اصبح مصير الرئيس الفلسطيني في مهب الريح، فالخطاب الذي ألقاه الرئيس جورج بوش وحدد فيه رؤيته للسلام في المنطقة عكس موقفا أميركيا متشددا تجاه الرئيس عرفات والعديد من الرموز الفلسطينية الاخرى. صحيح أن بعض المسئولين والكتاب العرب حاولوا تفسير خطاب بوش على غير مقصده، وراحوا يروجون لمقولات تزعم أن الرئيس الاميركي لا يقصد ابعاد عرفات وانما احداث حركة تغييرات في السلطة، إلا ان بوش كان صريحا الى درجة «الوقاحة» في قمة الدول الصناعية التي عقدت مؤخرا في كندا. لقد قال الرئيس الاميركي دون خجل انه لا يستبعد القيام بعملية عسكرية ضد السلطة الفلسطينية حتي يرغمها على اجراء اصلاحات هيكلية في جميع المجالات. ولم ينس الرئيس الديمقراطي جدا ان يطالب الشعب الفلسطيني بعدم انتخاب عرفات مرة أخرى في الانتخابات المقبلة، وهكذا حسم الرئيس بوش الامر وكشف النقاب عن نواياه الحقيقية تجاه السلطة الفلسطينية ورئيسها، الامر الذي دفع كولن باول وزير الخارجية الى التراجع عن تصريح سابق قال فيه ان بلاده مستعدة للتعامل مع عرفات اذا جرى انتخابه مرة اخرى، ليعود الى القول بانه قرر تجميد عرفات ووقف الاتصالات الاميركية معه، وانه بدأ في اجراء اتصالات مع بدائل له. اذن واشنطن اسقطت ورقة عرفات من حساباتها، ويبدو انها أقنعت ايضا العديد من الاطراف العربية، بالتخلي عنه وتقديم النصيحه إليه بمغادرة الاراضي الفلسطينية واعتزال العمل السياسي وإلا فإن القتل سيكون من نصيبه. والغريب ان العديد من كبار المسئولين العرب كانوا يروجون للوعد الاميركي الزائف الذي يقول اذا أردنا دولة فلسطينية وانهاء للنزاع فليتخلى عرفات عن منصبه، وليضحي من اجل فلسطين. وهكذا راحت الساحة العربية السياسية والاعلامية تشهد جدلا كبيرا بين تيارين، احدهما يتبني نظرية الكرسي والآخر يتبني نظرية الدولة. ويرى اصحاب نظرية الكرسي، ان تدخل واشنطن في الشئون الداخلية الفلسطينية الى حد المطالبة بعزل عرفات كشرط لاقامة الدولة لا يعني سوى الخداع، فالهدف هو تعميم نموذج اسقاط طالبان، بحيث يجري تطبيقه في العديد من المناطق الاخرى. من هنا تبدو اهمية الرفض الفلسطيني والعربي لإبعاد عرفات من موقع القيادة عبر عملية الاسقاط الجديدة «بالمارينز» السياسي والعسكري وبقرار خارجي اميركي ـ صهيوني.. ذلك ان الذين سيوافقون على هذا القرار بغض النظر عن رؤيتهم وتحفظاتهم على الرئيس ياسر عرفات يفتحون الباب بذلك واسعا امام تغييرات اخرى مقبلة في الطريق وبذات النهج وتحت يافطة ذات المزاعم.. الديمقراطية.. الارهاب.. اما اصحاب نظرية الدولة فهؤلاء ينتمون الى فصيل يؤمن بما يسمي بضرورات الرضوخ للامر الواقع في ظل القوة الكونية الواحدة التي تحكم وتتحكم.. وهؤلاء يغزلون الوهم في كلمات منمقة هم اول من يدركون بأنها تحمل احلاما كاذبة فلا الدولة ستتحقق بمجرد اسقاط عرفات، ولا القادم بديلا يمكن ان يلزم اميركا واسرائيل بتنفيذ الوعد الذي قطعة الرئيس بوش على نفسه باقامة هذه الدولة المؤقتة المنعدمة الحدود والسيادة والهوية وهكذا نجحت اميركا في ان تلقي بالكرة في الملعب العربي فتحول الصراع بذلك الى صراع داخلي حول عرفات، في وقت لا تتوقف فيه الآلة العسكرية الصهيونية عن القتل والابادة والتهجير.. ترى متى يعود العرب الى رشدهم ويدركون ان وعود واشنطن هدفها منح اسرائيل فرصة جديدة لتنفيذ مخططها، وان اكبر خطأ ترتكبه الامة في الوقت الراهن هو الانخراط تدر يجيا في المخطط بالتأييد أو الصمت، بالفعل أو السكوت.