا تحصى، وهو محط رحالها الأخير، ام تعلق بما وراء ذلك من أوهام الفلاسفة وتحكماتهم التي تسول لهم الغاء دورات حضارية متعاقبة وحذف تجارب للأمم وتواريخ في سبيل مواطأة مضحكة مع أماني أهل عرق من الأعراق او لسان من الألسنة، او مع افتراض ذهني خالص على نحو ما وقع فيه الفيلسوف الألماني «هيغل» حين استقر به هواه على ان الامم الجرمانية هي وحدها التي ارتفعت الى وعي حقيقة «ان الانسان حر بما هو انسان»، وان حرية الروح هي الطبيعة الخاصة «الجوهرية» بكل انسان بما هو انسان»، وان الروح المطلق قد تجلى من خلال شخصية نابليون، الذي اتيح له ان يراه من شرفته ممتطيا جواده، وغير ذلك من خزعبلات. ولا ينكر العجلوني على احد في الارض حقه في التأريخ الذاتي لهذا العالم الذي نعمره ظالمين ومظلومين، ولكنه في المقابل يطالبه في الوقت نفسه بحقنا الذاتي في التأريخ الموضوعي لهذا العالم، وفي ان نقيم هذا التأريخ في سياقه الحق من حيث هو علم واعتبار في آن، او من حيث هو علم خليق بأن يكون من علوم الحكمة وان يكون معرقا فيها ومؤصلا تأصيلا. وعموما يشير العجلوني الى ان الموضوعية التي يريدها تلك التي تفرق بين الخبر والاسطورة، او بين العلم الحق و«أساطير الاولين»، وهي التي تدفع الى التماس «الواقعة الكبرى» التي تصلح ان تكون هي اساس التأريخ للامة العربية الاسلامية، تماما كما كان من الفاروق عمر بن الخطاب، من قبل حين اتخذ الهجرة النبوية الى المدينة، «حيث تم تأسيس المجتمع الايماني الاول» بداية للتأريخ الاسلامي، وكما هو الأمر ـ بآخرة ـ مع المقترح الليبي باتخاذ وفاة الرسول الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه منطلقا لتأريخ شمسي مسامت للتأريخ الميلادي الغربي بصفة تلك الوفاة ختما للنبوة واكتمالا للدين وانعطافة محورية في تاريخ بني الانسان جميعاً. واشار الى ان البيان الختامي لندوة «التأريخ الاسلامي وأزمة الهوية» التي عقدت بطرابلس قبل سنتين، كان قد اشتمل على وجهة نظر ذات أهمية خاصة في مسألة التقويم التأريخي هذه، وان مما أبرزه ذلك البيان ان في تعميم التأريخ الافرنجي واعتماده تقويما عالميا وحيدا، تغييبا لكثير من خصوصيات الامم والشعوب وان اعتمادنا على هذا التقويم يشتت ذاكرتنا التاريخية ويحول دون استمساكنا بهويتنا العربية الاسلامية، ويذيب ثقافتنا فيما يسمى بالثقافة العالمية التي هي في نهاية الامر تجذير لنظرة احادية مستعلية تريد لتبسط نفوذ الغرب على العالم وتطمس حضاراته، وان اكتمال الدين وختم النبوة يسجلان حدا فاصلا بين عصر النبوات وما بعده من عصور، حيث يترك للانسان ان يكون حرا في اختيار احد النجدين، وسلوك احد السبيلين، وان يتولى خلافة الارض بما انعم الله به عليه من دين جامع، وما خوله من مسئولية كونية، وما شرفه به من رسالة خالدة. وجدد القول انه مما لا ريب فيه ان مثل هذا المقترح الليبي هو عمل من اعمال تأصيل الهوية الحضارية ودليل على ما تتوق اليه الامة من امتلاك ملامحها واجتياز سماتها وتأكيد دورها في قيادة البشرية، وهو اذ يستبقي للتقويم الهجري القمري حضوره العريق ذا الدلالة، يقيم الى جانبه تقويما شمسيا يبتديء من وفاة الرسول الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، اي انه اذ يستبقي الاصيل المطرد من تأريخنا فانه يؤصل الى جانبه جديدا يعود بنا عن مضاهاة الآخرين والذوبان فيهم، وان كنا نوازي ـ لغايات البقاء فاعلين في العالم ـ بين تأريخنا وتأريخهم، ونثبت في آن معا تأريخ الهجرة وتأريخ الوفاة المحمدية وتأريخ ميلاد المسيح. وفي اية حال فان العجلوني يشدد على ان هذه الخطوة التي لا تنفي تأريخ الآخر، تقدم الذات العربية الاسلامية في مسارين متلازمين: احدهما ارضي زمني يتعلق بقيام اول مجتمع ايماني في الجزيرة العربية، وثانيهما: كوني رسالي يتعلق بآخر ما أنزل الله من وحي الى البشر، وبآخر دين وخاتم النبيين، وليس يخفي ما بين التأريخين من وشيجة، ولا ما يتمتعان به من كونهما ظرفين تقوم في اولهما قواعد الحضارة وتقوم في الثاني قواعد الايمان.. وتنشأ في ظلال الاول المدينة الاسلامية، وتنبعث في ظل الثاني الرسالة وتتكامل عناصر الخطاب الموجه الى الانسان في كل زمان ومكان. واذا كانت هذه انعطافة نحو مقتضى من مقتضيات التأريخ وهو «التقويم» بما هو ظرف زمني لحركة الانسان في الوجود، فان وعي قوانين هذه الحركة «بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار» كما يقول ابن خلدون في مقدمته هو وحده الذي يحول بين التأريخ وبين ان يكون مطية الملبسين وذريعة العابثين. ولنا ان نتصور ركاما من الدواعي «الخفية والظاهرة» التي تدفع شخصا مثل «صموئيل هنتنغتون» الى الخروج بنظريته عن صراع الحضارات، او التي تدفع شخصا آخر مثل «فرانسيس فوكوياما» الى المناداة بتوقف التأريخ عند اللحظة الليبرالية الامبريالية التي تمثلها العولمة العسكرية، ولكننا لن نخرج بها في الجملة، عن غلبة الهوى على معيار الحكمة، وعن القصور عن فهم طبائع الكائنات، وعن تنكب تحكيم النظر والبصيرة في الاخبار، وان في ذلك لتوكيدا لحاجة كل من هذين المتفلسفين الى التلميذة المتأدبة في مدرسة ابن خلدون، والى ان يتعلما اخلاق المؤرخ الحق كيف تكون ان استطاعا الى ذلك سبيلا، كما ان فيه توكيدا لحاجة العالم اجمع ـ واول ذلك الغرب السادر ـ الى المنجز المعرفي والأخلاقي في الاسلام، من لدن بزوغ فجر هذا الدين وقيام مجتمعه الاول واكتمال خطابه.. الى هذه اللحظة من الزمان.