مسكين هذا العالم، ومن قبله الأرض. كرتنا الجميلة تتدحرج الآن ليس نحو الهدف، بل الحتف. لقد باتت نهايتها رهن فئة مسيحية صهيونية، امتلكت المال أولا ومن ثم عقول العلماء المدمرة. المدافعون عن البيئة والانسان بحت اصواتهم واجراسهم: ساعة نهاية العالم تقترب. ولم يصغ أحد. لكن هذا التجاهل لا يخفي الحقيقة المرعبة: لقد أطلق اليمين الاميركي وحش التسلح النووي، وبات في وسع أي كان «باستثناء العرب طبعا» ان يضغط زرا فيمحو لحم ملايين البشر عن عظامهم. مؤخرا اعلنت الولايات المتحدة انسحابها من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ المعروفة بـ «ايه.بي.ام»، وردت روسيا باعلان تحللها من معاهدة «ستارت2» الخاصة بتقليص التسلح النووي. الفعل ورد الفعل هذا، يفتح المجال للخطر الاخير على الارض وما عليها. في بدايات الحرب الباردة بين العملاقين آنها الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة قال جون كنيدي الرئيس الاميركي لنظيره السوفييتي نيكيتا خروتشوف: ليكن في معلومكم ان لدينا من الاسلحة النووية ما يجعلنا قادرين على تدمير الكرة الارضية 13 مرة. رد الاخير مبتسما: لدينا ما يؤهلنا لتدميرها مرة واحدة.. فهي كافية. هل ما قالاه هذان محض خيال لاغراض الردع ام انه حقيقة مرعبة؟ الاجابة لدى الجميع بالطبع هي انهما قالا الصدق الموجع. ادارة جورج بوش الحالية، المسيرة بطغمة اليمين المسيحي واللوبي اليهودي، بدأت منذ تسلمها السلطة تبشر بنهاية العالم.فباسم الحرب العالمية على الارهاب هيأت اعلاميا لعزمها البدء باستخدام القنابل النووية التكتيكية ضد الجماعات الارهابية وحتى الدول التي تؤويها. وهو بالطبع ما سيدفع هذه الجماعات والدول المستهدفة الى البحث عن وسيلة ردعية مماثلة. وربما بناء على ذلك ستجد المافيا مثلا التجارة بالاسلحة النووية اجدى من التقليدية. طريق الشر الثانية التي سلكتها ادارة بوش او تشيني- رامسفيلد بالاحرى هي الاخطر: لقد اطلق تحلل اميركا وروسيا من معاهدات ضبط هذا السلاح الماحق لبدء حقبة تطوير الصواريخ النووية متعددة الرؤوس. تخيلوا مثلا ان تقدم احداهما على اطلاق صاروخ واحد من هذه، يسقط الصاروخ على بلد ما ويدفع انفجاره الى انطلاق وتفجر عدد كبير من القنابل النووية دفعة واحدة. تذكروا جيدا ما فعلته قنبلة ذرية بدائية واحدة في هيروشيما. اذن الجحيم بات في متناول النهاية البشرية المرعبة، سيما وان اميركا لم تختر طريق التركيز على تخفيض ترسانات الدول النووية، بل انها عمدت الى تسهيل انضمام دول اخرى لنادي الموت هذا، وها هي دول، ينام قسم كبير من شعوبها تحت الجسور وعلى الارصفة، تستنزف ميزانياتها في محاولات امتلاك السلاح النووي. خرافة نهاية العالم لم هذه المغامرة الانتحارية؟! هي على العموم ليست مغامرة، بل خزعبلات عقائدية تتجسد واقعا في السياسات الاميركية. اليمين المسيحي في الولايات المتحدة يؤمن بقوة بما يسمى نهاية العالم التي يخلطونها بمصطلح يوم القيامة، النهاية البشرية وفناء الارض لديهم هي اكتمال دولة اسرائيل وتجمع كافة يهود العالم فيها، ومن ثم يتم تخييرهم ما بين الابادة الشاملة أو اعتناق المسيحية، فيختار هؤلاء يهوديتهم ويبادوا عن بكرة ابيهم في «معركة مجيدو» النهائية ليأتي المسيح مبشرا بالنهاية الانسية. والغريب، هو هذا التحالف بين المتطرفين اليهود والمسيحين، رغم العلم بهذه المؤامرة التي يفترض ان تدفع للتطاحن بين الفريقين. اليهود ايضا لديهم خرافة مشابهة ولكن تختلف بالتفاصيل فقط، فهم يؤمنون بقدوم المسيح ومعه يوم القيامة، لكن بعد ان يهدموا الاقصى ويبنوا مكانه الهيكل الثالث. تتفق الطغمتان على النهاية وان اختلفتا على التفاصيل وتاليا تمشي اسرائيل نحو الهاوية الابدية وعلى محيا قادتها ابتسامة بلهاء. قصة الغواصات النووية الإسرائيلية لكن هل تتطلب نهاية اليهود في مجيدو كل هذا السلاح النووي؟! طبعا لا، لو لم تمتلك اسرائيل السلاح النووي والمتطور جدا. وفي البال ان التطرف اليميني هذا لم يتقدم الصفوف الا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة، فابانها كان من الضروري ان تمتلك الدولة العبرية السلاح الرادع حفاظا على وجودها ومن ثم المساهمة في توجيه ضربة قاضية للسوفييت من الجبهة الآسيوية الوسطى حال اندلاع الحرب الكونية. بعد انزياح الكابوس المؤقت هذا، بقي السلاح النووي بيد اسرائيل، ولا بد من استثماره اميركيا مع بقائه تحت الرقابة والضبط. ضمن هذا السيناريو تتسابق اسرائيل نوويا ليس مع العرب بالطبع بل مع قوى اقليمية كايران وحتى الدول الكبرى، على امل انتزاع المكانة ومكاسبها على الساحة الدولية، وفي بال قادة هذا الكيان ان التحالف حتى مع الولايات المتحدة ليس مقدسا ولا أبديا. قبل نحو الشهر سربت اسرائيل امتلاكها ثلاث غواصات من الصف التكنولوجي الاول قادرة على اطلاق الصواريخ النووية الجوالة «الباليستية». وقصة هذه الغواصات تعود للثمانينيات، حين صادق وزير الحربية آنها اسحق رابين على خطة لاستبدال الغواصات الاسرائيلية القديمة من نوع «غال» باخريات اكثر تقدما وتم اختيار المانيا المكلومة بعقدة المحارق النازية لبنائها. لكن بعد سنوات تفاقمت الازمة الاقتصادية الاسرائيلية فقرر قائد جيش الصهاينة في ذلك الوقت ايهود باراك الغاء مشروع الغواصات. في العام 1990 اندلعت حرب الخليج الثانية، وتساقطت الصواريخ العراقية على تل ابيب، وثارت ضجة تزويد شركات ألمانية اسرائيل بتكنولوجيا الاسلحة الكيماوية التي صورتها الدعاية الصهيونية بانها توشك على ابادة اليهود كما فعل بهم هتلر بوسائل تقليدية. وعلى الفور سارع هيلموت كول المستشار الالماني السابق للتكفير عن هذه الخطيئة ببناء ثلاث غواصات في غاية التطور للدولة العبرية وشبه مجانا، حيث لم تدفع اسرائيل سوى نصف تكلفة الغواصة الثالثة. في العام 1997 بدأ وصول الغواصات الثلاث «دولفين» و«لوفيتان» و«تكوما» الى موانيء دولة الاحتلال. صحيفة «معاريف» العبرية قدمت منتصف يونيو وصفا تفصيليا للغواصات وقدراتها القتالية: تتسع كل منها ل30 عسكريا. طول كل منها يزيد قليلا على 57 مترا، والعرض نحو ثمانية امتار.السرعة تصل الى 20 عقدة.لدى كل منها 10 قاذفات بحرية. لكن الاخطر ان لدى كل غواصة اربع قاذفات للصواريخ الباليستية النووية، حيث تحدثت التسريبات عن امتلاك اسرائيل 200 صاروخ باليستي نووي من نوع «هارفون» و«يريحو» وحتى «كروز» التي هي حكر على اميركا والدولة العبرية، وبمدى يصل الى الفي كيلومتر. الصحف الغربية كشفت ان اسرائيل اجرت تجارب لاطلاق صواريخها الباليستية من الغواصات الجديدة قبالة سواحل سريلانكا وباشراف الاسطول الاميركي. وهنا لا بد ان نتذكر التقارير التي تحدثت عن اقدام اسرائيل على مساعدة الهند في انتاج السلاح النووي لمواجهة باكستان، مقابل سماح الهند للصهاينة باستخدام جغرافيتها الواسعة لاجراء تجاربهم النووية. المهم ان دولة الاحتلال حلت بالغواصات النووية عقدة فقدانها للعمق الاستراتيجي اللازم للسلاح النووي، ووسعت بذلك حدودها الى البحار والمحيطات. سيناريو الضربة الكبرى في المنطقة يقول الاسرائيليون انهم مع الغواصات ضمنوا القدرة على الضربة الثانية حال تمكنت دول اخرى من توجيه ضربة ساحقة لمنشآتها النووية البرية، خصوصا وان غواصاتهم تحمل ما يجعلها قادرة على البقاء في البحر 30 يوما. هذا بالتأكيد أشبه بسيناريو اميركي: توجيه ضربة قاصمة لقدرات ايران التسليحية، وان ردت الاخيرة افتراضا باسلحة كيماوية فان وجهة هذا الرد ستكون اسرائيل حتما، فتتولى الاخيرة توجيه الضربة النووية الماحقة بواسطة غواصاتها. الخلاصة، انه ما بين برامج ايران التسليحية وغواصات اسرائيل النووية يقرفص العربي حاميا رأسه بيديه، ويهمس لاخيه العربي مغمض العينين: لقد ابلى حكامنا بلاء حسنا في مباريات كأس العالم! خالد أبوكريم