ان استراتيجية الادارة الاميركية قائمة على ايجاد عدو جديد يتمثل في الارهاب، الذي لم يتم الاتفاق حتى اللحظة على تعريفه او تحديد هويته ومعالمه، وخوض غمار حروب طويلة ضده، ولايزال مفهومه مطاطاً، ونطاقه الجغرافي فضفاضاً يتسع تارة ليضم دولاً عربية واسلامية، ومنظمات تدافع عن تقرير مصيرها، ثم يضيق تارة اخرى ليتجاهل منظمات ودولاً ارهابية وعنصرية ويظل الفيصل في مثل هذه الامور مدى قرب هذه الدولة او تلك الجماعة من الولايات المتحدة، وتلاقي مصالحها معاً، الامر الذي يفرغ الاستراتيجية الاميركية في هذا الصدد من اي سند قانوني، او سياسي، يضمن لها النجاح، وهنا قد تتوارى مساعي الرئيس الاميركي بوش، وادارته المتسترة بالحرب ضد الارهاب، لتبقى اخفاقاتها على صعيد السياسة الداخلية والخارجية تتأرجح بين تيارين متنافسين، وان منطقاً كهذا قد يجعل شكوكاً كبيرة لاتزال تحيط بامكانية نجاح الادارة الاميركية في مساعيها التي لا يبدو انها قادرة على تحقيق اكثر من هدف «اطفاء الحرائق» في هذه المرحلة. كذلك يتضح ان بعض التطلعات التي طالما توخاها الرئيس بوش، خصوصاً على الصعيد المحلي قد اسفرت عن وجود شروخ في جدران الادارة الاميركية، حيث تعكس عناصر الادارة عدداً من التوجهات تتوافق مع الفكر اليميني المحافظ، وتمتلئ بفرق تأتي بالافكار اليمينية المحافظة، خاصة فريق السياسة الخارجية ويأتي في مقدمتها نائب الرئيس، ديك تشيني، والطاقم الذي بمعيته، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ونائبه بول وولفوتيز، الذي يعتبر احد مهندسي استراتيجية «الحرب ضد الارهاب»، وكان الى جانب نائب الرئيس الحالي، ديك تشيني، في البنتاغون خلال حرب الخليج في 1991، وكونداليزا رايس، مستشارة الامن القومي، وهو ما يطلق عليه بفريق الصقور، في حين يمثل كولن باول التيار المحافظ المعتدل، داخل الادارة الاميركية، حيث يفضل استخدام الدبلوماسية قبل اللجوء الى القوة العسكرية، ويرى ان التدخل العسكري يجب ان يحدث فقط في حالة وجود هدف واحد، مع ضمان كاف لتحقيق الانتصار، كذلك وجود خطة محددة للانسحاب، وهذا الاختلاف لا يعكس اختلاف الاستراتيجية، بقدر ما هو اختلاف حول ادوات تحقيق تلك الاستراتيجية. ويبدو ان للرئيس بوش، وجهات نظر تميل الى الاتفاق مع الفريق الاول، في معظم الاحوال، حيث يرى ان ادارته هي امتداد لادارة الرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريجان، وليس لادارة والده جورج بوش، من حيث التوجهات والسياسات. في جانب اخر، فإن سياسة الرئيس بوش، لم تشهد قدراً في التردد والحذر، كما تشهده حيال الشأن الشرق اوسطي، ففي قضايا عديدة، تدفع الولايات المتحدة موقفها للعمل بشكل انفرادي ومن دون تردد، اما عندما يتعلق الامر بـ (اسرائيل) فهي تتوخى اشد درجات الحذر، ولديها في ذلك عدة اسباب، قد يكون من اهمها، عدم وجود اجماع واتفاق، وهناك تباين في وجهات النظر حول المدى الممكن للانخراط الاميركي في الصراع الشرق اوسطي من دون ان ينطوي ذلك الانخراط على اثمان باهظة داخلياً وخارجياً، وصحيح ان هناك مرجعيات يتفق العالم كله على انها اسس صالحة لحل الصراع، غير ان الامر بالنسبة للادارة الاميركية، يتعدى مسألة وجود او عدم وجود مرجعيات، والمتفق عليه ان الادارة الاميركية قادرة على التأثير في مجرى الاحداث، لكنها في الواقع اعجز من ان تملي على (الاطراف) ما ينبغي عمله. مربط الفرس اذن هو ان اي خطة اميركية، مهما كانت منحازة فلابد ان تتضمن بنوداً لا تروق (لاسرائيل)، ولتمرير تلك البنود، يتعين على الادارة الاميركية ان تخوض صراعاً مع ذاتها اولاً، بسبب تباين الرؤى لدى الاركان المهمة والمؤثرة بالادارة الاميركية وفي وجهات نظرها مما يجعل هناك ثغرات في جدار ثقة الادارة في نفسها. واذا صح ان الامور بصدد ان تسفر عن مثل هذه الاوضاع، فهناك شواهد عدة على خلافات حادة داخل الادارة الاميركية وربما بالذات بين وزارة الخارجية والبيت الابيض حول العديد من القضايا والامور المهمة. وفيما يتعلق بالتفصيلات، فإن المنقول والمتداول وجود اختلاف في وجهات النظر، وهو ما يؤكد الخلاف بين معسكري الصقور والحمائم، داخل الادارة، لاسيما بعد ان بدت وزارة الدفاع الاميركية متمثلة في وزيرها ومساعديه خاصة (بول وولفوتيز) اكثر يمينية باتجاه اسرائيل لدرجة اثارت انتقادات ليس فقط وزير الخارجية بل العاملين بهذه الوزارة في «سابقة» لتدخل وزارة الدفاع في رسم السياسات الدبلوماسية الاميركية تحت ذريعة الحرب ضد الارهاب. وفي رأي المختصين السياسيين حول تلك الاختلافات، وعن تواجد وزارة الدفاع على خريطة التحرك الدبلوماسي الاميركي، فالنظرة في ذلك ان وزارة الدفاع لها دورها الخاص والمفهوم، لكن تدخلها على صعيد ملف عملية السلام يبقى غير مطلوب اطلاقاً. ولعل هذه الزئبقية في قراءة السياسة الاميركية لتوزيع الادوار والاقنعة بين اركانها سوف تنعكس على قرارات الرئيس الاميركي وقد بدت واضحة عقب تصريحات الرئيس بوش التي وصفت (بالتلقائية) لدى لقائه في مكتبه البيضاوي مع (شارون) والتي عكست دعماً تلقاه الاخير من الرئيس بوش للعمليات العسكرية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، خاصة ما يتعلق باعادة حصار مدينة رام الله، باعتبارها تدخل ضمن نطاق حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها، (حسب وجهة النظر الاسرائيلية والاميركية)، حينها تلقى البيت الابيض رسائل انزعاج عربية على مستوى الرؤساء. ولعل كولن باول ووزارته، كانوا اكثر انزعاجاً من تلك التصريحات باعتبارها قد تعكس تردداً او تبايناً لدى ادارة بوش امام الدول العربية، لذا سارع (باول) الى طرح فكرة اقامة دولة فلسطينية مؤقتة في محاولة لتغيير الانطباع السلبي الذي تركته تصريحات الرئيس بوش مع (شارون) لدى الجانب العربي وبما يشير ايضاً الى ان جوهر سياسة (بوش) يتركز على رفض ابعاد الرئيس عرفات عن اية مفاوضات للسلام. وجاءت تصريحات (آري فلايشر) المتحدث باسم البيت الابيض، حين وضح ان افكار (باول) لا تعبر عن السياسة الرسمية، وهو دليل اخر على استمرارية اختلاف وجهات النظر داخل الادارة الاميركية. وفي كل الاحوال، وكما يرى المحللون السياسيون، فإن الرئيس بوش يحاول الامساك بالعصا من المنتصف، ويميل في احيان عديدة اخرى صوب الموقف المحافظ، ثم يتراجع ويكرر عرض رؤيته في اقامة دولة فلسطينية في اسرع وقت ممكن، وانهاء الاحتلال ووقف بناء المستوطنات والخطوات التي تطالب الاطراف المعنية لاسيما الجانب الفلسطيني والعرب القيام بها، كما وان واشنطن ومعها ممثلو الدول الغربية في مجلس الامن اعربوا عن رغبتهم في وقف اتخاذ اي اجراء او قرار في مجلس الامن في الوقت الذي تبذل فيه واشنطن واخرون مساعي دبلوماسية منها امكانية عقد مؤتمر سلام دولي للشرق الاوسط في احدى الدول وربما تكون تركيا. والواضح ان بيان الرئيس (بوش) قد جاء متأثراً بمجموعة الصقور التي تتباهى بانتمائه اليها، بينما تحاول المجموعة الاخرى برئاسة المؤسسة الدبلوماسية اقناع الرئيس الاميركي بأهمية المصالح الاميركية اولاً، والرئيس الاميركي بدوره امامه الان كل الآراء،وعليه ان يحدد وان يختار، خاصة وانه على علم بأن عقد مؤتمر سلام دولي لن يحقق اهدافه، ولن يكون مجدياً، مالم تكن الادارة الاميركية مستعدة لوضع خطط وجدول زمني للمفاوضات التي لابد لاستمراريتها من الضغط على كل الاطراف لاسيما (اسرائيل) لقبول افكار من شأنها ان تحرك الموقف المتجمد، وبالجانب الاخر سيكون الرئيس الاميركي امام وجهة النظر الاسرائيلية ومعها كم هائل من الضغط يقوده (الصقور) انصار اسرائيل على الصعيد الداخلي. (فشارون) يرفض فكرة الدولة من اساسها ويهدد باللجوء الى صناديق الاقتراع الامر الذي يربك الادارة في واشنطن لانه قد يأتي بالليكودي الاخر (بنيامين نتانياهو) الذي يتميز بالنزق والجموح وبأهلية كبيرة للخروج على توجيهات «الباب العالي الاميركي» وشارون بالنسبة اليه (حمائمي) على الاقل في نظر نائب وزير الدفاع بول وولفوتيز. ان تلك التجاذبات لا شك تدفع بأركان الادارة الاميركية الى منابر التنافس المتواصل مما يسفر عنه عدم المقدرة على مسك زمام الامور والوصول الى تسوية مستقرة في المنطقة. وبالجانب الاخر، فإنه يبدو ان الادارة الاميركية التي شغلت الواقع العربي بفصول حرب ما يسمى بمكافحة الارهاب وممارسة مزيد من الضغوط عليه لا تكترث بتلك المواقف، وليس هذا فحسب بل انها وجدت استعداداً واسعاً للدور الصهيوني في دعم حرب ضد العراق، فرويداً رويداً، وبصمت يتضح بشكل جلي الدور الذي يقوم به الكيان الصهيوني ليس فقط في تحريض الولايات المتحدة على استمرار حصار العراق، وانما تسخين هذه الجبهة وتأجيج عدوان سافر وتلويح بتوجيه ضربة عسكرية همجية. وهو الامر الذي بات مستهلكاً لدى الاوساط العراقية، فالعراق واقع تحت طائلة عدوان سافر ومستمر من قبل الطائرات الاميركية والبريطانية منذ اكثر من عقد من السنين ويتمتع العراق بموقف قوي وحضور مؤثر على الساحة الاقليمية والدولية اذا ما تم تقييمه حسب المعايير الدولية، وفي (اسرائيل) يشير المراقبون الى ان رئيس الوزراء (شارون) وقادة اجهزته الامنية يركزون بشكل خاص على اتصالاتهم مع مسئولين يهود بارزين في وزارة الدفاع الاميركية لرسم خطط عدوانية تجاه العراق، وبالمقابل يلوح الوزير (باول) بورقة العقوبات الذكية واستخدام الدبلوماسية قبل اللجوء الى القوة العسكرية، وانه لا توجد على طاولة الرئيس الاميركي اية خطط في الوقت الحاضر لمهاجمة العراق، ولكن تلك العبارة لا تتقاطع مع حقيقة تلك الاستعدادات، فقد انتقدت ادارة الرئيس (بوش) اسلوب الحكومات السابقة في استخدام سياسة الاحتواء تجاه العراق ثم التفكير باستبدال سياسة العقوبات الشاملة الى ما يسمى بالعقوبات الذكية، وهي الفكرة التي لم تلق قبولاً او استحساناً لدى الاوساط المحافظة الاميركية والتي وجدت فيها امتداداً لسياسة الاحتواء والتي طبقت من قبل الادارة السابقة ورئيسها كلينتون. ومع ارتفاع وتيرة التهديدات الاميركية، البريطانية، الصهيونية ضد العراق تنشط التحركات الدبلوماسية وتتعالى المواقف العربية الرسمية العلنية في البروز، لتعبر عن معارضتها ورفضها لأي عمل عدواني عسكري ضد العراق وسيادته وعروبته، ذلك ان اي عدوان على اي بلد عربي اذا تم لن يكون سوى البداية لسلسلة اخرى من الاعتداءات تمتد لدول عربية اخرى، فالقائمة الاميركية تتوسع في عدوانها ضد اهداف ودول ذات عمق حضاري واصالة تاريخية تحت طائلة الصراع والتناقضات والمزاجية في التيارات الفكرية المؤثرة في الادارة الاميركية، الامر الذي بلا شك يفضي لمواقف متناقضة تسيء حتماً الى الولايات المتحدة وتؤثر كثيراً على مصالحها في الخارج. بقلم: نوار القيسي ـ كاتبة عراقية