قدم يوسي ساريد زعيم اليسار الاسرائيلي دليلاً اضافياً على أكذوبة تحرر اليسار الصهيوني من العنصرية الصهيونية، واصطف اخيراً مع المتطرفين اليهود، واعاد انتاج برنامجهم السياسي العنصري، الهادف الى تكريس الاحتلال لفلسطين. ففي حوار مع جريدة «معاريف» العبرية نطق ساريد اخيراً، بعد صمت طويل طيلة العدوان المتواصل ضد الشعب الفلسطيني، واجهد زعيم اليسار الصهيوني نفسه في الترويج لمشروع فرض الانتداب على فلسطين في محاولة للتغطية على عملية اغتيال ارييل شارون رئيس الوزراء لجميع الاتفاقيات السلمية منذ اوسلو وحتى الآن، تالياً نص حوار ساريد: ـ هل لا زلت ترى أن عرفات شريك جاد؟ ـ لا، فقد توصلت لقناعة بأنه يقول لي في لقاءاتنا الخاصة ما لا يفعله على أرض الواقع. وقد بدأت أزمتي معه منذ عام عندما ذهبت مؤتمرا للأحزاب الاشتراكية عقد في البرتغال وعندئذ طلب عرفات مقابلتي في ساعة متأخرة من الليل كنت متعبا للغاية وأخذت أكيل له السباب بيني وبين نفسي لكني ذهبت إليه وكانت غالبية القيادات الفلسطينية المؤثرة موجودة منهم دحلان وشعث وعبد ربه وقد طالبت عرفات بأن يلقي في هذا المحفل خطابا جادا ومسئولا وألا يذكر (الأوهام) المتعلقة باستخدام إسرائيل لأسلحة محرمة دوليا ضد الفلسطينيين وقد شاركني نفس النصيحة كل القيادات الفلسطينية التي حضرت هذا اللقاء. وهنا قال عرفات: أنت صادق غدا هو اليوم المناسب سألقي غدا خطابا غير عادي. وعندما رافقني وزراء عرفات مودعين قالوا لي فلتنم مطمئن البال سيلقي عرفات غدا خطابا محترما. وفي نفس الوقت علم بيريز الذي كان يمثل إسرائيل أيضا في المؤتمر نفسه بمضمون اللقاء فسارع بنسب التحول المرتقب لنفسه وصرح للصحافيين بأن عرفات سيلقي خطابا مهماً يتمناه الجميع. لكن ما حدث أن خطاب عرفات كان مرعبا ومليئاً بالأوهام ولا يحمل أية قيمة جادة. وهنا قررت ألا التقي عرفات ثانية لأنه لا فائدة من الاجتماع معه. ـ كيف سيؤثر موقفك على التفاوض المستقبلي مع عرفات؟ ـ بشكل مباشر أقول إنه لا توجد أية احتمالات لإقامة مفاوضات مع عرفات نحتاج في المرحلة الحالية لفترة توقف، فأزمة الثقة بيننا تفاقمت للغاية. ولن ننجز شيئا طالما ظل عرفات وشارون في الحكم. فقد اعترف شارون أن الموقف سيئ بل و فظيع وأن المستقبل لا يحمل سوى الأسوأ لكنه يطالبنا مع ذلك بدعمه لتحقيق هدفه الوحيد حاليا وهو طرد عرفات. ـ هل كنت مخطئا عندما أيدت أوسلو؟ ـ لا أعتقد أن هناك خطأً كبيراً في أوسلو فلا توجد اتفاقيات كاملة، وخطأ أوسلو الأول هو عدم نص الاتفاقية على إخلاء المستوطنات، فتوقيع اتفاقية ثم الإبقاء على المستوطنات بل وتوسيعها كان خطأ كبيرا. ـ لماذا إذن لم تعترض وتضغط من أجل إخلاء المستوطنات؟ ـ لأنني كنت عنصراً من عناصر عملية السلام وقد قلت لنفسي: لن اشغل نفسي بالتفاصيل فالحل الصحيح سيفرض نفسه! ـ طالما أنك لا ترى جدوى من التفاوض ولا ترى فائدة من الحوار مع عرفات فما هو الحل من وجهة نظرك؟ ـ أنا أقترح عودة الانتداب الدولي «للمناطق» (الضفة وغزة) فطالما أن الطرفين لا يستطيعان أن يتوصلا لاتفاق يخرجنا من الأزمة الرهيبة الحالية فإنه يتوجب علينا أن نتجاوز قادة الطرفين ونحضر انتداب ليدير الضفة وغزة لفترة مؤقتة. وذلك بعد عقد مؤتمر دولي بحضور شارون وعرفات وسوف يبقى الأخير في منصبه على أن يدير الانتداب الأجنبي الأمور! وقد طرحت الفكرة على مسئولين دوليين وقد اعتبروها جميعا طوق النجاة الوحيد للخروج من الأزمة! باعتبار أن الانتداب سيتولى عملية الإصلاح التي تطالب بها الولايات المتحدة وسيدعم الاقتصاد وفي نفس الوقت سيضع حدا للاحتلال الإسرائيلي. ـ ما هي الدول التي ترشحها لكي تتولى الانتداب على الضفة وغزة؟ ـ الولايات المتحدة الأميركية ويجب أن تتحمل مسئولياتها خاصة وأنني أرى أن الرئيس بوش مضطرب ومبلبل الأفكار فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وهو لا يدر ما الذي يريد أن يفعله ويناور كثيرا ويسير في تخبط وهو بهذا يسيء لمصالح الولايات المتحدة الأميركية. ـ ولماذا في رأيك يجب على عرفات أن يقبل هذه الفكرة؟ ـ لأن اغلب دول العالم أقيمت بعد فترة من الانتداب! ومن الأمثلة على ذلك تيمور الشرقية وكوسوفو والبوسنة. ـ وما هو الموقف في حالة إصرار الانتداب على إقامة ميليشيات مسلحة خاصة به أليس في ذلك انتهاك لسيادة إسرائيل؟ ـ سيادة إسرائيل تنتهك يوميا من خلال العمليات الانتحارية وغيرها من الهجمات على الأهداف الإسرائيلية ، لذا أوافق على إجراء من هذا النوع فأنا في الواقع أرى أن إعادة الضفة وغزة للفلسطينيين ليس تنازلا من جانبنا بل تخلص من لعنة. وأنا أرى أن إسرائيل قبل 67 كانت دولة صغيرة لكنها قوية وتتمتع بروح معنوية مرتفعة. بعد 67 أصبحنا أسرى للمناطق (الضفة وغزة) والمستوطنات وانشغلنا عن قضايانا الداخلية. فنحن لا نسيطر على المناطق بل هي التي تسيطر علينا. ـ هل تسعى لتكون رئيس الوزراء القادم؟ ـ نعم فأنا بالنسبة للآخرين المتواجدين على الساحة أعتبر رئيس وزراء جيداً خاصة وأنني كنت شغلت من قبل منصبين وزاريين (البيئة والتعليم) وكنت ممتازا لدرجة أن جماعات الخضر وحماية البيئة لم يجدوا في فترة شغلي للمنصب أي أعمال لكي يقوموا بها. وأنا اعتقد أنه يتوجب في الشخص الذي يشغل منصب رئيس الوزراء أن تكون له رؤية وأنا بالفعل لدى رؤية: أسعى لتقليل الفوارق الاجتماعية التي من شأنها أن تفجر الموقف داخل المجتمع الإسرائيلي إن عاجلا أم أجلا، وكنت قد حاولت الإصلاح خلال فترة شغلي لمنصب وزير التعليم وأعتقد أنني فعلت في عام ما لم يفعله الآخرون في ثلاثين عاما. ـ طالما إنك كما تقول لماذا لم يختارك الإسرائيليون رئيسا للوزراء؟ ـ أغلب الجمهور الإسرائيلي هو في الواقع غير مهتم بانتخاب شخص نزيه وعادل ويديه غير ملطختين بالدماء! وقد لاحظت هذا حتى في فرنسا حيث خسر جوسبان الرجل النزيه الانتخابات بشكل فاضح ، واعتقد أن الإسرائيليين يخشون انتخاب شخص غير قذر خشية أن يتردد النزيه في دفع يديه في أحشاء أعداء وخصوم إسرائيل! ويمنعني من تولي المنصب معاداة قطاعات داخل إسرائيل على رأسهم المتدينون فأنا أدعو للتصدى للإكراه الديني (عدم فرض الالتزام بالشريعة اليهودية على الإسرائيليين) وهو ما دفع المتدينين لتصويري على أنني مثل فرعون عدو بني إسرائيل مطالبين بقطع ذراعي كعقوبة فورية. فهم يعتقدون إنني ضد اليهود واليهودية والدين. ـ أليس هذا صحيحا؟ ـ لا، بل على العكس لدي اتصالات سرية مع قادة متشددين دينيا وكثيرا ما يطلبون مني طلبات وأنا استجيب لها على الفور . وقد قال لي بعضهم عليك بالإعلان عن الأعمال الخيرية الدينية التي تقوم بها لكني أرفض الترويج لنفسي بهذا الشكل. ومن الأعمال التي قمت بها تبرعي لمعابد ومؤسسات دينية بكتب توراة. ـ لكنك بهذا الشكل تناقض نفسك فقد أعلنت الآن عن أعمال قمت بها على سبيل الدعاية؟! ـ المتدينون هم الذين يعلنون فلم أذكر على سبيل المثال إنني تدخلت لدى وزارة الصحة لتحسين الخدمة وتبسيط الإجراءات عند دخول أحد كبار الحاخامات لمستشفى لإجراء جراحة دقيقة. وأنا أضع التوراة وأحد القواميس على مكتبي في الكنيست. ولا أكره أن يكون الإسرائيلي جاهلا بالتوراة ونصوصها. ـ من الذي تعتقد أنه سيقود حزب العمل في المرحلة المقبلة؟ ـ لا يهمني فلن تتغير السياسات فحزب العمل ضل طريقه وقد وهن كثيرا. وخان مبادئ رابين. ـ وما رأيك في يوسي بيلين؟ ـ أنا أقدره واعتقد أنه يجب عليه أن يساعدني في تأسيس حزب أو تحالف ينتمي إليه كل من يسعى للسلام. ـ ما رأيك في حاييم رامون وبنيامين بن اليعازير؟ ـ الأول له جاذبية على المستوى الشخصي ولم أقل ضده أي شيء سلبي وأتمنى ألا أكون مخطئا، وبالنسبة لاليعازير (بعد تردد) أقول إن حزب العمل يستحق زعامة غيره لكي تتولى القيادة ولا أريد أن أسهب في الحديث عنه حتى لا يتم تفسير انتقاداتي إليه على إنها هجوم شخصي. ـ من منهم يصلح لكي يكون رئيس وزراء؟ ـ من خلال التجربة ثبت أن أي شخص يمكن أن يصبح رئيس وزراء.