المتابعون لحملات التهديد المتواصلة الصادرة عن «صقور» الادارة الاميركية يجدونها مستهدفة اطرافا مختلفة كذلك التحركات العسكرية الواسعة التي تنفذها الولايات المتحدة في اكثر من مكان في العالم، يجدون العذر للذين يتهمون ادارة الرئيس جورج بوش بتضخيم الاخبار والمعلومات عن الاخطار المزعومة التي تشكلها بعض الدول او البؤر الارهابية على الولايات المتحدة، وذلك بهدف افتعال «قضية كبرى» يتحقق حولها اجماع قومي ويبرر بها «صقور» الادارة سياساتهم العنيفة ودعوات الاستنفار التي يطلقونها في الداخل والخارج. ويذكر هؤلاء المتابعون بان هذا الخطاب الاميركي المتشدد لم يكن وليد هجمات الحادي عشر من سبتمبر وانفجار ما تسميه الادارة الاميركية «الحرب العالمية الثالثة» وانما انطلق مع الحملة الانتخابية لجورج بوش الابن واتخذ شكل دعوات مركزة لزيادة فعالية القوة العسكرية الاميركية بحيث تتمكن من السيطرة على العالم كله عبر سلسلة من الخطوات والاجراءات منها تحديث الاسلحة الاميركية وتنفيذ مشروع الدرع الصاروخية والتحرر من الاتفاقات الدولية التي تقيد حركة الادارة السياسية وبالفعل فقد باشرت ادارة الرئيس بوش تنفيذ العديد من الخطوات التي تدخل في اطار هذا المخطط الواسع فور تسلمها السلطة وعندما وقعت احداث 11 سبتمبر وجدت هذه الادارة ان جميع ابواب التغيير مفتوحة امامها وسط اجماع قومي لم يسبق ان تحقق لاي ادارة سابقة. وبدلا من ان تستغل ادارة بوش هذه الفرصة التاريخية لمعالجة اسباب عدد من المشكلات العالمية المعقدة واعادة النظر في بعض التوجهات التي لعبت دورا في تغذية ظاهرة العنف والارهاب وانتشارها في مواقع مختلفة من العالم، حصرت اهتمامها بالاجراءات العسكرية فقط ورفعت شعارها المعروف «من ليس معنا فهو مع الارهاب». ان تكريس الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم ـ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ـ وامتلاكها قدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية لا تتوفر لاي دولة اخرى اغرى الادارة الاميركية بتوسيع نطاق حربها المفتوحة على الارهاب وذلك باضافة دول وقوى كبيرة الى لائحتها المستهدفة ولكن من دون اي تبصر او تمييز بينها وهو ما اظهر الولايات المتحدة وكأنها تواجه العالم كله، انطلاقا من رغبة كامنة في اخضاعه بالقوة، بغض النظر عن النتائج المترتبة على ذلك. هذا الوضع المستجد نشأ عنه أمران: ـ الامر الاول، تعاظم قوة ونفوذ فريق داخل الادارة الاميركية يدعو الى اعتماد سياسة التصلب، المستندة الى الوسائل العسكرية وحدها في التعامل مع قضايا العالم المختلفة ويرى هذا الفريق الذي يمثله على نحو أخص كل من نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول فولفويتز، ضرورة استغلال حدث سبتمبر لتصفية العديد من الحسابات المعلقة، واخضاع بعض القوى العالمية التي لم تعلن خضوعها للولايات المتحدة حتى الآن. ونظرا لتغلب وجهة نظر هذا الفريق داخل الادارة الاميركية فقد انعكست نتائج السياسات المتشددة المتبعة على العديد من الملفات الدولية وبالاضافة الى اسلوب التعامل مع موضوع الارهاب نفسه باعتباره موضوعا امنيا صرفا وليس له اي وجه سياسي او اجتماعي او اقتصادي، فقد اعتمدت ادارة الرئيس بوش موقفا متشددا حيال العلاقات مع روسيا والصين وكوريا الشمالية وايران وحتى الحليف التقليدي: الاتحاد الاوروبي ولم يتردد الرئيس جورج بوش الذي يتحرك دائما تحت تأثير هذا الفريق، كما يبدو في استخدام وصف «محور الشر» في حديثه عن دول كايران وكوريا الشمالية (على الرغم من ان ادخال العراق ضمن هذا المحور يعد امرا عاديا بالنسبة لطبيعة علاقاته مع الولايات المتحدة) ثم صعّدت الادارة الاميركية لهجتها في الحديث عن «محور الشر» هذا مهددة باستخدام الاسلحة النووية ضد دوله. وعلى العكس من ذلك كانت ادارة الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون توصلت الى اتفاقات سياسية مع حكومة كوريا الشمالية في شأن الحد من انتاج وانتشار الاسلحة الاستراتيجية النووية والصاروخية كذلكم استطاعت معالجة العديد من الملفات الرئيسية مع روسيا والصين وحتى فيتنام وهو ما فعلته ايضا في منطقة الشرق الاوسط، بهذا القدر او ذاك. القضية الفلسطينية والعراق ـ الامر الثاني، استغلال الحملة المعلنة على ما تسميه واشنطن «الارهاب» من اجل تصفية قضيتين رئيسيتين من قضايا الشرق الاوسط المتفجرة وهما القضية الفلسطينية وقضية العراق وذلك بادراج الملفين تحت العنوان ذاته على الرغم من ان هذا التوجه يتناقض مع مصالح الدول العربية صاحبة العلاقة المباشرة بهذين الملفين ومصالح دول رئيسية اخرى كايران وتركيا ومن المفهوم ان التنافس القائم داخل الادارة الاميركية بين فريق «الصقور» السابق ذكره من جهة ووزير الخارجية كولن باول من جهة اخرى ترك ايضا تأثيراته الواضحة على هذين الملفين وان كان الامر لم يحسم في اي منهما بصورة نهائية. لم يعد خافياً ان ادارة الرئيس جورج بوش نأت بنفسها منذ توليها السلطة عن التدخل المباشر في القضية الفلسطينية، مفضلة عدم اتخاذ أي مبادرة رسمية لانقاذ التسوية السلمية التي كانت مهددة بالانهيار بعد تفجر الانتفاضة الفلسطينية واختيار ارييل شارون رئيسا لحكومة اسرائيل بدلا من ايهود باراك. وهذا التمنع كان ناتجاً عن الخوف من التورط في الصراع القائم بعد فشل مبادرة الرئيس السابق بيل كلينتون من جهة، وعن ضغوط اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الذي يريد ترك اسرائيل تواجه الوضع بوسائلها الخاصة من دون ممارسة أية ضغوط أميركية عليها، من جهة اخرى. بيد ان أحداث الحادي عشر من سبتمبر ولدت معطيات جديدة، سعى كل طرف للافادة منها وفقاً لاستراتيجيته. ففي الوقت الذي راهن الجانب الفلسطيني على ان الادارة الاميركية ستسعى لمعالجة القضية الفلسطينية انطلاقاً من انها احد الأسباب الرئيسية لتفجر العنف في المنطقة، وبالتالي اتساع ظاهرة الارهاب في العالم، عمل ارييل شارون مدعوما من مجموعة «صقور» الادارة الاميركية على ربط المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي بالارهاب، وجعل المقاومة بالتالي أحد أهداف الحملة الاميركية. وهو ما حدث بالفعل، برغم المحاولات التي بذلتها الدول العربية والاتحاد الاوروبي وروسيا وقوى دولية عديدة أخرى لاقناع الادارة الاميركية بالفصل بين المسألتين حتى يصبح بالامكان اعادة المشكلة الى جذورها الاصلية، باعتبارها احدى قضايا حق تقرير المصير، ثم انقاذ عملية التسوية السلمية التي أغرقها شارون في بحر من الدماء والخراب والحرائق. عندما يشيد كولن باول باعلان الرئيس جورج بوش تأييده اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، على حد تعبيره، فكأنه يشير الى دوره هو، أي الدور الايجابي الذي يطرح حلولاً سياسية للمشكلة الفلسطينية، بدلا من اسلوب القتل والتدمير الذي يمارسه ارييل شارون ويلقى تأييدا ودعماً من الفريق الاخر في الادارة الاميركية. لكن ما لم يقله باول هو ان اعلان بوش، الذي يمنع شارون تحقيقه بقوة الاحتلال والدبابات، يكشف عن وقوف الرئيس الاميركي في منتصف الطريق، أي في نقطة لا تتحول فيها أقواله الى أفعال، وانما تبقى مجرد شعارات جميلة لا تقدّم أو تؤخر في مجرى الصراع القائم. وفوق ذلك فإن بوش يوجه اللوم دائما الى الفلسطينيين ويحملهم مسئولية فشل التسوية السلمية بسبب العمليات الاستشهادية، بينما يغمض عينيه عن الاحتلال الاسرائيلي ولا يبدي أي انزعاج من أعمال القتل والتدمير التي تنفذها القوات الاسرائيلية في الأراضي المحتلة. قضية العراق تأخذ هذه الوجهة ايضاً، على الرغم من وجود فوارق كبيرة بينها وبين القضية الفلسطينية، فثمة تباين في المواقف داخل الادارة الأميركية في شأن الموضوع العراقي. ذلك ان مجموعة «الصقور» اياها لا ترى سوى وسيلة وحيدة للتعامل مع هذه القضية: شن هجوم عسكري كاسح على العراق واسقاط الرئيس صدام حسين بالقوة المباشرة. أما وزير الخارجية، وبرغم تأكيده انه هو الآخر يفضل أن يرى العراق من دون صدام حسين، فهو يرى أهمية التركيز على سياسة العقوبات بهدف اضعاف النظام العراقي لا تدمير العراق وزيادة معاناة شعبه. وأمام هذا الواقع لا يفعل الرئيس جورج بوش شيئاً سوى مواصلة تهديداته للعراق، برغم ان الحرب الشاملة التي يهدد بها العراق ونظامه تواجه معارضة واسعة من الدول العربية كافة، بما فيها الكويت، ومن دول الجوار وروسيا والاتحاد الاوروبي، فهو يريد ابقاء باب التدخل العسكري مفتوحاً استرضاء لفريق «الصقور» في ادارته واللوبي اليهودي واسرائيل، بانتظار الظرف المناسب لتنفيذ تهديداته. انتقادات ومعارضة داخلية وهكذا، فإن الموقف الأميركي من القضيتين المذكورتين يواجه معارضة شديدة، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها. فالرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون الذي حض الرئيس بوش على تغيير أولوياته، بالتركيز أولاً على تحقيق السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين، دعاه في الوقت ذاته الى تعلم درس من جولة نائبه ديك تشيني في منطقة الخليج والشرق الأوسط، حيث امتنعت كلها بما فيها الكويت عن مساندة هجوم على العراق. واستنتج كلينتون بأن «الولايات المتحدة تعيش في كوكب آخر عندما نتحدث عن مهاجمة صدام حسين في الوقت الذي لا نشارك في عملية الشرق الأوسط». وأوضح كلينتون ان «صدام حسين لا يملك صواريخ يمكن ان تصل الى الولايات المتحدة ليضع رؤوساً نووية عليها». كذلك انتقدت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية السابقة ادارة الرئيس جورج بوش واتهمتها بأنها تعاني من فوضى تجعلها مترددة بين اتجاهين في شأن عدد من القضايا المهمة. وتورد أولبرايت عدداً من الأمثلة في هذا الشأن حيث تقول ان ادارة بوش «تتحدث عن أهمية تحالفاتنا الاوروبية والآسيوية، ثم تفضل استخدام هذه التحالفات في قضايا أمنية مشتركة. كذلك فهي تحذّر من مخاطر الصواريخ العابرة وتماطل بلا مبرر في التفاوض مع كوريا الشمالية». وتضيف قائلة: «كذلك الحال في الشرق الأوسط حيث تتغير الاشارات التي يرسلونها من يوم الى آخر». وتستنتج أولبرايت من ذلك ايضا «ان قسما من الادارة يؤمن حقاً بالدبلوماسية الدولية والقانون، بينما القسم الآخر غير مقتنع بذلك». ولا يقتصر الأمر على هذا النوع من الانتقادات والمعارضة للسياسات الاميركية المعتمدة حالياً، فقد أبدى 128 مثقفاً ومفكراً أميركيا معارضتهم للخطاب السياسي الرسمي السائد وللحرب التي تشنها ادارة بوش بصفتها «حرباً عادلة». وقالت رسالة وقعها هؤلاء المثقفون ان «الاميركيين الذين يناهضون سياسات الحرب المعتمدة من قبل الادارة الحالية، يتم خنق احتجاجاتهم وسط جوقة من العصبية القومية المهيمنة على وسائل الإعلام». وأضافت الرسالة «ان معظم المواطنين الاميركيين لا يدركون ما يخلفه استخدام القوة العسكرية الأميركية في الخارج وأن لا علاقة له أبداً بالقيم التي يحتفى بها في الداخل. فهذه القيم غالباً ما تستخدم لحرمان شعوب دول أخرى من فرصة التمتع بها». وليس من الغريب ان تلتقي هذه الانتقادات والملاحظات مع انتقادات كثيرة أخرى تنطلق من مختلف انحاء العالم: من أوروبا والشرق الأوسط وآسيا والصين... الخ، في الوقت الذي تظهر الاستطلاعات التي تنشرها الصحف الأميركية تراجع الثقة بالادارة الاميركية والمزيد من التشكيك بقدرتها على مواجهة الاخطار الحقيقية. ثمة حقيقة لابد من الجهر بها، في هذا السياق، وهي انه لا يعوض عن السياسات العاقلة، الحكيمة، العادلة، المطلوب من الادارة الاميركية اعتمادها لا تخصيص 383 مليار دولار للانفاق الدفاعي العام 2003، ولا التهديد بالضربات الوقائية للأنظمة والدول المتمردة، ولا بانشاء وزارة للأمن الداخلي، فالاجراءات الأمنية التي تطبقها الادارة الاميركية حالياً تماثل حالة الطواريء المديدة المطبقة في معظم دول العالم الثالث، حيث يتم تقييد حرية المواطنين وارساء حالة دائمة من الضبط والمراقبة والاعتقالات والتحقيقات والتدخل الفظ في كل كبيرة وصغيرة. فنحن أمام «مكارثية» أميركية جديدة، ولكن يجري تطبيقها خارج الولايات المتحدة ايضا، بالاضافة الى الداخل، وان اختلفت الآن الاسماء والأوصاف والذرائع. بقلم: رياض أبوملحم ـ كاتب لبناني مقيم في باريس