لم تكن خلافات ادارة بوش حول الدولة الفلسطينية سوى حلقة في سلسلة الصراع المكشوف بين الحمائم والصقور داخل الادارة، إذ ان القاعدة التي باتت تحكم العلاقة بين المعسكرين تقوم على اساس تناقض الرؤى، وأصبح الاستثناء هو التوصل الى اجماع حول سبل معالجة قضية ما، ورغم ان ذلك النهج ادى الى اثارة البلبلة حول الموقف الأميركي على الصعيد الدولي، الا ان الحال استمر ـ على النحو ذاته ـ الى الحد الذي أصبحت فرضية ان الولايات المتحدة «لم تعد بحاجة الى سياسة خارجية طويلة المدى».. أمرا واقعا! ولاشك ان ذلك انعكس بشكل صارخ على دور وزارة الخارجية، ووزيرها كولن باول، في اطار هيكلية عملية صنع القرار الخارجي داخل ادارة بوش، وأصبح باول عمليا في وضع المحاصر من الثلاثي الذي يشكل محور الشر الحقيقي ـ كما ذهب الى ذلك العديد من المحللين الاوروبيين ـ اي تشيني نائب الرئيس، ورامسفيد وزير الدفاع، ورايس مستشارة الامن القومي، وربما راق باول هذا الوصف، ولكن دون ان يجرؤ على الجهر بمشاعره! واذا كان من نافلة القول ان الخلافات التي ليست بحاجة لأي جهد عند رصدها ـ تدور حول السياسات، والتكتيك، وانه ليس ثمة خلاف حول الاهداف الأميركية الاستراتيجية، فإن ذلك لا يعني ـ بأي حال ـ عدم اهمية سبل تنفيذ الهدف الاستراتيجي على الاقل عندما تتعارض تلك السبل مع مصالح الآخرين، بل ولا تتورع عن المس بكبريائهم القومية، ولا يستثنى من ذلك أقرب الحلفاء والاصدقاء. وهنا مربط الفرس، إذ أن باول، ومعظم مساعديه، الأكثر تعبيرا ـ داخل ادارة بوش ـ عن الاعتدال والتوازن النسبيين قياسا على فجاجة الصقور وعدم اكتراثهم بمصالح الآخرين او كبريائهم! من ثم فإن الرئيس يظل بحاجة الى الحمائم تماما كما هو بحاجة الى الصقور، ليس بهدف الامساك بكل الخيوط، ولكن لأن لكل معسكر دوره في تنفيذ ما يريده الرئيس، وبغض النظر عما يعكسه الخلاف او حتى الصراع من اثارة للبلبلة حول السياسة الخارجية الأميركية، إذ أن ذلك لا يعني في الكثير أو القليل الساهرين على تحقيق الهدف الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة «أي الهيمنة على العالم وتقديم المصلحة الأميركية على أي اعتبار آخر مهما كانت اهميته لأقرب الحلفاء». دور «الاسفنجة»! تصريحات باول المعتدلة ـ نسبيا ـ ومواقفه الأكثر توازنا تلعب ـ إذن ـ دور أقرب الى دور «الاسفنجة» في امتصاص الغضب، تجاه السياسات العملية التي ينفذها محور الشر الأميركي عبر صقوره الثلاثة وكبار معاونيهم، والاجهزة ذات المكانة الخاصة في «ماكينة» صنع القرار لاسيما داخل «البنتاغون» ومكاتب مجلس الامن القومي، والهيكل الموازي الذي ابتكره نائب الرئيس تشيني حتى يضمن عدم الخروج عن السيناريو المطلوب تنفيذه على الأرض، بغض النظر عن تناقض التصريحات بين اركان الادارة، والتي لا يمكن وصفها بأنها عملية توزيع ادوار، بقدر ما هي استثمار الحد الأقصى لامكانات كل لاعب. لقد كانت النظرة الأولية لفريق الشئون الخارجية في ادارة بوش تذهب الى ان الثلاثي: باول، رامسفيلد، رايس، بالاضافة الى تشيني نائب الرئيس ذي الصلاحيات غير المسبوقة ينتمون الى ايديولوجية مرحلة الحرب الباردة، وأن هوامش الخلاف لن تتسع حتى تصعب على الرتق، إلا أن الشواهد تؤكد ان العلاقة الصراعية بين باول والصقور لا تحتاج الى تدخل من الراتق، ما دامت تصب في خانة المصلحة القومية العليا كما يراها، ووفق تقويمه. واذا كان بعض المراقبين قد اشاروا الى أن السياسة الخارجية في عهد الرئيس السابق كلينتون كانت تدار من وزارة المالية، وليس من وزارة الخارجية، وأن مادلين أولبرايت، كانت وزيرة فقط لشئون الشرق الأوسط وشرق أوروبا ! فإن المتابعين لادارة بوش يؤكدون على أن وزارة الدفاع قد «اختطفت» القرار الخاص بالشرق الأوسط، وأن دور الخارجية قد تم تهميشه، بما يتجاوز منطقة الشرق الأوسط الى العديد من دوائر السياسة الخارجية ذات الحساسية، ويمكن الاضافة الى ما لاحظه هؤلاء ان مستشارة الأمن القومي استطاعت ان تفوز بجانب من الكعكة التي اختطفتها وزارة الدفاع! وإن كان من التزيد الزعم بامكانية لعب «المستشارة» لدور كذلك الدور الذي لعبه هنري كيسنجر في عهد الرئيس الجمهوري السابق ريتشارد نيكسون، الأمر الذي دعا ذلك الاخير الى اسناد حقيبة الخارجية لمستشاره للأمن القومي، بعد أن أصبح دور وزير خارجيته آنذاك، وليم روجرز باهتاً تماما، في أواخر الستينيات واوائل السبعينيات من القرن الماضي. لكن من الصعب تصور ان يتكرر ذلك المشهد الذي وقع قبل ثلاثة عقود مضت، بينما من المتصور أن يمل باول لعب دوره المرسوم على نحو يسئ في النهاية لتاريخه كرجل عسكري لعب دورا بارزا في جيش بلاده، دفع البعض الى التكهن بتأهله للمشاركة في انتخابات رئاسية على موقع نائب الرئيس! حرب النجوم إن تصور اصابة باول بالملل من مواصلة دوره الراهن يستند الى عدة مبررات أهمها: ـ ان الوضع القائم مرشح للاستمرار، وربما للتفاقم بسبب الوضعية التي تحتلها وزارة الدفاع بين اجهزة صنع القرار، ليس باعتبارها ـ فقط ـ وحدة رئيسية ضمن الاجهزة التنفيذية، ولكن ـ كذلك ـ لعلاقتها المتشعبة مع الكونغرس وجماعات الضغط والمجمع الصناعي العسكري، والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، من ثم يمكن توقع مزيد من التهميش لوزارة الخارجية، لاسيما في ظل تنامي النزعة العسكرية لادارة بوش. ـ اثبتت خبرة العام ونصف العام الماضية أن باول، وبشكل شخصي هو أكبر الخاسرين في «حرب النجوم» المحيطين بالرئيس بوش، وأنه ـ أي باول ـ رغم الندية التي تعامل بها مع الصقور، إلا أن كل الجولات أسفرت عن خسارته بالنقاط، صحيح أنه لم يخرج من أي جولة بالضربة القاضية، إلا أن تكوين رامسفيلد وتشيني ورايس لمحور في مواجهته يعني أن الرهان على تغير معطيات المعادلة القائمة يدخل في عداد المستحيل، وبالتالي فإن على باول إما أن يقبل الصيغة الراهنة حتى آخر الشوط أو.. لا يقبل. ـ توازن القوى الراهن بين باول ومحور الصقور يعكس طبيعة الرئيس بوش بخبرته المحدودة، واعتماده على نائبه في كثير من الأمور، وتخوفه من اعطاء أولوية للخارج على حساب الداخل، حتى لا يكون مصيره كأبيه، وبالتالي فإن كبحه لوزير خارجيته، يرمز على نحو ما الى رسالة يحرص على ابلاغها للرأي العام في الداخل، مفادها أنه حتى فيما يتعلق بالخارج فإن التعاطي مع شئونه تنطلق من النظرة على الداخل! ـ لا يعتمد باول على خطوط دفاعية قوية أو صف ثان متميز، بينما الأمر مختلف على الجانب الآخر، ففي وزارة الدفاع عناصر قيادية ذات خبرات وعلاقات متميزة، يقودها نائب الوزير بول فولفوتيز المفوض بالصلاحية والسلطة الكاملتين للعمل باسم وزير الدفاع، وله أن يمارس سلطات الوزير في أي شأن وفي جميع الأمور التي تخول للوزير صلاحية القيام بها وفقا للقانون، بينما يقوم باول بمهام للخارج دون أن يخول صلاحيات حقيقية، وشتان ما بين الحالين. ـ اذا كانت طموحات باول تتجاوز الآني الى مرحلة ما من المستقبل، فإنه دون شك سوف يضع في حسبانه تقويم الرأي العام لدوره وممارساته الحالية، وبكونه الطرف الأضعف في التوازنات القائمة بين فريق السياسة الخارجية، لاسيما فيما يتعلق بخسارته شبه الدائمة في حرب تضارب التصريحات وتعرض تصريحاته للنفي والتكذيب، وهي سمة ترتبط الى حد بعيد بالسياسة الخارجية لادارة بوش، دون السياسة الداخلية، أي أن الأمر لا يتعلق بسمة تميز الادارة عموما، الأمر الذي لابد أن يحسب سلبا على باول. ـ يدعم معسكر الصقور هيئات استشارية تضم في عضويتها شخصيات مؤثرة كحجم هنري كيسنجر، ومن أشهر تلك الهيئات «هيئة مجلس سياسة الدفاع» التي يرأسها ريتشارد بيرل صاحب النفوذ القوي داخل البيت الأبيض، والعارف بطبيعة التوازنات المعقدة داخل الادارة وخارجها، ويستطيع تحييد ذلك لصالح معسكر الصقور. لحظة الفرز إن الاستخلاص الأساسي مما سبق يتركز في أن باول يمثل نموذجا يتباين مع التيار المسيطر على مقاليد الأمور في ادارة بوش، وأن المسألة تتجاوز مجرد التناقض الممكن والوارد ـ بل والمقبول احيانا ـ داخل فريق العمل الواحد، الى لحظة فرز قد تأتي اليوم أو غدا، لكنها لابد آتية. واذا كانت ادارة بوش ـ منذ البداية ـ قد تبنت توجها واضحا يقوم على الاحادية في السياسة الخارجية، وكان الثمن ـ دائما ـ تهميش باول الأكثر ميلا للتعددية، فإن طبيعة الأشياء سوف تفرض عند نقطة ما على احد طرفي العلاقة اختياراً حاسماً، بالابعاد أو الابتعاد، بالاقالة أو الاستقالة، واذا كان الذين تعاملوا مع باول يوم كان يرتدي بذلة الجنرال يصفونه بأنه «سياسي» يرتدي الزي العسكري، فإن ذلك يرجح أن يتخذ الطرف الآخر قرار ابعاده، اذا ما استمر قادراً على المناورة والمداورة حتى تتغير المعادلة التي تحكم توازن القوى الراهن لصالحه، فربما كان باول مؤمنا بأن التغيير يأتي أحيانا بتدخل العناية الالهية، كما الحال في العالم الثالث، من ثم فلا داعي للدهشة اذا ما زعم أحد المقربين من باول انه يرفع يديه مبتهلاً كلما حملت الأنباء خبراً يتعلق بصحة زعيم الصقور «تشيني»! غير أن باول قد لا يحسب حساب أن يحسم بوش الأمر لصالح الصقور، من ثم لا يصبح بحاجة الى خدمات الحمائم!ربما...! بقلم: علاء عبدالوهاب ـ كاتب مصري