في يوم الجمعة 21 يونيو الماضي، انتقلت الى رحمة الله تعالى الشيخة سلوى صباح الأحمد الجابر وعمرها 49 سنة، قضتها في أعمال الخير والعطاء، عرفتها من أربعين سنة، روعتها في جودها، وهمتها في العطاء، عشقت الحياة في جمالها الانساني، وتفاعلت مع هذا الجمال، لا تضيع وقتاً بلا عمل، روحها عالية حتى في لحظات الألم، كانت عالية في تعاملها مع المرض، وعالية في عزمها على هزيمته، لكنها ارادة الله، ولا راد لقضائه، وذهبت في يوم اجلها المحتوم. اصابنا الحزن جميعاً، وتحمل والدها الشيخ صباح الأحمد العزاء بإيمان المؤمن بإرادة الخالق، الممتثل لقضائه، متأثراً بالمشاعر الفياضة التي أحاطت به من قبل أهل الكويت قاطبة، رأيتهم في يوم الدفن وشاهدتهم أفواجاً في ديوان العزاء. وصدق الشيخ صباح في كلمته التي وجهها الى شعب الكويت شاكراً ومقدراً، عندما قال بأن أهل الكويت جميعاً شعبي وأهلي وعائلتي، لأنه رأى بعينيه ولمس بحواسه الوقفة المتفاعلة والمتألمة لمصابه الجلل. وجاءت الصدف ان يتم استجواب د. يوسف الابراهيم وزير المالية الكويتي في اليوم الثالث للعزاء، في مبنى آخر لم يتأثر بقواعد العزاء، وجاءت مداولاته بشيء لا يستقيم مع حالة الوحدة العزائية التي شهدها ديوان الصباح. لابد من استخلاص بعض الملاحظات من مشاركة اهل الكويت، ولمدة ثلاثة ايام متواصلة بتقديم العزاء للعائلة الكريمة، وللشيخ صباح الأحمد بالذات.. كنت أراقب الأعداد الضخمة التي توافدت على ديوان الصباح، في مشاركة جماهيرية ضخمة تضع خطوط التأكيد تحت الاشارات التالية: اولاً: لا جدال في أن هذا الحشد الضخم يعبر عن المكانة العالية التي تتمتع بها عائلة الصباح، وبالذات اهل النظام، وعلى رأسهم الأمير جابر الأحمد الصباح، وأقرب مساعديه، ومن أبرزهم الشيخ صباح في الضمير الكويتي لدى أهل الكويت قاطبة، ولدى الذين جاءوا ليشاركوا الاحزان ويلبوا دعوة واجب العزاء، وهذه المكانة العالية ليست وليدة مناسبات وانما صنيعة قناعات تاريخية، ومن الصدف وحدها ان تبرز بهذه القوة في الوقت نفسه الذي يتجادل اعضاء مجلس الامة حول احقية الدكتور يوسف الابراهيم في منصبه، مع ما احتوته لائحة المداخلات من نقد واستخفاف بالحكومة ومسيرتها. ثانياً: لاحظت شخصياً ان مكانة اهل النظام العالية جماعية وشمولية، بمعنى ان المشاعر تجاه العائلة في العزاء حصيلة اجماع كويتي متكامل، حيث شاهدت رجال الكويت وشبابها، ورجال الدين من مختلف المذاهب، بعضهم بالعمائم السوداء، وبعضهم بلون اخر، اتوا متفاعلين مع الحدث ومساندين الاسرة في مشاعرهم وفزعتهم. ثالثا: تجسد تلك الحالة شعورا عاماً بالاطمئنان بحكمة القيادة في الحفاظ على السلامة الكويتية، بصرف النظر عن حصيلة الاستجواب ومرارة العبارات وازعاج المداخلات، وهو شعور بأن الذين يتحدثون في البرلمان يعبرون عن آرائهم الشخصية ولا علاقة لها بالمزاج الشعبي العام، ويمثلون انفسهم وليسوا بالضرورة حملة هموم شعبية. ومع صدور هذا المقال، يحسم البرلمان الكويتي المصير السياسي للدكتور يوسف الابراهيم الذي لا تستهويه السياسة لانه استاذ اقتصاد في الجامعة، معروف بخبرته الفنية، ولم يدخل الوزارة لموقفه السياسي، واعتقد أنه لا يحزن على الابتعاد عن مستنقعات السياسة، ولكن الواقع الذي لا يمكن تجاهله ان استجواب وزير المالية الكويتي افرز حالات غيرمسبوقة في تاريخ الكويت، وهي حالات ليست مريحة، ولا بد من التعامل معها بصراحة قبل استفحالها.. ومن هذه الحالات على سبيل المثال وليس الحصر اسجل ما يلي: ـ لأول مرة في تاريخ الكويت تدخل فواصل التقسيم الاجتماعي في المشهد السياسي الكويتي من خلال المصطلحات التي تم توظيفها في الندوات.. التي تشكل الصالونات السياسية الكويتية والتي يعتبرها الكثيرون من أهل الكويت ضياعاً للوقت وعائقا نحو التطور. حيث صور الذين يدافعون عن الوزير بأنهم الجماعة النخبوية التي انحصرت فيها القوة والنفوذ والامتيازات، وقدمت هذه الحالة النخبوية وكأنها خصم للشعب الكويتي، وغير مبالية بهمومه، ولا تتحسس احتياجاته، وهمومها فوقية غير معبرة عن جراح الشعب. والملاحظ ان الندوات المثيرة تقع في المناطق الشعبية ـ كما يطلقون عليها ـ خارج دائرة الليبرالية التقليدية، وتتخللها تعبيرات تحريضية دخيلة على المصطلحات المعتادة. ـ احتكرت المجموعة الشعبوية المبادرات والندوات المعتادة في جهودها لشحن الأجواء وتأزيم المناخ السياسي حيث شعرت بأننا في مشهد موقعة سياسية عنيفة رسمت خطوطاً بين المؤيد والمعارض، رافقها فرض الشروط لتحقيق المزيد من الامتيازات للمواطن مثل زيادة علاوة الأولاد، وتخفيض الاقتطاع في قروض الاسكان من 15% الى 10%، على حساب المال العام الذي يدعي الجميع الحفاظ عليه. ـ لا جدال بأن هيبة القانون وسيادته، ومنطق الحقوق، والتصرف المنطقي في سلوكيات الدولة، لم يعطها المعارضون نصيبها من الاعتبار، وقد شاهدت البث التلفزيوني للجلسة الطويلة، ولاحظت برود أعصاب الوزير امام الاستفزاز اللفظي الذي يكشف استراتيجية المستجوبين في اثارة الوزير. ولم يغب عن البال غياب الحكومة عن شرح الحقائق للرأي العام، واعتكافها عن التحاور مع الذين يريدون الاستماع الى الحقائق بالاتصال المباشر، لان البيان الطويل الذي قرأه الوزير الابراهيم داخل البرلمان غير كاف للوصول الى قناعات الناس، ولابد من كسر الاحتكار الجماهيري، بندوات مماثلة وبتصريحات متلاحقة مدعومة بالأرقام بدلا من ترك الزخم الشارعي لجماعة الاستجواب. وقد لاحظ أهل الكويت الابتعاد الرسمي عن توظيف الصالونات السياسية للرد على مداخلات المعارضة. ـ إن أهم ما تملكه الدولة في ممارستها للمسئوليات هي الحفاظ على سيادة القانون فيها، بينما الشيء المثير للعجب في الكويت هو التسابق على تقويض الهيبة وخرق القانون، ممثلا في المخالفات المستمرة على حساب الصالح العام، ومنها بروز ما يسمى بالممارسات التي ولدت نواب الخدمات، وهي ليست خدمات وإنما في الواقع مخالفات مضرة بالصالح العام. كيف تحمي الكويت نفسها من الواقع المتأزم الذي تعيشه بسبب هذا التماس السياسي المستمر بين الحكومة والبرلمان؟.. يقول أحد النواب السابقين في البرلمان الكويتي ما يلي: «الديمقراطية الكويتية هي عبارة عن برلمان وصحافة، والصحافة حرة تعبر عن واحد في المئة من الشعب، والبرلمان عبارة عن نواب كل نائب يمثل شخصه، بالإضافة الى ذلك توجد حكومة لديها أزمة دائمة مع البرلمان لانها شكلت دون رأيه او قراره، لأنها لا تملك أغلبية داخلية في البرلمان، ظهرت أزمات دائمة مع الحكومة والاستجوابات مستمرة، ومشادات وصراع واشغال العمل السياسي كله في هذه النزاعات، والانتهاء بأزمات تلو أزمات حتى كاد الكثير من المواطنين يكفروا بالديمقراطية لان النموذج المقدم لهم اليوم هو نموذج ممل ومرهق للأعصاب ولا يقدم الانجازات المطلوبة». واضح اننا نتفق مع هذا التصور لانه لا يمكن ان تشرع اية حكومة في العالم دون اغلبية برلمانية، ومسببات الاخفاق كثيرة لان الدستور وضع عام 62، يفترض حسن النوايا والشهامة ونبل الأخلاق، وكلها عناصر غير متوفرة في فنون السياسة وقواعدها، ولكي تتجاوز الكويت المأزق الدائم لابد من توفر ما يلي: اولاً: لابد من اكتمال المنظومة الديمقراطية التي تتكون من تداول السلطة، وسيادة القانون، والمساءلة، والشفافية، والتعددية، وحكم الأغلبية. الديمقراطية الكويتية اخذت حرية الصحافة، وأخذت انتخابات برلمانية، ولم تلتفت الى العناصر الاخرى، ولهذا جاءت افرازاتها معطلة وسلبية. كما أتت التجارب البرلمانية بانحسار سيادة القانون، وتضعضع هيبة الدولة، وفقدت الحكومة المبادرة، وضاع المجلس في ميوله نحو النزاعات والاستجوابات. ثانياً: لابد من التفكير في عمل تكتل يحمي الحكومة ويوفر لها الاغلبية لكي تحكم وتشرع، وتبادر في الدور الريادي المتوقع منها، وان تبدل اسلوب المراضاة الى اقتباس فنون القيادة، بالاسلوب المتبع في الديمقراطية المتكاملة، بما في ذلك بناء كتلة برلمانية منسجمة مع توجهات الحكومة. ثالثاً: لابد من الاتفاق على ثوابت وطنية يجمع عليها شعب الكويت، في المطالبة في علاج الوضع المرتبك حالياً، وأهمها الالتفاف حول النظام، ووضع ضوابط للعمل البرلماني الوطني غير المتأثر بالايديولوجيات المستوردة، وممارسة العمل السياسي داخل حلقات الاجماع الوطني كما نراها في الدول الغربية، بحيث تترسخ قواعد العمل السياسي وسيادة القانون، وتتجاوز الطائفية والقبلية والفئوية التي ستتقوى في الكويت اذا لم يوضع لها العلاج السريع.. تجربة الكويت مليئة بالاخفاقات والتأزيم، والدكتور يوسف الابراهيم، والشيخ سعود الصباح والدكتور عادل الصبيح هم ضحاياها، وآخرون قادمون في سكة الاخفاق، مع تآكل في هيبة القانون وضعف في الاحترام، وتفوق للمشاغبات على حساب الكويت وأمنها. اعتقد من المناسب استخلاص العبر من جولة التعذيب التي عاشها الوزير يوسف الابراهيم من أجل الكويت ومستقبلها.