على الرغم من أن منطقة الخليج العربي بعيدة نسبيا عن بؤرة الأحداث في الشرق الأوسط مقارنة بدول المواجهة مع إسرائيل ، إلا أن استجابتها لقضايا المنطقة لا تقل سرعة ولا فاعلية عن هذه الدول. وفضلا عن المواقف الرسمية الثابتة لدول مجلس التعاون الخليجي والمعروفة سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعى فقد شهدت الساحة الخليجية زخما شعبيا فيما يتعلق بمناصرة القضية الفلسطينية، ويمكن رصد هذا الدعم الشعبى متمثلا في عدد من المحاور يأتى على رأسها: إنشاء الجمعيات المناهضة للتطبيع مع إسرائيل، إقامة المؤتمرات الشعبية لتعبئة الرأي العام الخليجي حول نفس الهدف، تبني دعوات مقاطعة البضائع الإسرائيلية، وأخيرا دعم صمود الشعب الفلسطيني من خلال جمع التبرعات. ويرى البعض انه من الخطأ بمكان القول بأن الخليج بعيد عن مخاطر التطبيع، إذ أن منطقة الخليج أحد الأقاليم العربية المستهدفة بهذا التطبيع لا سيما في شقه الاقتصادي عبر اختراق الأسواق الخليجية بالبضائع الاسرائيلية مباشرة أو بشكل غير مباشر. ويشير الخبراء إلى أن إسرائيل لديها عدد من الأهداف تبتغي تحقيقها في منطقة الخليج ومن هذه الأهداف: - السيطرة على النفط الخليجي، لاسيما مع الأخذ في الاعتبار أن إسرائيل تعتمد على استيراد كافة احتياجاتها النفطية من الخارج وهو ما يكلفها الكثير. ومن ثم فإن توفير مصادر قريبة للنفط من شأنه أن يحقق وفرا في الاقتصاد الإسرائيلى يعاد استثماره لصالح إسرائيل. - دخول سوق الإنشاءات الخليجي والاستثمار في مجال الإسكان على اعتبار أنه يعد سوقا يطرح فرصا مغرية للمستثمرين الأجانب. ومن جهة أخرى يطمح الإسرائيليون في إقامة علاقات اقتصادية ناجحة مع دول الخليج لكون معظم الصادرات الإسرائيلية مركزة في التكنولوجيا المتقدمة، وهذه المنتجات بصفة خاصة لا يتواجد معدلات طلب وإقبال كبير عليها لارتفاع أسعارها بالدول الخليجية. - رغبة إسرائيل في التواجد بصورة دائمة في منطقة الخليج، ولعب دور مباشر في التأثير على النظام الإقليمى في الخليج. وهي رغبة يعكسها اهتمام إسرائيل بالنزاع بين الإمارات وإيران حول الجزر الإماراتية المحتلة، والنزاع السابق بين اليمن وإريتريا. ويعتمد مدخل إسرائيل في هذا الدور على تأجيج الصراعات وتصعيدها وليس البحث عن حلول لها وتسويتها. ويؤكد المراقبون أن الموقف الإسرائيلي ينطلق من قناعة لدى صانعي القرار والسياسيين الإسرائيليين أنه مهما ركزت إسرائيل من تفوقها العسكري على جوارها العربي، فإنها تعاني من العزلة وهذه العزلة لها تداعياتها الاقتصادية والتجارية والسياسية والتنموية، وقد أثرت هذه العزلة على مدى ما يزيد على نصف قرن على بنيان الدولة الإسرائيلية وخططها التنموية. وفي ضوء الأهداف الإسرائيلية المعلنة، فإن الدول الخليجية ليس أمامها سوى مقاومة التطبيع مع إسرائيل انطلاقا من حقيقة مؤداها أنه كلما «اتسعت مساحة تنفس الكيان الصهيوني» على حد قول المراقبين- «كلما ازداد اختناق الوطن العربي». تعتبر مناهضة التطبيع من أهم جوانب العمل الشعبي الخليجي ، فمن ناحية تمثل الجمعيات الشعبية المناهضة للتطبيع مع إسرائيل الإطار التنظيمي الذي يعتبر ركيزة لأي عمل جماعي. ومن ناحية أخرى تلعب هذه الجمعيات دورا في مساعدة الدول الخليجية في التخفيف من الضغط الخارجي عليها الهادف إلى دفعها نحو إقامة علاقات مع إسرائيل تشمل مناحي الحياة المختلفة. وفي هذا الإطار شهدت الفترة الأخيرة إنشاء عدة جمعيات شعبية منها «المؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني في الخليج» وقد أنشئت هذه المنظمة في الكويت في إبريل عام 2000، في تجمع شعبي شاركت فيه 300 شخصية من الكويت والدول الخليجية والدول العربية الأخرى. ومنذ الإعلان عن تأسيس المؤتمر تم تشكيل لجان إعلامية وثقافية وسياسية وأنشئ مركز لرصد المعلومات عن النشاط الإسرائيلي في الخليج وسبل مواجهتها. كما تحتضن الكويت أيضا نشاط «لجنة مناهضة التطبيع» وهي لجنة منظمة شكلتها الكويت من الأحزاب والتيارات السياسية المختلفة لتكثيف نشاط مقاومة التطبيع مع إسرائيل على كل الصعد، وقد قامت اللجنة في أبريل الماضي بمظاهرة للتعبير عن موقف الكويتيين من قضية التطبيع مؤكدة أن الكويتيين لن يقبلوا التطبيع مع إسرائيل إلا بعد انتهاء كل مشاكل العرب معها، وأن الكويت ستكون آخر بلد يطبع مع إسرائيل. وفي البحرين تبلور الموقف الشعبي من خلال الإعلان عن تأسيس جمعية لمقاومة التطبيع مع إسرائيل في مايو 2001، وذلك بعد الحصول على الموافقة الرسمية كجمعية وطنية مفتوحة لجميع المواطنين والمقيمين العرب . وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تم إنشاء لجنة الإمارات الوطنية لمقاومة التطبيع مع إسرائيل في نوفمبر 2000، وذلك في اجتماع تأسيسي حضره 75 عضواً من أعضائها المؤسسين البالغ عددهم 92 والذين ينتمون لقطاعات مختلفة من المجتمع، وقد قررت اللجنة قبول انضمام المواطنين الإماراتيين والمقيمين في الإمارات من عرب وأجانب. وتهدف اللجنة إلى توعية المجتمع الخليجي عموما والإمارات خصوصا ضد أي اختراق يحاول أن يقوم به العدو الصهيوني للمجتمعات الخليجية ومقاومة كافة أشكال التطبيع معه سواء أكانت اقتصادية أو علمية أم ثقافية. مؤتمرات شعبية أقيمت أولى هذه المؤتمرات في الثامن من إبريل عام 2000 كنتيجة مباشرة للجهود التي قامت بها لجنة مقاومة التطبيع التابعة لمجلس الأمة الكويتي، وقد حضر المؤتمر 600 شخصية خليجية تمثل قطاعات حيوية في المجتمع الخليجي، ثم تلا ذلك تشكيل أمانة عامة من كويتيين وإماراتيين وبحرينيين. وقد اكتسب المؤتمر الأول أهمية خاصة انطلاقا من عدد من الاعتبارات: أولا: أنه جاء في وقت تشهد فيه العمليات السلمية في الشرق الوسط منعطفات خطيرة ليس فقط على المسار الفلسطيني إنما على المسارات العربية مجتمعة. ثانيا: أنه جاء وسط مزاعم إسرائيلية بعدم جدوى الربط بين تحقيق السلام والتطبيع، وأنه يجب عدم ربط إقامة علاقات طبيعية مع الدول العربي بالسياسة أو بتطور مفاوضات السلام على مختلف المسارات. ثالثا: أنه جاء في الوقت الذي تروج فيه إسرائيل على لسان مدير دائرة الخليج في الخارجية الإسرائيلية مقولات حول وجود اتصالات سرية مع عدد من الدول الخليجية لإقامة علاقات في مختلف المجالات. وما تم ترويجه من أن وزارة الخارجية تضع خطة لتطوير العلاقات الخليجية- الإسرائيلية، وفتح سفارتين لقطر وعمان وربما البحرين في تل أبيب. ثم عقد المؤتمر الشعبي الثاني في الكويت في مايو 2001، ليكون امتدادا للمؤتمر الأول الذي عقد في الكويت أيضا والذي سبقت الإشارة إليه. وقد تميز المؤتمر الثاني بحضور الدول الخليجية إليه لا سيما البحرين والإمارات ممثلة بجمعيات وليس بوفود شعبية فردية كما كان الحال في المؤتمر الأول، أما قطر وسلطنة عمان فقد كان تمثيلها على شكل وفود شعبية(19). كما كان المؤتمر الثاني بمثابة تتمة موضوعية للمؤتمر الأول وفرصة جيدة للاتصال والتواصل لتحقيق ما اتخذ من توصيات وقرارات. أما المؤتمر الثالث فقد عقد في مايو 2002 في البحرين، وهو الأول الذي يعقد خارج الكويت منذ تدشينه، وقد حضر المؤتمر الأخير نحو 500 من المفكرين العرب ولجان مقاومة التطبيع العربية. يذكر انه المستوى العربي ظل نشاط مكتب مقاطعة إسرائيل التابع لجامعة الدول العربية - والذي أنشئ في مايو 1951-هو الأبرز، حيث حققت المقاطعة نجاحا ملحوظا، حتى أن بعض المصادر قدرت خسائر إسرائيل نتيجة للمقاطعة العربية بنحو 90 مليار دولار حتى انعقاد مؤتمر مدريد. وليس أدل على فاعلية المقاطعة العربية لإسرائيل من الضغوط الكبيرة التي مارستها الإدارة الأمريكية في أعقاب عقد مؤتمر مدريد بحيث اضطرت معظم الدول العربية إلى إلغاء المقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة، في حين قامت الدول التي تجمعها اتفاقيات سلام مع إسرائيل بإلغاء المقاطعة بشكل كامل. وتجدر الإشارة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي أعلنت في نهاية سبتمبر 1994 أنها سوف تنهي مقاطعتها من الدرجة الثانية لإسرائيل وستنهي كذلك الحظر على الروابط البريدية والنقل الجوي غير المباشر. ملامح المقاطعة تعد دول مجلس التعاون الست من أكثر الدول العربية التي نشطت فيها دعوات المقاطعة، ففي المملكة العربية السعودية تم توزيع بيانات كثيرة تضم أسماء المنتجات الإسرائيلية والأميركية المطلوب مقاطعتها، وتتضمن هذه البيانات آراء وفتاوى علماء الدين. وقد أدت هذه الدعوات بالفعل إلى تراجع وتيرة العمل بنسبة 15 ـ 30 نهاية شهر إبريل الماضي 2002. إضافة إلى ذلك وضعت وزارة التجارة ومجلس الغرف السعودية أكثر من 170 شركة أجنبية وعدد من الشركات العالمية الأخرى في القائمة السوداء وذلك بعد ثبوت تورطها في تسريب بضائع إسرائيلية إلى المملكة. كما أعلن المجلس أنه بصدد اتخاذ عدد من الإجراءات الأخرى بالتنسيق مع وزارة التجارة. وفي البحرين، خرجت الكثير من المظاهرات والمسيرات السلمية لتطالب بمقاطعة إسرائيل بل والولايات المتحدة الاميركية، وفي الكويت رفض اتحاد الجمعيات التعاونية الكويتية دخول أي منتجات إسرائيلية إلى الأسواق الكويتية وفي سبيل ذلك عزز الاتحاد رقابته على الأسواق لمنع اختراق البضائع الإسرائيلية للسوق الكويتي تحت أي أسماء وهمية. وفي قطر أخذت حملات المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية والأميركية شكل فتاوى أصدرها عدد من علماء الدين بوجوب مقاطعة هذه المنتجات وحث المواطنين على ذلك باعتباره واجبا شرعيا لنصرة إخوانهم في فلسطين. كما فرض موضوع المقاطعة نفسه بقوة في خطب الجمعة التي يلقيها أئمة المساجد في قطر والذين كرسوا دعواتهم لمقاطعة الشركات الأمريكية. وربما تكون دولة الإمارات العربية المتحدة هي أكثر دولة من دول التعاون الست تشهد زخما فيما يتعلق بقضية المقاطعة كونها استضافت «المؤتمر الشعبي الأول للمقاطعة» في الفترة من 13-14 مايو 2002، والذي نظمته اللجنة الوطنية الإماراتية لمقاطعة البضائع الأمريكية( وهي لجنة منبثقة عن جمعية الصحافيين الإماراتيين) بالتنسيق مع لجان المقاطعة العربية. وقد حضر المؤتمر وفود من سبع دول عربية من بينها ثلاث دول خليجية هي البحرين، قطر، الإمارات. وقد بحث المؤتمر بلورة مفهوم جديد للعمل المشترك بهدف تحديد منافذ الخطر وجيوب تهريب السلع الإسرائيلية، كما بحث المؤتمر في بلورة مفهوم جديد وواضح للمقاطعة يتسم بالواقعية من خلال عدم الاكتفاء بالمقاطعة بل البحث عن بدائل لهذه المنتجات تنتجها شركات ودول أخرى. ونتيجة لهذا النشاط المكثف في مجال المقاطعة صرحت مصادر تجارية اميركية في دبي، أن «الأزمة الحالية التي تتعرض لها السلع الاميركية في الأسواق العربية والخليجية تحديدا هي الأكبر من نوعها بل إنها الأكثر تأثيرا، إذ لوحظ انخفاض المبيعات بنسب متفاوتة بين القطاعات تتراوح بين 10%-150% في الأجهزة الإلكترونية والكهربائية والسيارات، وبين 30%-40% في قطاع الغذاء المتمثل في المشروبات والوجبات السريعة ومتاجر الامتياز». كما تشير الإحصاءات إلى أن ثلاث دول عربية هي السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة تستحوذ على 80% من الواردات الاميركية للأسواق العربية بواقع 12.3 مليار دولار ، وهي دول تنشط فيها بقوة الحملات الشعبية الداعية لمقاطعة البضائع الاميركية تضامنا مع الشعب الفلسطيني، وفي هذا الإطار تشير تقديرات إلى أن الخسائر التي لحقت بالمنتجات الاميركية في دول مجلس التعاون ومصر تراوحت في شهر إبريل الماضي 2002 بين 150 مليون دولار و 200 مليون دولار بسبب حملات المقاطعة ، وهو ما يوازي 15-20 من إجمالي الواردات الشهرية للدول المذكورة من الولايات المتحدة الاميركية. وقد اضطرت مجالس العمل الاميركية في بعض الدول الخليجية إلى الطلب من الشركات تزويدها بتقديرات خسائرها الأخيرة، لإعداد تقرير موسع عن حجم الأضرار التي لحقت بها، تمهيدا لرفعها إلى الإدارة الاميركية. وأخيرا، يمكن القول أن هذا التفاعل الشعبي لشعوب دول مجلس التعاون الخليجي، والذي اتخذ صورا وأشكالا متنوعة إنما يعكس وعيا شعبيا خليجيا بقضايا الأمة العربية، كما يعكس رغبة حقيقية في المساهمة بطريقة فعلية في تقوية الموقف العربي في الصراع العربي الإسرائيلي.